تأتي على الإنسان لحظات يدرك فيها أن عليه الاستمرار مهما كان الثمن.

حتى لو كانت عيناه تحترقان من الجفاف الشديد، وحتى لو كانت معدته تعتصر من الجوع وتصدر أصواتاً متذمرة.

وحتى لو كانت الشاشة أمامه تومض بتحذيرات الانفصال العصبي بسبب الإرهاق المستمر لساعات طويلة... يجب أن يكمل.

كان 'زين' يعيش إحدى تلك اللحظات الفاصلة في حياته.

"يا رفاق، هل ترون هذا؟ إنها سلسلة من الهجمات المرتدة المجنونة. إذا خسرنا هنا، سيضيع تعب الموسم بأكمله أدراج الرياح."

تحدث الشاب ذو الهالات السوداء العميقة تحت عينيه عبر ميكروفون سماعته، بينما كانت أصابعه ترقص على لوحة المفاتيح بسرعة لا تكاد ترى بالعين المجردة.

نظر زين إلى المؤشر الزمني في زاوية الرؤية الخاصة به.

دقيقتان فقط تفصلانه عن نهاية التصنيف العالمي للموسم في لعبة "تكتيكات الإمبراطورية السحرية".

إنها لعبة استراتيجية معقدة تعتمد على إدارة الموارد السحرية، بناء جيوش من الفرسان والسحرة، والإستيلاء على غنائم الأخرين السحرية.

الفارق بينه وبين اللاعب الروسي الذي يحتل المركز الثاني، والذي يحمل اسم سيد_الظلال، لا يتجاوز بضع نقاط مئوية.

طوال الأيام الماضية، كان المركز الأول يتبدل بينهما كبندول ساعة مجنون، في حرب استنزاف استمرت لليالٍ متواصلة. ولكن الآن، النتيجة النهائية ستُحسم في هذه المعركة المباشرة وجهاً لوجه.

ألقى زين نظرة سريعة إلى شاشة البث المباشر المفتوحة بجانبه، حيث كان يتواجد أكثر من ألفي مشاهد يتابعون بصمت متوتر.

بالنسبة للعبة استراتيجية تعتمد على التفكير العميق والتزامن المعقد، كان هذا العدد من المشاهدين يعتبر رقماً قياسياً مذهلاً.

لقد كانوا هنا ليشهدوا اللحظة التي يُسقط فيها لاعبا عربيا محترفا أباطرة السيرفرات الأوروبية والآسيوية، ويتربع على عرش اللعبة.

"هوو... لنأخذ نفساً عميقاً. خطوة واحدة فقط تفصلنا عن المجد."

تمتم زين محاولاً تهدئة دقات قلبه المتسارعة.

كانت نافذة المحادثة تتدفق بسرعة جنونية، لدرجة أن الكلمات تداخلت لتشكل شريطاً ضبابياً. التبرعات الصغيرة والكبيرة تظهر وتختفي على الشاشة بألوان زاهية، لكن زين لم يكن في حالة تسمح له بالتركيز معها أو حتى شكر أصحابها.

يجب أن يفوز بهذا. لا يمكنه أن يكتفي بالمركز الثاني بعد كل هذا السهر وتدمير صحته.

ومع ظهور رسالة النظام باللون الأحمر القاني:

[التحام الجيوش النهائي قد بدأ!]

دخلت المعركة في مرحلتها الحاسمة والأخيرة.

الخصم يستخدم تكتيك 'الطوفان البربري'، معتمداً على إغراق ساحة المعركة بمئات الوحدات السريعة من الغيلان ومخلوقات الظلام المدعومة بسحر تعزيز السرعة. في العادة، هذا التكتيك كفيل بتحطيم أي دفاع سحري في ثوانٍ معدودة، واختراق أسوار القلعة الرئيسية.

لكن زين لم يكن يدافع في الواقع.

"لقد ابتلعت الطعم، أيها السيد المزعوم."

همس الشاب بها وابتسامة مرهقة، لكنها تحمل الكثير من الدهاء، ترتسم على شفتيه الجافتين.

أعطى الأمر الصوتي الأخير للنظام ببرود تام:

"تفعيل بروتوكول التضحية. فجروا برج السحر المركزي لقلعتي."

من خلال مكبرات الصوت، دوى صوت انفجار افتراضي ضخم جعل مكتبه يهتز. لقد قام بحركة انتحارية.

ضحى بأقوى مبنى لديه، والذي يولد معظم المانا لجيشه، فقط ليولد موجة صدمة سحرية عاتية شلت حركة جيش الخصم بالكامل وحرقت وحدات الطليعة الخاصة به في رمشة عين.

وفي الثواني الثلاث المتبقية من الشلل الذي أصاب العدو، انقضت وحدات زين الاحتياطية من فرسان النخبة المخفيين في الغابة المجاورة، لتسديد الضربة القاضية لقلعة الخصم المكشوفة.

[سيد_الظلال]: "طريقة قذرة للفوز... لكنها عبقرية لا تُنكر."

ظهرت رسالة استسلام الخصم على الشاشة، تلاها إعلان النظام الصاخب والمزخرف بالذهب:

[تهانينا! لقد حققت المركز الأول: الرتبة - الإمبراطور الأعلى].

انفجر قسم التعليقات وكأنه حقل ألغام من الفرحة والدهشة.

شعور بالنشوة العارمة ممزوج بإرهاق يثقل العظام غمر جسد زين بأكمله. لقد فعلها أخيراً. بعد أربع سنوات من احترافه هذه اللعبة، ودراسة كل تعويذة وتكتيك ممكن، أصبح أخيراً في قمة الهرم العالمي.

"شكراً لكم جميعاً على البقاء معي حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل. حسناً، سأقوم بإنهاء البث قريباً، لكن قبل ذلك، هناك التزام يجب الوفاء به..."

رنين. رنين.

ظهرت إشعارات التبرعات الضخمة تملأ الشاشة وكأنها ألعاب نارية احتفالية. ستكون هذه الأموال إضافة ممتازة لحسابه البنكي الجاف، وستكفيه لدفع إيجار شقته لأشهر قادمة.

"يا للروعة، شكراً على هذا الدعم السخي جداً."

[مممول_البطولات]: لقد تبرع بمبلغ 500 دولار.

[تعليق: نفذ الوعد! نريد رؤية عقوبة الفوز أيها الإمبراطور!]

ابتسم زين بتعب ومسح وجهه بيديه.

"أوه، هل ما زلتم تتذكرون ذلك؟ حسناً، وعد الحر دين عليه. دعوني أجهز الكاميرا."

نهض ببطء من كرسي اللعب الخاص به، والذي كان يصدر صريراً متذمراً، وأحضر زجاجة من مشروب الطاقة الصناعي ذو الطعم اللاذع والمقزز، والذي كان قد وعد بشربه كاملاً دون توقف إذا فاز بالمركز الأول.

بعد أن تجرعه بصعوبة بالغة، وكاد أن يختنق وسط ضحكات المتابعين وسخريتهم في التعليقات، ودعهم بابتسامة متكلفة وأغلق البث أخيراً.

كانت الساعة تقترب من الثالثة فجراً.

ارتدى زين معطفه الأسود الثقيل وخرج من شقته متوجهاً نحو كشك البقالة الآلي الذي يعمل على مدار الساعة في نهاية الشارع. كان هدفه الوحيد هو التخلص من الطعم المقزز لذلك المشروب ببعض الوجبات الخفيفة والماء البارد.

كانت الشوارع خالية تماماً، وأضواء النيون الباردة تعكس بريقها على برك المياه المتخلفة عن مطر المساء الخفيف. كان جواً هادئاً، يتناسب تماماً مع حياة شخص منعزل، يفضل وهج الشاشات على ضوء الشمس.

"يا لها من نهاية سخيفة..."

تمتم زين بصوت خافت وهو يضع يديه في جيوب معطفه، بينما استدعى شاشة هاتفه الذكي، متصفحاً تطبيق الروايات الإلكترونية الذي يقرأ منه في أوقات فراغه القليلة.

اسم الرواية كان "الوريث في الأكاديمية الملكية".

كانت بصراحة أسوأ رواية مرت عليه في حياته. الكاتب المبتدئ حاول حشر كل شيء يفضله القراء المراهقون في مكان واحد وبطريقة فوضوية، أكاديمية للسحر والفروسية، نبلاء متعجرفون يضطهدون العامة، نظام قوة يعتمد على تنقية 'نواة المانا' في القلب، وحريم من الأميرات وبنات الدوقات يتبعن البطل أينما ذهب دون أي مبرر درامي.

كانت فوضى كتابية لا تستحق حتى عناء القراءة، لكن زين واصل قراءتها فقط ليرى إلى أي مدى يمكن أن تنحدر جودة السرد.

المشكلة الكبرى لم تكن في القصة المبتذلة، أو الحوارات الركيكة، بل في النهاية.

الكاتب، بعد أن تعرض لوابل من الانتقادات اللاذعة في التعليقات بسبب ضعف أسلوبه، فقد صوابه تماماً. وفي منتصف تصاعد الأحداث، قرر إنهاء الرواية بطريقة انتقامية وتدميرية.

لقد جعل 'صدعاً من الهاوية' يظهر فجأة في السماء فوق الأكاديمية الملكية، ويبتلع القارة بأسرها في طوفان من المانا المظلمة ووحوش الهاوية!

نهاية مأساوية وعبثية بامتياز. لا قتال أخير ضد ملك الشياطين، لا تضحيات نبيلة، لا إنقاذ... مجرد فناء شامل أكل الأخضر واليابس.

نصف الرواية كان عبارة عن مغامرات رومانسية مدرسية وتحديات بين النبلاء، والنهاية كانت إبادة قارية تجعل المرء يشعر بالغثيان من شدة الإحباط وضياع الوقت.

"أي نوع من الحياة البائسة يعيشها هذا الكاتب ليفعل شيئاً طفولياً كهذا؟"

هز زين رأسه بيأس وهو يصل إلى ممر المشاة الإلكتروني. لم تكن هناك أي سيارات في هذا الوقت المتأخر من الليل، لذا تقدم بخطوات بطيئة، وما زالت عيناه ملتصقتين بالشاشة، يقرأ التعليقات الغاضبة والمطولة على الفصل الأخير.

ثم حدث ذلك.

يقولون أن الموت يأتي دائماً في اللحظة التي لا يتوقعها الإنسان أبداً، ومن الزاوية التي لا ينظر إليها.

صوت هدير محرك ضخم شق صمت الليل فجأة، وكأنه زئير وحش معدني.

عندما رفع زين رأسه، متفاجئاً بالصوت، لم يرَ سوى أضواء كاشفة عمياء تندفع نحوه بسرعة جنونية لا تتناسب مع طريق فرعي. كانت شاحنة شحن ذاتية القيادة قد فقدت السيطرة على ما يبدو، وانحرفت عن مسارها متجهة نحوه مباشرة.

لم يكن هناك وقت للصراخ، ولا حتى لرد فعل غريزي للقفز بعيداً.

صدمة هائلة.

ألم لم يختبر مثله في حياته، ألم تجاوز قدرة العقل على الترجمة فجعل كل شيء يبدو مخدراً. انعدام تام للوزن، وكأن الجاذبية تخلت عنه.

وفي تلك اللحظة القصيرة جداً بين الحياة والموت، حيث يبدو أن الزمن يتباطأ ويتمدد، لم يمر أمام عيني زين شريط ذكرياته كما تقول الروايات، لم يتذكر طفولته أو نجاحاته.

بل كانت هناك فكرة واحدة غبية وتافهة تدور في رأسه المحطم:

'تباً... لم أتناول أخر قطعة من البيتزا التي تركتها في الثلاجة.'

وهو يطير في الهواء، فاقداً الإحساس بنصفه السفلي تماماً، التقت عيناه اللتان بدأتا تفقدان بريقهما، باللوحة الإعلانية المضيئة المثبتة على الجانب العريض للشاحنة القاتلة.

[شركة السهم الذهبي للشحن: نضمن لك توصيلاً سريعاً لوجهتك النهائية!]

كان شعاراً يحمل سخرية قدرية لا يمكن تصديقها. وكأن الشاحنة نفسها تسخر منه، مؤكدة أنها أدت مهمتها في إرساله إلى العالم الآخر في وقت قياسي.

وقبل أن يغلفه الظلام الدامس وتتوقف حواسه عن العمل، تسللت شتيمة أخيرة من بين شفتي زين الملطختين بالدماء.

"هذه منطقة مخصصة للمشاة... يا ابن الـ..."

2026/04/07 · 7 مشاهدة · 1283 كلمة
mhm OT
نادي الروايات - 2026