كسر لوس حاجز الصمت، مبادراً بطرح الأسئلة ونظراته تتفحصهم بجدية: " ما الذي تريدونه مني تحديداً؟"
تراجعت جاسمين خطوة للوراء بتوتر، وقالت بصوت خافت: " آسفة يا إيرولد..."
تقدم إيرولد بثبات وبدأ الحديث مع لوس، سارداً له تفاصيل هدفه الكبير: فصل عالمهم البشري عن عالم الجان، طالباً منه الانضمام إليهم للمساعدة في تحقيق هذه الغاية المستحيلة.
استمع لوس باهتمام، ثم قال وكأنه يحدث نفسه: " إن القدر جمعنا بحق، حتى إني كنت أخطط لإيجاد طريقة للعبور إلى هناك. " ثم صمت للحظة، وعاد صوته أكثر حدة وجدية: " لكن السؤال... لماذا أنا يا إيرولد؟ أظن أن هناك أناساً أكفأ مني بكثير. "
ابتسم إيرولد وقال بنبرة تقدير: " أنت متواضع يا رجل. لقد استشعرتُ منك هالة لم أعهدها من قبل. هل تريد منازلتي لنتأكد من هذا؟"
رد لوس بهدوء رافضاً العرض: " لا، لنؤجل النزال حتى نصل إلى أوروك. "
تبسم إيرولد: " كما تشاء... لكن، هل سترافقنا؟"
شدّ لوس قبضته بتوتر طفيف، وكأنه يحسم صراعاً داخلياً، ثم أجاب: " نعم. "
قفزت جاسمين من مكانها وصرخت ببهجة: " هذا رائع! لنذهب إذن! "
في تلك الأثناء، اقترب الحصان عتمة من لوس، لكنه كان مضطرباً، يصهل بصوت عالٍ ويضرب الأرض بحافره خوفاً. اقترب منه لوس بخطوات بطيئة ومدروسة قائلاً بنبرة منخفضة: " على رسلك... اهدأ. "
كان عتمة لا يزال غير منضبط، لكن ما إن وضع لوس يده عليه حتى سرى هدوء غريب في جسده. أمسك لوس برأسه وبدأ يمسح على عرفه بحنان قائلاً: " فتى جيد... فتى جيد. ما اسمه؟"
أجابت جاسمين والدهشة تعلو ملامحها من سرعة ترويضه: " عتمة. "
ابتسم لوس وقال: " يا له من اسم جميل... يليق بحصان مهيب مثلك. " استجاب عتمة للمساته واقترب منه أكثر، وكأنه يألفه منذ زمن.
التفتت جاسمين إلى إيرولد وقالت ضاحكة: " إنه حقاً لا يحبك، ههههه. "
رد إيرولد ببرود مصطنع وهو يدير وجهه: " وكأني أكترث... "
لكن صوت آرثر قاطعه من الداخل بضحكة ساخرة مدوية: " نعم، أنت تكترث! هاهاهاهاها! "
زفر إيرولد بغضب مكتوم وقال: " هيا، لنتحرك إلى القرية. "
بدأ الثلاثة، إيرولد وجاسمين ولوس، بجمع أغراضهم استعداداً للتوجه نحو القرية. وفي الطريق، قفزت جاسمين بخفة لتستقر على ظهر لوس، وقالت بحماس طفولي: " لوس! الآن وقد أصبحنا رفاقاً، أخبرنا عن قصتك! "
حاول لوس التهرب، وهو يعدل وضع حقيبته: " بحقكِ يا جاسمين... إنها قصة عادية، ليست بتلك الحماسة. "
لكنها ألحت عليه بنظرات راجية، فقال إيرولد مبتسماً وهو يسير بجانبهم: " هذه الصغيرة لا تعرف معنى الاستسلام يا رجل، لن تتركك وشأنك. "
تنهد لوس باستسلام وقال: " كما تريدين يا جاسمين... " صمت قليلاً يرتب أفكاره ثم بدأ: " لقد نشأت وأنا لا أعلم من هم عائلتي الحقيقية. وجدني أناس من النبلاء وأخذوني معهم ليرعوني، لكني كنت أشعر دائماً أنني مختلف عمّن حولي. هم كانوا من علية القوم، بينما أنا مجرد طفل عامّي... ورغم ذلك، رحبوا بي جميعاً. تربيت بينهم، حتى أنهم منحوني اهتماماً وكأني واحدٌ من دمائهم. علّموني الكثير من مكارم الأخلاق وفنون المعرفة. "
توقف للحظة، ومرت سحابة حزن على وجهه، ثم تابع بصوت خافت: " وفي يومٍ ما... تمردتُ على أمر الملك، فكان جزائي النفي. "
قبض على يده، وعاد صوته يرتجف بغضب مكبوت: " فقط من أجل غلطة واحدة! "
أخذ نفساً عميقاً ليهدئ من روعه، وقال بصوت عاد إلى رصانته: " أعتذر عن انفعالي يا سادة. منذ ذلك الوقت عشت غاضباً وحاقداً... حتى أدركت أن الغضب لن يفيدني بشيء. لو بقيت أسير ذلك الغضب، لمُتّ منذ زمن. لذلك قررت أن أصقل نفسي، أن أجعل نفسي أفضل... أن أطمح للكمال الأبدي... هذا هو هدفي . "
أضاف ببطء، وعيناه تلمعان بطموح غريب: " ولإدراك الكمال نفسه... يجب أن أتوجه إلى عالم الجان وأعثر على تلك القطعة الأسطورية... تُسمى (كاسرة الحدود). إنها تكسر جميع الحدود مهما كانت... إنها بمثابة الحقنة التي تقرّبك من الكمال المطلق. "
سأل إيرولد بشك: " وما الذي يجعلك متأكداً من وجود شيء مثل كاسرة الحدود في عالم الجان؟"
رد لوس بثقة : " في عالم الجان، هناك أشياء أثمن من أي كنز. الأسلحة الأسطورية التي وصلت إلى عالمنا جاءت من هناك... لذا، عالم الجان يمتلك قوى وأسراراً لم نكتشفها بعد. " ابتسم لوس ابتسامة باهتة: " هذه هي قصتي... ببساطة. "
واصل إيرولد السير وقال بإعجاب: " يا لها من قصة، ويا له من هدف يا لوس. "
قاطعت جاسمين حديثهما، وصوتها يحمل نضجاً يتجاوز سنها: " ولكن، ما هو مفهومك للكمال يا لوس؟ الكمال... فكرة يظن الناس أنها ثابتة، لكنها في الحقيقة متغيرة وتختلف باختلاف العيون التي تراها. ما يراه أحدهم مثالياً، قد يراه آخر نقصاً أو سوءاً. لذلك أي محاولة لتحقيق الكمال من قبل المخلوقات... محكوم عليها بالفشل. نحن، كبشر، دائمًا محدودون، ونقيس العالم بما نملك من فهم وتجربة قاصرة. الكمال الحقيقي ليس في الوصول إلى الأشياء، بل في الرغبة المستمرة في التحسين، وفي السعي نحو الأفضل رغم استحالة الوصول. "
نظر إيرولد لجاسمين بفخر وصمت، تاركاً كلماتها تتردد في الأجواء.
ابتسم لوس وقال بإعجاب: " أحسنتِ يا صغيرة. ربما كلامك صحيح يا جاسمين... الكمال البشري محدود، ونحن مقيدون بأعين البشر ونظرتهم القاصرة. لكن هناك شيء يتجاوز هذه القيود، شيء لا يستطيع أي عقل بشري استيعابه بالكامل... شيء يجعل المستحيل ممكناً. هذه القطعة... كاسرة الحدود... ليست مجرد أداة، بل هي مفتاح. مفتاح لشيء أكبر من الكمال النسبي الذي تعرفينه، شيء كامل... بكل ما تحمله الكلمة من معنى. "
ثم أمال رأسه قليلاً وهو يهمس بنبرة غامضة: " والسؤال ليس إذا كان البشر يستطيعون تحقيق الكمال، بل إذا كانوا يجرؤون أصلاً على السعي وراءه ودفع الثمن. "
سكتت جاسمين لحظة تفكر، ثم رفعت عينيها نحوه وقالت بنبرة هادئة وحكيمة: " لكن... أليس هذا السعي نفسه قد يدمّرك يا لوس؟ حين يطغى الطموح على القلب، يتحوّل الإنسان إلى مسخ، إلى ظلّ لما كان عليه. ما فائدة الكمال إن كان ثمنه فقدان ذاتك؟"
ابتسم لوس ابتسامة واسعة: " يا صغيرة... الذات نفسها مجرد قيد. نحن نتمسّك بما نحن عليه لأننا نخاف أن نكون شيئاً أعظم، أو ربما شيئاً أسوأ. الكمال لا يحرِمك من ذاتك... لكنه يحررك منها. "
تدخل إيرولد، بصوت منخفض لكنه صارم وجاد: " الكمال الذي تتحدث عنه يبدو أقرب إلى هاوية سحيقة... خطوة واحدة خاطئة، وتسقط فلا تعود أبداً. "
تبسم لوس وهو ينظر إلى الأفق البعيد: " ربما... لكن أليست الحياة كلها سلسلة من الهاويات؟ من يرفض القفز، سيبقى واقفاً في نفس المكان إلى الأبد، يتآكله الزمن. "
قطبت جاسمين حاجبيها وقالت: " لكن أحياناً... الوقوف في نفس المكان أفضل من الضياع في ظلام لا نهاية له ."
ساد الصمت بينهم للحظات، لم يقطعه سوى صفير الريح وهي تعصف من حولهم. كان لوس هادئاً، ثم تمتم بصوت خافت، بالكاد التقطته آذانهم: " ستدركين يوماً... أنه لا أحد يرى النور الحقيقي إلا إذا امتلك الشجاعة ليعبر الظلام أولاً. "
ثم نظر إليها، وعيناه تلمعان بدفء، وقال: " النقاش معكِ ممتع بحق يا صغيرة... لا أشعر أبدداً أنني أتحدث مع طفلة في مثل عمرك. "
ردّت جاسمين بثقة وابتسامة مشرقة: " إيرولد يقول دائماً إن عقلي أكبر من عمري. "
قاطعه آرثر في رأسه بسخرية فورية: " متى قلت هذا؟"
أجاب إيرولد بهدوء داخلي، وكأنه يشرح أمراً بديهياً لروحه الثانية: " لم أقل شيئاً بلساني... لكنها فهمت ذلك. "
ثم قال بصوت مسموع لرفاقه: " لقد وصلنا القرية يا رفاق... كان حديثكم جيداً ومثيراً للتفكير. "
توقفوا جميعاً على تل صغير يطل على الوادي، واتسعت أعينهم من فرط الدهشة والجمال. كانت القرية لوحة فنية؛ المنازل الطينية الصغيرة مصطفة بنظام طبيعي وبديع، تعانقها حدائق صغيرة وتتخللها خضرة يانعة، وحقول الخضار والفواكه تحيط بها كسوار يمدها بالحياة. قنوات المياه الضيقة تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية، والنخيل يلوح بسعفه مع نسيم المساء العليل، فيما تناهت إلى مسامعهم أصوات ضحكات الأطفال وزقزقة الطيور، تملأ الجو بعبق البراءة والسكينة.
لمست جاسمين كتف إيرولد بحماس وقالت: " إنها صغيرة... لكنها تنبض بالحياة! "
أومأ إيرولد برأسه، لكن عينيه المتمرستين كانتا تمسحان المكان بحذر شديد: " الهدوء هنا قد يكون خادعاً... يجب أن نظل يقظين. "
أدار لوس رأسه نحو القرية، ووافق إيرولد الرأي بنبرة جادة: " ابقوا متيقظين... لا أحد يعرف ما قد يختبئ خلف هذا الجمال. "
بدت القرية وكأنها ملاذ للسلام، لكن شيئاً ما خفياً في الجو جعلهم يشعرون بوخزة تحذير؛ وكأن هذا الهدوء الحالي ليس سوى السكون الذي يسبق العاصفة.