دلفوا إلى القرية، ليجدوا حركة الحياة فيها مشوبةً بالغرابة؛ البعض يبيع بضائعه في الأسواق الصغيرة، والبعض الآخر يشتري على عجل، بينما اختفى الأطفال تماماً، خلت الشوارع من ضحكاتهم وركضهم، واختبأوا خلف النوافذ والأبواب الموصدة. كانت وجوه القرويين مشدودة، وعيونهم تزيغ في المحاجر، تحمل خوفاً خفياً وكأن شيئاً مريباً يتربص بهم من بين الظلال.
اقترب لوس من امرأة شاحبة الوجه، تفيض عيناها قلقاً، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة حازمة: " هل أنتِ بخير يا سيدة؟"
لم ترد المرأة، بل لاذت بصمتٍ طويل، كأن الكلمات تحجرت في حلقها، وعيناها مسمّرتان في الأرض. حاول لوس مرة أخرى، بصوت أكثر ليناً: " أرجوكِ... حدّثيني، هل أنتِ بخير؟"
ظلت المرأة تكافح خوفها، حتى انهار سد الصمت أخيراً. وبصوتٍ مرتجف مخنوق بالدموع، همست: " الحراس... إنهم يأخذون الأطفال... يزعمون أن مرضاً ينتشر... وكل من يذهب معهم... لا يعود... لقد أخذوا ابنتي الوحيدة.."
ثم أكملت بصوت متقطع من شدة التوتر: " إنهم ينقلون الأطفال بعيداً... هناك شائعة عن وباء يصيب الصغار... " انفجرت المرأة في بكاء حار، ودموعها ترسم مسارات على وجهها الباهت: " لقد أخذوا ابنتي... أرجوكم... "
تأجج الغضب في صدر لوس، وصّر على أسنانه بقسوة: " يا سيدة... إلى أين أخذوا الأطفال؟ ومنذ متى؟"
أجابت المرأة وصوتها يرتعش: " لتوّهم أخذوا ابنتي... وعدد قليل من أطفال القرية... كان هناك شخص غامض، يرتدي عباءة سوداء، يتبع الحراس... لقد وعدني أن يعيد ابنتي وجميع الأطفال... "
تقدم لوس خطوة إلى الأمام، وعيناه تشتعلان غضباً، بينما وقفت جاسمين بجانب إيرولد، قلبها يخفق بسرعة، مدركة أن الهدوء الظاهري للقرية لم يكن سوى قناع هش يخفي خلفه عاصفة قادمة.
سأل إيرولد المرأة عن أوصاف الشخص الغامض، فقالت وهي تمسح دموعها: " لم أرَ ملامحه... سوى ندبة واضحة على فمه... " ثم أشارت بإصبع مرتجف نحو الاتجاه الذي سلكوه: " من هناك... "
انطلق لوس مسرعاً نحو الاتجاه الذي أشارت إليه، صائحاً: " هيا بنا يا إيرولد! "
رفع إيرولد جاسمين بخفة ليضعها على ظهر عتمة، وأمسك باللجام صائحاً: " هيا يا عتمة! "
انطلق عتمة كالسهم، فاقترب إيرولد من لوس ومد يده ليسحبه خلفه على ظهر الحصان، ونهبوا الأرض نهباً باتجاه الشخص المجهول. قال لوس وهو يكزّ على أسنانه: " يجب أن نعيد الأطفال يا إيرولد! "
إيرولد بتركيز: " تعلم أن هذا ما يدور في عقلي تماماً. "
اقتربوا من الموقع، ليجدوا الجنود ملقين على الأرض فاقدي الوعي، وفي المنتصف يقف الشخص صاحب العباءة ممسكاً بأحد الحراس ويكاد يفتك به، وهو يتمتم بغضب: " يا إلهي... المزيد من الحراس! لقد خطفوا طفلة أخرى، أيها الملاعين! "
همس إيرولد للوس: " يبدو أنه يظننا أعداء... "
لكن قبل أن يكمل جملته، هاجمهم الشخص المجهول بسرعة خاطفة، ومر نصل سيفه بمحاذاة عيني إيرولد. لمح إيرولد تموجاً في الهواء حول قدمي المهاجم، فقفز عن ظهر عتمة برشاقة. صرخ إيرولد: " خذ جاسمين واذهب لتأمين الأطفال يا لوس! "
لوس بقلق: " حسناً... لكن هل ستكون بخير وحدك؟"
رد إيرولد بثقة: " لا تقلق، لست وحدي... " ثم همس في داخله: " هل سمعتني يا آرثر؟ " جاءه الرد فوراً: " نعم، سمعتك. "
توجه لوس بعتمة نحو العربة التي تحتجز الأطفال، لكنه لاحظ فجأة أن حركة الحصان أصبحت بطيئة وثقيلة بشكل غير طبيعي. قال الشخص المجهول ببرود: " لا ذنب للخيل... ولا للفتاة. "
وفجأة، وجّه هجومه نحو لوس مطلقاً قوساً من الهواء المضغوط، وهو يقول: " سوف تموت بسرعة... لا تقلق!"
صدّ لوس الهجوم بسيفه بصعوبة، وصاح: " تباً لهذه الجاذبية... إنها تبطئ حركتي! "
أشاد به الرجل المجهول قائلاً: " أحسنت يا رجل... حتى مع الثقل الهائل على جسدك، تمكنت من صد هجومي. لكن إياك أن تتحرك، وإلا ازدادت الجاذبية ! "
سقط لوس عن ظهر عتمة تحت وطأة الضغط، فقال الشخص المجهول: " الجاذبية عليك تزداد... أما الحصان والفتاة فوزنهم خفيف، سيعودون معي إلى القرية. "
التفت المجهول ليرى إيرولد يندفع نحوه مباشرة. صرخ إيرولد بصوت حازم: " إياك أن تؤذيهم! لنتحدث أولاً! "
لكن خصمه لم يمهله، وهاجمه بشراسة. تصدى له إيرولد من اليمين والشمال بحركات سريعة ودقيقة، ومع كل صليل للسيوف، كان الحماس يشتعل داخله، كأن كل هجوم يزيده قوة وعزيمة.
لم يرد الرجل الكلام، بل زاد من وتيرة هجماته، وارتفع فجأة في الهواء، مطلقاً ثلاثة أسهم هوائية نحو إيرولد. تفادى إيرولد اثنين ببراعة، وصد الثالث بسيفه، وقال بدهشة ممزوجة بالاحترام: " ساحر مقاتل... هذا مذهل."
لم يتوقف الرجل، وحوّل يديه إلى مركز لإطلاق موجات ضغط هوائية، مهاجماً إيرولد مجدداً، ليجد الأخير نفسه يتراجع خطوة للوراء، مستنداً على الرياح التي بدت وكأنها تدعمه هو الآخر. ابتسم إيرولد وقال: " كم أنت ذكي... هل لديك المزيد؟"
ابتسم الرجل المجهول بثقة وقال: " سأعطيك مبتغاك. "
اندفع نحو إيرولد، موجّهاً لكمة قوية محاطة بحقل جاذبية ليطرحه أرضاً. لكن إيرولد تفاداها بمرونة مذهلة، ثم صرخ: " الوداع يا رجل! "
في لحظة خاطفة، التف إيرولد وسدد له ضربة عكسية قوية على وجهه، دفعته للخلف ليسقط على الأرض، وانكشف وجهه للمرة الأولى تحت ضوء الشمس. تسمر إيرولد مكانه من الدهشة، فلم يكن يتوقع ما رآه.
كان شاباً يبدو في الثامنة عشرة من عمره، ذو وجه نحيف الملامح، وفك بارز كأنه نُحت بدقة. عيناه ساكنتان، تحملان هدوءاً بارداً يخفي عواصف، وما يميزهما أنهما بلونين مختلفين؛ اليمنى بنفسجية داكنة كعمق الليل، واليسرى بيضاء تماماً كأنها عمياء. حواجبه الداكنة تزيد من حدة نظرته الغامضة. شعره الغامق ينسدل بتموج فوضوي على جانبي وجهه، وعلى شفتيه ندبة خفيفة لا تشوه ملامحه، بل تزيد من هالة الغموض حوله.
مسح الشاب الدماء عن وجهه، وسأله إيرولد: " إذن... ما اسمك يا فتى؟"
ردّ الفتى بابتسامة ساخرة: " هاه؟ اسمي (أرجوس) من منطقة ماري... لقد أتيت من الغرب. "
أجاب إيرولد بابتسامة حادة: " وأنا إيرولد... لنجعل هذا القتال شيئاً يتفاخر به المنتصر. "
ضحك أرجوس: " لك هذا! "
قفز أرجوس مهاجماً من الأعلى، لكن إيرولد تصدّى له، ثم انقضّ بوجهٍ متجهم محاولاً ركله. قال إيرولد محذراً: " انتبه لقدمك يا فتى! "
أمسك أرجوس برأس إيرولد ليوازن نفسه في الهواء وهو يضحك باستهزاء: " أوووه... فكرة رائعة، لكنها غير إنسانية! "
ابتسم إيرولد بثقة وقال: " حان وقت الجد! "
غرس إيرولد سيفه القديم المتهالك في الأرض، وأخرج سيف (ملك اللصوص) من غمده. حدّق في النصل اللامع قائلاً: " سوف أسميك... (ثورن). لا تخذلني. "
اندفع بقوة مهولة، فوجد أرجوس نفسه يتراجع تحت ضغط الهجمات المتتالية. تمتم أرجوس في داخله: " هذا الوحش... أصبح أقوى وأسرع من ذي قبل! "
حاول أرجوس دفع إيرولد بعيداً باستخدام سحر الهواء، فانفجرت موجة قوية حولهما، لتتطاير الأوراق والحصى في الأرجاء. تراجع أرجوس قليلاً وقال: " حسناً يا هذا... "
رفع يده إلى السماء، فتجسّد رمحٌ هائل من الهواء المضغوط، يلتف حول رأسه وهج بنفسجي غامق. قبض على الرمح بين يديه، وعيونه تتقد بالعزم، ووقف في مواجهة إيرولد بلا ذرة خوف.
ضحك إيرولد فاتحاً ذراعيه وقال: " إني أرحب بهجومك! "
كادا ينقضان على بعضهما، حين شقت صرخة جاسمين الهواء: " توقفاااا يا أرجوس! نحن هنا لمساعدة الأطفال! "
تجمّد أرجوس في مكانه، والرمح يتبدد من يده، وقال متعجباً: " هاه؟! ألم يختطفوكِ؟"
ردّت جاسمين بسرعة وهي تلهث: " لا، لم يفعلوا! بل والدة أحد الأطفال هي من أخبرتنا أنك ذهبت لتعيدهم، ونحن هنا للتأكد من سلامتهم وإعادتهم! "
تغيرت ملامح أرجوس فجأة، زال الغضب وحل محله الندم، وقال ببرود وهو يرفع سحر الجاذبية عن لوس:
" أنا... آسف بحق. لم أعرف هذا... أعتذر . "
ركضت جاسمين نحو إيرولد وهي تمد يديها: " إيرولد، احملني! "
نظر إليها إيرولد بتعجب داخلياً: " لماذا تريد أن أحملها الآن؟!"
لكن قبل أن ينطق، ضربته جاسمين على رأسه بقبضتها الصغيرة وقالت بغضب: " أيها المختل اللعين، يا محبّ القتال! كان يجب أن تحاول إيقافه والتفاهم معه بدل الانسجام في القتال، أيها الغبي! "
ابتسم إيرولد بخبث، ورفعها عالياً ليعلقها بملابسها على غصن شجرة مرتفع، وقال: " ابقي هنا. سنأخذ الأطفال ونتركك. "
صرخت جاسمين وهي تتأرجح: " أنزلني أيها العجوز! "
ردّ ببرود وهو يوليه ظهره: " لا، لن أفعل. "
بدأت تصرخ مستنجدة: " لووووس! لا تدعه يفعل هذا! رد علي يا لوووس! "
لكن لوس كان مستلقياً على الأرض يضحك بخفوت، متجاهلاً صرخاتها ومستمتعاً بالمشهد. صرخت جاسمين مجدداً: " أنت يا أرجوس! أنزلني من هنا! "
وقف أرجوس متجمداً، ينظر إلى هذا المشهد ، قبل أن يصرخ مذهولاً: " من أنتم بحق السماء؟!"
نظر إيرولد إليه وقال ببساطة: " مجرد عابري سبيل. "
ارتجف قلب أرجوس للحظة؛ شعر أن ما أمامه ليس مجرد رجل عادي، بل مزيج بين فارس ووحش، شخصية لا يمكن التنبؤ بخطواتها. قطعت صرخة جاسمين تفكيره وهي ما زالت تتأرجح بغضب: " توقفوا عن الكلام الفارغ! أنزلني الآن قبل أن أريك جحيماً لن تنساه! "
ضحك لوس بصوت عالٍ هذه المرة، ثم نهض نافضاً التراب عن ثيابه، وقال: " يبدو أنني وجدتُ الرفاق الأكثر جنوناً. "
أطرق أرجوس رأسه قليلاً، ثم قال بجدية عادت لملامحه: " إن كنتم جادين... فلنحررهم. الأطفال محتجزون الذي تم نقلهم إلى المملكة. إذا أردتم مساعدتي... فهذا وقتكم. "
صاح الجميع بصوت واحد وقد ارتسمت الصدمة على وجوههم: " المملكة؟!"
زفر أرجوس وأجاب بجدية: " لقد استجوبت أحد الحراس... وأكدوا أنهم يسلّمون الأطفال للقائد (كوراش) في المملكة. ليسوا يأخذونهم من هذه القرية وحدها، بل من القرى المجاورة أيضاً. علينا أن نوقفهم... فليست هناك أيّة علة أو مرض كما يزعمون. "
التفت إيرولد بسرعة: " أنت تقصد... مملكة أوروك، أليس كذلك؟"
أومأ أرجوس: " نعم... "
قال إيرولد بحزم: " هذا هو طريقنا. "
اقترب لوس من العربة الخشبية الكبيرة، تفحص الباب المقفل بقفل حديدي متين. رفع حاجبيه بابتسامة ساخرة وقال: " قفلكم هذا لا يصلح حتى لدكان بائس. "
ثم جذب الباب بقوة حتى انتزع القفل وفتح مصراعي العربة دفعة واحدة. انكشف الداخل عن سبعة أطفال صغار، وجوههم شاحبة وعيونهم دامعة، يتراجعون إلى الخلف رعباً. انحنى لوس قليلاً، مبتسماً بلطف شديد وقال: " لا تخافوا يا صغار... أنتم بأمان الآن. هيا، تعالوا... سنعود بكم إلى القرية. "
لكن أرجوس صرخ فجأة: " لقد نسيت تحرير الاطفال ! "
في تلك اللحظة اندفع الأطفال بسرعة نحو الخارج، وبمجرد خروجهم، وقعت أبصارهم على جاسمين المعلقة على الشجرة كعقاب. ارتجفوا من الرعب وركضوا يختبئون خلف لوس، يتشبثون بثيابه وهم يبكون: " أرجوك يا سيدي! لا تدعهم يؤذوننا مثلها! "
ارتبك إيرولد ورفع يديه نافياً: " لا... لا! إنها معنا! فقط... كانت سيئة الأدب قليلاً! "
أنزل إيرولد جاسمين من الشجرة، فنظرت نحوه بحدة وقالت هامسة: " أنت من بدأ هذا! "
ثم جرت مسرعة إلى لوس، تمسك بذراعه وتتصنّع الارتجاف والبكاء: " أرجوك يا سيدي... لا تدعه يقترب مني! لقد هددني بضربي! "
اتسعت عينا إيرولد من الصدمة، بينما نظر إليه أرجوس بدهشة غير مصدق. أما الأطفال فقد صرخوا جميعاً دفعة واحدة في وجه إيرولد: " ابتعد عنها أيها المجنون ! "
واندفعوا نحو لوس، يعانقونه بشدة وكأنه حأميهم الوحيد. انفجر لوس ضاحكاً حتى دمعت عيناه، وهو يقول:
" يا إلهي... لم أرَ مسرحية متقنة كهذه في حياتي! "
وفجأة، خرج طيف آرثر من جسد إيرولد يضحك قائلاً: " أحسنتِ يا جاسمين، لقد وضعتِه في موقف صعب بحق. "
من الجهة الأخرى، لمعت عينا أرجوس بشراسة، وصرخ محذراً إيرولد: " احذر! هنالك كيان يطوف حولك! "
تعجب إيرولد وجاسمين، وقال إيرولد: " هل يمكنه رؤية آرثر؟!"
لم ينتظر أرجوس، بل هاجم آرثر برمح هوائي، فاندفع إيرولد لصدّه، بينما تراجع آرثر للخلف صائحاً: " من هذا المعتوه؟!"
صرخ أرجوس: " سوف أقتلك يا هذا! "
اتجه آرثر نحو إيرولد قائلاً ببرود: " سوف أكون بخير، لن يلمسني وأنا داخل جسدك. "
لكن إيرولد تفادى آرثر ببراعة، تاركاً إياه في العراء. وقف آرثر في الهواء مصدوماً وقال: " هاه؟! هل تريده أن يقتلني؟!"
رد إيرولد بابتسامة شامته: " لن تعود حتى تقول: " آسف يا سيد إيرولد. "
صاح آرثر بعناد: " على جثتي! لا!... لحظة... أنا لا أمتلك جثة... على جثتك أنت إذن! "
تبسم إيرولد ببرود: " إذن كما تريد. "
التفت آرثر ليرى أرجوس يقترب بسرعة جنونية، موجّهاً سيفه للهجوم، فقال بذعر: " هيا يا إيرولد! توقف عن اللعب! "
اندفع أرجوس، فحلق آرثر باتجاه إيرولد وهو يصرخ: " حسناً، حسناً! آسف يا سيد إيرولد! أرجوك دعني أدخل"
عاد آرثر وانزلق داخل جسد إيرولد، الذي أخرج سيفه (ثورن) فوراً ليصد هجوم أرجوس القوي، وقال بجهد:
" هذه روحي يا أرجوس! إنه انفصال الروح! "
توقف لوس وأرجوس مصدومين، وقالوا بدهشة متزامنة: " انفصال الروح؟ كيف حصل هذا؟!"
تراجع أرجوس واعتذر: " آسف، ظننته أحد الجان. إنه يمتلك هالة غريبة، لم أرَ روحاً أو هالة روح من قبل. "
إيرولد: " لا عليك، لكن آرثر ما زال غاضباً. "
قال أرجوس موجهاً كلامه لجسد إيرولد: " آسف يا آرثر. "
خرج صوت آرثر صارخاً عليه من الداخل: " أيها المعتوه ! لا تهاجم قبل أن تعرف ما الذي أمامك! "
صاح أرجوس بفضول: " إن روحك كانت خارج جسدك! كيف لا تزال على قيد الحياة؟"
قاطعهم صوت أحد الأطفال وهو يشد بنطال لوس: " ماذا يحصل يا سيد؟"
أجاب لوس وهو يمسح على رأس الطفل: " لا عليك يا صغير، إنهم مجانين. " ثم حث الجميع على التحرك:
" هيا، لنعد للقرية، أهاليكم ينتظرون على أحر من الجمر. "
توجهوا نحو القرية؛ حمل لوس وأرجوس طفلاً على ظهر كل منهما، بينما حمل عتمة خمسة أطفال، وكانت جاسمين تمشي بجر خطى متعبة بجوار إيرولد. بدا عليها الإعياء الشديد، فقالت بصوت خافت: " لقد تعبت، أرجوك احملني. "
ابتسم إيرولد وقال محاولاً مشاكساتها: " فكري بما فعلتِه بي أولاً. "
لكنها كانت منهكة حقاً، نظرت للأسفل لتجد الأرض تبتعد عنها فجأة. أدركت أن إيرولد قد رفعها ووضعها على كتفه. ابتسمت جاسمين بامتنان، وواصل إيرولد السير بثبات.
على مشارف القرية، كانت المرأة تنتظر والشمس تجر أذيالها للغروب. جاءها أحد الجيران ليواسيها: " لن يأتوا، عودي إلى منزلك، سوف تمرضين إذا استمريتِ في الوقوف هكذا. "
لكن مع اختفاء قرص الشمس، تناهت إلى مسامعها أصوات ضحكات أطفال، فتعجبت وقالت بلهفة: " لقد عادوا! يا أهل القرية، لقد عاد أطفالنا! "
وصل إيرولد ولوس وأرجوس إلى ساحة القرية مع الأطفال، محافظين على وعدهم. توقف أرجوس أمام المرأة المصدومة وقال بهدوء: " لقد أعدتُ لكِ ابنتك يا سيدتي. "
ركضت الطفلة بين الأطفال وهي تصرخ: " أمي! " هرع الجميع نحوهم، والدموع تملأ أعينهم، وعاد كل طفل إلى أحضان عائلته. نظر لوس إلى المنظر وقال بصوت متهدج: " يا له من منظر يشرح الصدر. "
فجأة، ركض الأطفال نحو لوس، وسحبوه من ثيابه وهم يصرخون بفرح: " هذا الرجل هو من أنقذنا! "
نظر أرجوس إلى إيرولد بخيبة أمل مصطنعة وقال: " لقد أنقذهم هو؟ ومن كان مثبتاً في الأرض بفعل الجاذبية؟"
ابتسم إيرولد وقال بهدوء: " لا يهم يا رجل، المهم أنهم عادوا إلى أهلهم سالمين. "
تقدم أحد وجهاء القرية وقال بامتنان: "أنتم ضيوفي من اليوم، ابقوا قدر ما تشاؤون، هذا أقل ما يمكننا فعله.
تقدم إيرولد : " شكرًا لك على كرمك، لكننا سنتحرك غداً في الصباح الباكر. "
أجاب الرجل: " كما تريدون، لكن دعونا أولاً نتناول العشاء احتفالاً بكم. "
ذهبوا معه ليجدوا منزلاً كبيراً ووثيراً، فسأل إيرولد بينما يتأمل الأثاث: " ما طبيعة عملك يا رجل؟"
أجاب الرجل مبتسمًا: " أنا تاجر، أدعى (سيباستشيلي)، أبيع المجوهرات في المملكة، لكنني أعود هنا للراحة بعد مواسم العمل الطويلة. لقد تربيت هنا وأعتبر أهل القرية عائلتي. "
سألت جاسمين بفضول وهي تقضم تفاحة: " بما أنك تذهب للملكة، هل تعرف شخصاً يدعى (كوراش)؟ "
أجاب سيباستشيلي: " آه، الاسم شائع، حددي ما مهنته؟"
قالت جاسمين: " قائد للحراس. "
تغير وجه سيباستشيلي وقال بصدمة: " السيد كوراش؟ هل تعرفونه؟"
رد لوس بسرعة بديهة وهدوء: " نعم، لكن لم نره منذ مدة طويلة. "
أوضح سيباستشيلي بنبرة حزينة: " لقد حلّت به مأساة فظيعة؛ تم إعدام زوجته وابنه بأمر من الملك، بعد أن ضُبطا مع جماعة من المتمردين. أُعدموا جميعاً بينما كان السيد كوراش في مهمة خارج الأسوار. ومنذ أن عاد وعرف بالأخبار، أصبح يتصرف بغرابة وعدوانية، لكني لا ألومه. "
قال لوس متأثراً: " يا للأسف... مسكين يا كوراش. "
همس إيرولد للوس: " هل تعرفه حقاً؟"
لوس بصوت خافت: " لا، لكن ادعاء المعرفة يجعله يفتح قلبه ولا يخفي شيئاً. "
ابتسم إيرولد في داخله وقال: " رجل ذكي. "
صرخ سيباستشيلي: " أيها الخدم، أحضروا العشاء! "
لم تمضِ لحظات حتى امتدت أمامهم سفرة عامرة، تزينها أطباق اللحم المشوي والأسماك والخضروات والفواكه الطازجة. جلس الجميع حول الطاولة، وتلاشت التوترات مع الضحكات وتبادل الأحاديث.
مع انتهاء العشاء، قاد الرجل ضيوفه إلى غرفهم في الطابق العلوي. استلقوا على الأسرّة المريحة، والهدوء يعم المكان، فيما تتسلل أشعة القمر الفضية من النوافذ. أغمض الجميع أعينهم، مستشعرين الراحة والأمان لأول مرة منذ أيام.
قطع أرجوس الصمت سائلاً إيرولد الذي كان في السرير المقابل: " لم تخبرني من أين أنت. "
رد إيرولد بهدوء وهو ينظر للسقف: " لا أعلم حقاً... لكني قضيت طفولتي في مملكة مصر، حتى جاء يوم ورحلت من هناك. "
ابتسم أرجوس وقال بحماس: " هذا رائع! لقد نُصّب لديهم ملك جديد قبل فترة قصيرة. كان الوزراء والنبلاء هم من يحكمون البلاد فعلياً طوال الوقت، حتى وجدوا ابن أخ الملك السابق (آمون)، وتوجوه ملكاً. "
أغمض إيرولد عينيه متجاهلاً التفاصيل وقال: " ولماذا ذهبت أنت إلى هناك؟"
أجاب أرجوس ونبرة صوته تزداد حدة: " سمعت أن هنالك شخصاً سيطر عليه أحد الجان منذ وقت طويل. "
فتح إيرولد عينيه فجأة وسأل: " وإذا وجدته... ماذا كنت ستفعل؟"
رد أرجوس ببرود تام وقسوة: " سوف أقاتله بلا أي رحمة. "
أغلق إيرولد عينيه مجدداً، وأخفى اضطرابه قائلاً: " هكذا إذن... لننم الآن، سنتحرك في الصباح. "
نظر إيرولد إلى لوس، فوجده نائماً بطريقة فوضوية ويكاد يسقط من فوق السرير. ابتسم وقال: " يبدو أنه غير معتاد على النوم في سرير مريح. "
ضحك أرجوس بخفوت وقال: " هل يجب أن أدفعه ليسقط؟"
ابتسم إيرولد وقال: " لا، دعه ينام. "
----- نصلٌ يلمع، وغبارٌ ينقشع، ليظهر وجه لم يكن إيرولد يتوقعه. أرجوس، القادم من الغرب، نور جديد في طريق إيرولد: ----------