(1)
المطر لا يغسل خطايا البشر، هو فقط يبلل ثيابهم.
كانت هذه الفكرة تتردد في ذهن "تويا" وهو يقف عند مدخل ثانوية "شينسيه". السماء فوق طوكيو كانت بلون الرماد الدافئ، وقطرات المطر تتساقط بغزارة، تصطنع إيقاعاً رتيباً على المظلات الملونة التي يحملها الطلاب المتدافعون نحو بوابات المدرسة.
بالنسبة للجميع، كان هذا مجرد يوم إثنين كئيب آخر. أما بالنسبة لتويا، فقد كان ساحة معركة يومية.
أدخل يديه بعمق في جيوب سترته المدرسية الداكنة. تحت القماش، كانت أصابعه محاطة بطبقة إضافية من الحماية: قفازات جلدية سوداء ضيقة، يرتديها دائماً، صيفاً وشتاءً، دون أن تفارق جسده. في البداية، كان زملائه يسخرون منه، يلقبونه بـ "المريض بالوسواس" أو "الفتى الذي يظن نفسه في أنمي مظلم". لكن مع مرور الوقت، تحولت السخرية إلى تجاهل، وأصبح تويا مجرد جزء من أثاث المدرسة المهمل. فتى بلا أصدقاء، يجلس في المقعد الخلفي بجانب النافذة، ولا يتحدث إلا إذا دعت الضرورة القصوى.
لم يكن يكرههم، بل كان خائفاً عليهم... وخائفاً من نفسه.
"صباح الخير! هل رأيت حلقة الأمس؟" "لقد كان الاختبار فظيعاً، أظنني رسبت!"
مرت بجانبه مجموعات من الطلاب، تضحك وتتسامر. تمنى تويا، ولو لثانية واحدة، أن يكون مثلهم. أن يملك حياة "رمادية" عادية، بدلاً من هذا العالم الملون والمليء بالدماء والخطايا الذي يُجبر على رؤيته في كل مرة يرتكب فيها خطأً ويلامس أحداً.
قوته الخارقة لم تكن نعمة. كانت لعنة حقيقية.
بمجرد أن يلامس جلده جلد شخص آخر، يتدفق في عقله شريط مرعب: أسوأ ذكرى أو خطيئة ارتكبها ذلك الشخص في حياته.
رأى من قبل كيف سرق أحد الطلاب نقود صديقه المقرب، ورأى كيف ضرب أحد المعلمين زوجته في المنزل وهو يتظاهر بالمثالية في الصف، ورأى الغدر، والخيانة، والحقد المشتعل خلف الابتسامات المزيفة. البشر كائنات مقززة عندما تنزع أقنعتها، وتويا كان يملك المفتاح الإجباري لنزع تلك الأقنعة. لذلك، قرر إغلاق قلبه، وارتداء القفازات، والعيش في عزلة تامة.
"إذا لم ألمس أحداً، فلن يتأذى أحد، ولن تتسخ روحي بقذارتهم،" همس لنفسه وهو يخطو أولى خطواته داخل الرواق الداخلي للمدرسة، حيث تفوح رائحة الرطوبة والأرضيات الممسوحة حديثاً.
(2)
بدأت الحصة الأولى، وكان صوت المعلم "ساتو" يتردد في الفصل مثل طنين نحلة عجوز. كان يشرح معادلات الرياضيات المعقدة على السبورة، لكن تويا لم يكن يستمع. كانت عيناه مثبتتين على قطرات المطر التي تتسابق على زجاج النافذة.
فجأة، انفتح باب الفصل بصوت حاد.
صمت المعلم ساتو، والتفت الطلاب جميعاً نحو الباب. وقف مدير المدرسة هناك، وبجانبه فتاة صغيرة الطول، ترتدي الزي المدرسي لـ "شينسيه"، لكنها تبدو مختلفة تماماً عن بقية الفتيات.
كان شعرها بنيّاً فاتحاً، يتدلى على كتفيها بنعومة، وعيناها واسعتان تلمعان ببريق غريب، كأنها تحمل بداخلها ضوءاً يرفض أن ينطفئ. كانت تبتسم، ابتسامة هادئة وصادقة لدرجة جعلت الهمسات تتعالى في الفصل فوراً.
"يا إلهي، إنها جميلة جداً!" "هل هي طالبة منقولة في هذا الوقت من السنة؟"
تنحنح المدير وقال بصوت جهوري: "هدوء يا طلاب. هذه زميلتكم الجديدة، انتقلت إلى مدينتنا مؤخراً بسبب ظروف عمل عائلتها. رحبوا بـ (أياكو)."
خطت الفتاة خطوة إلى الأمام، وانحنت بأدب جم، ثم رفعت رأسها وقالت بصوت نقي يشبه رنين جرس صغير: "مرحباً جميعاً، اسمي أياكو. أتمنى أن نقضي وقتاً رائعاً معاً، وأن نصبح أصدقاء."
عندما قالت كلمة "أصدقاء"، التقت عيناها فجأة بعيني تويا في مؤخرة الفصل. لسبب لم يفهمه، شعر تويا بوخزة خفيفة في صدره. كانت نظرتها دافئة، خالية من الفضول الحاد أو الحظر الذي يراه في عيون الآخرين. أدار تويا وجهه بسرعة نحو النافذة، شاعراً بالارتباك.
"حسناً يا أياكو،" قال المعلم ساتو وهو يتلفت حول الفصل بحثاً عن مقعد فارغ. "يمكنك الجلوس في المقعد الفارغ بجانب تويا، هناك في الخلف."
تنهد تويا بداخله.
بالتأكيد، المكان الوحيد الفارغ هو بجانبي.
سارت أياكو بخطوات خفيفة نحو مؤخرة الفصل. وضعت حقيبتها على المقعد المجاور لتويا، ثم التفتت إليه وابتسمت بحرارة: "مرحباً، أنا أياكو. يبدو أننا سنكون جيراناً من الآن فصاعداً."
حافظ تويا على ملامحه الباردة كالعادة. لم ينظر إليها مباشرة، بل أومأ برأسه فقط بشكل طفيف، ثم عاد للنظر إلى دفتره. لم تبتئس أياكو برده البارد، بل جلست بهدوء وبدأت في إخراج كتبها.
طوال الحصة، كان تويا يشعر بهالتها. كانت مختلفة. عادة، يشعر تويا بضغط ثقيل عندما يجلس بجانب أي شخص، كأن خطاياهم غير المرئية تضغط على الهواء المحيط به. لكن بجانب أياكو، كان الهواء خفيفاً، نقياً، لدرجة جعلته يتساءل إن كانت قفازاته هي السبب في منحه هذا الشعور بالهدوء.
(3)
رن جرس الفسحة، وبسرعة أحاطت الفتيات بمقعد أياكو، يطرحن عليها الأسئلة ويمطرنها بالترحيب. استغل تويا الفرصة، ونهض من مقعده بهدوء متسللاً خارج الصف. كان يحتاج إلى بعض الهواء النقي بعيداً عن صخب البشر.
توجه نحو السلم الخلفي للمدرسة، وهو ممر قديم وقليل الاستخدام يؤدي إلى السطح والمكتبة القديمة. كان المكان هادئاً، وصوت المطر في الخارج يصبح أكثر وضوحاً هنا.
وقف تويا عند بسطة السلم، مستنداً إلى الحافة الحديدية، ونظر إلى يديه المكسوتين بالجلد الأسود. "كم سأستمر في العيش هكذا؟" تمتم بصوت منخفض مليء بالمرارة.
"العيش كيف؟"
قفز تويا من مكانه مصعوقاً. التفت بسرعة ليجد أياكو تقف على بعد خطوات قليلة منه على السلم. كانت تحمل في يدها علبة عصير صغيرة، وتنظر إليه بفضول طفولي.
"أنتِ... كيف جئتِ إلى هنا؟" سأل تويا، وصوته يحمل نبرة دفاعية حادة.
ضحكت أياكو بخفة وهي تقترب: "هربتُ من الفتيات في الفصل، الأسئلة كثيرة جداً وشعرت بالاختناق. رأيتك تخرج فتبعتك. ظننت أنك قد تدلني على مكان هادئ، ويبدو أنني كنت محقة."
"أنا لا أحب رفقة أحد،" قال تويا ببرود، ملتفتاً ليغادر. "من الأفضل لكِ أن تعودي إلى الفصل وتصنعي صداقات مع أشخاص عاديين."
خطا خطوة لأسفل السلم، لكن أياكو نادته: "انتظر يا تويا! لماذا ترتدي هذه القفازات في هذا الطقس؟ أليس يداك دافئتين؟"
لم يلتفت إليها، بل قال وهو يواصل السير: "هذا لا يخصكِ."
كان السلم زلقاً بسبب الرطوبة وبعض قطرات المطر التي تسربت من نافذة علوية مفتوحة. في تلك اللحظة، تعثرت قدم تويا على حافة الدرجة الحجرية. فقد توازنه فجأة، وبدأ جسده يميل إلى الخلف، متجهاً نحو سقوط عنيف قد يكسر ظهره.
"انتبه!" صرخت أياكو.
بدون تفكير، اندفعت أياكو لأسفل السلم ومدت يدها لتمسك به وتمنع سقوطه. تلاقت يداهما في الهواء.
في تلك الأجزاء من الثانية، اتسعت عينا تويا برعب حقيقي. يده اليمنى كانت قد خرجت جزئياً من جيبه، ولم تكن القفازات مغلقة بالكامل عند المعصم. بسبب الاندفاع، انزلق القفاز الأسود قليلاً، ولامست أصابع أياكو العارية... جلد معصم تويا العاري مباشرة.
"لااا!" صرخ تويا في عقله، متوقعاً الجحيم المعتاد.
أغمض عينيه بقوة، مستعداً لتدفق المشاهد البشعة، الكوابيس، الصراخ، الدموع، والخطايا السوداء التي تحملها هذه الفتاة خلف ابتسامتها المشرقة. انتظر أن يرى أسوأ أسرار أياكو.
ثانية... ثانيتين... ثلاث ثوانٍ...
ولم يحدث شيء.
(4)
فتح تويا عينيه ببطء، وكان جسده مستقراً الآن على حافة السلم، بينما كانت أياكو تمسك بمعصمه بقوة، وهي تتنفس ببطء محاولة استعادة توازنها.
لم يكن هناك صراخ في عقله. لم تكن هناك ذكريات مظلمة. لم يكن هناك سواد.
بدلاً من ذلك، شعر تويا بشيء لم يشعر به طوال سبعة عشر عاماً. شعر بـ صمت مطبق ونقاء كامل.
العالم داخل رأسه، الذي كان يضج دائماً بأصوات أرواح البشر الملوثة، صمت فجأة. كان الأمر أشبه بالخروج من عاصفة رعدية مدمرة إلى غرفة هادئة ودافئة. لم تكن هناك خطيئة واحدة. لم تكن هناك ذكرى سيئة. كان عقل أياكو، أو روحها، يبدو أبيض بالكامل، ناصعاً كالثلج البكر الذي لم تلمسه قدم بشرية من قبل.
والأكثر غرابة من ذلك كله... في اللحظة التي تلامس فيها جلداهما، ظهرت في مخيلة تويا صورة واضحة ومفاجئة: صورة قلب بشري أبيض تماماً، يشع بنور لطيف وهادئ، وينبض بإيقاع منتظم يبعث على السلام.
"هل أنت بخير؟" سألت أياكو، وصوتها مليء بالقلق وهي تنظر إلى وجهه الشاحب والمصدوم.
سحب تويا يده بسرعة قاسية، متراجعاً خطوتين إلى الوراء. كان يتنفس بسرعة، وجسده يرتجف ليس من الخوف من السقوط، بل من صدمة اللمسة. نظر إلى معصمه، ثم نظر إلى يد أياكو العارية، ثم إلى عينيها.
"أنتِ... من أنتِ؟" همس تويا، وصوته يرتجف. "كيف... كيف يعقل هذا؟"
بدت أياكو متفاجئة من ردة فعله العنيفة، لكن ملامحها سرعان ما تحولت إلى الحزن والهدوء. نظرت إلى يدها، ثم نظرت إليه وقالت بصوت منخفض، يحمل نبرة غامضة لم يفهمها: "أنا مجرد فتاة عادية يا تويا. لكن... يبدو أنك تبحث عن شيء لا يملكه أحد هنا."
عدلت حقيبتها على كتفها، وابتسمت ابتسامة باهتة وخالية من الحيوية التي كانت عليها قبل قليل: "أنا سعيدة لأنك لم تسقط. أراك في الفصل."
التفتت وصعدت السلم بهدوء، تاركة تويا واقفاً في الرواق المظلم وحده، وصوت المطر في الخارج يبدو الآن مختلفاً.
(5)
أعاد تويا ارتداء قفازه الأسود بسرعة، وضغط على معصمه بقوة. ضربات قلبه كانت تدق كطبول الحرب.
"لم أرَ أي شيء... لا توجد خطيئة، لا يوجد ماادٍ مظلم،" تمتم وهو يحاول استيعاب ما حدث. "وقطعة النور تلك... ذلك القلب الأبيض... ما الذي يعنيه؟"
لأول مرة في حياته، لم تكن القفازات السوداء وسيلة لحماية نفسه من قذارة العالم، بل أصبحت عائقاً يمنعه من الوصول إلى الحقيقة الوحيدة النظيفة التي التقى بها على الإطلاق. أياكو لم تكن مجرد طالبة منقولة؛ كانت اللغز الذي سيهز جدران عزلته الزرقاء حتى النخاع.
في تلك اللحظة، اتخذ تويا قراراً لم يظن يوماً أنه سيتخذه: يجب أن يقترب من أياكو، ويجب أن يكتشف السر وراء ذلك القلب الأبيض، حتى لو كان الثمن تدمير السلام الزائف الذي عاش فيه طوال حياته.
انتهت الحصة الأخيرة، وغادر الطلاب المدرسة سريعاً هرباً من اشتداد المطر، لكن تويا ظل واقفاً عند البوابة، يراقب طيف أياكو وهي تسير بمظلتها الوردية وسط الحشود، بينما كانت يده المغطاة بالجلد الأسود تتحرك ببطء نحو قلبه، الذي بدأ ينبض بشكل مختلف منذ تلك اللمسة.