فجأة، تغيرت ملامح إيرولد تماماً، وكأنَّ شخصاً آخر قد استولى على جسده؛ نطق آرثر بلسان إيرولد وبنبرةٍ لعوبة: " هيا لنلعب! "

صاحَ إيرولد بغضبٍ من أعماق وعيه: " أيها الروح المزعجة! لقد أخبرتُك أن تنتظر! "

ليتبسم آرثر: " لا تقلق، لن أطيل الأمر.. فقط راقب وتعلّم، انظر إلى هذه الحركة يا إيرولد! "

رمقَ آرثر كرس بنظرة خاطفة، ثم انقضَّ نحوه بسرعةٍ مذهلة فاقت حدود الإدراك؛ لم يستوعب كرس ما يجري، ووجد نفسه يتراجع بذهول وهو يصرخ بصدمة: " ما الذي حدث؟!"

مخلّفاً جرحاً سطحياً على معدته؛ وفي تلك اللحظة، انهارت المصفوفة السحرية فجأة وتبدد الظلام الذي كان يلف الحلبة، ليعود الضوء كاشفاً هول المفاجأة. صرخ المعلّق بذهولٍ هزَّ أرجاء الساحة: " السيد الكبير كرس!!! لقد جُرح! ما الذي حدث للتو؟ كيف تمكن إيرولد من التفوق على السيد كرس وإصابته بهذه السرعة؟!"

شعر كرس بالضيق من صياح المعلّق، وتمتم بسخريةٍ لاذعة: " مُتقدّم.. هاه؟ هكذا تظنون إذاً! "

ثم ثبّت نظراته الحادة على آرثر وقال بنبرةٍ ثقيلة يملؤها الوعيد: " لم أكن أنوي استخدام هذه التقنية أمام الجميع.. لكنك أيها الفتى، قد أجبرتني فعلاً على ذلك! "

ارتجفت حواس آرثر فجأة، وشعر بخطرٍ داهمٍ لم يتوقعه، فصاح بنبرةٍ قلقة: " لن أسمح لك بفعل ذلك! "

لكن قبل أن يتمكن من التحرك، أطلق كرس عاصفةً مظلمةً هوجاء عصفت بالحلبة، دافعةً آرثر بعيداً بقوةٍ غاشمة. ثم وضع كرس يديه على موضع قلبه، وأغمض عينيه وهو يتمتم بكلماتٍ تقشعر لها الأبدان:

" مصفوفة الليل… استيقظي أيتها السلف ! "

في تلك اللحظة، اهتزت الأرض تحت أقدام الجميع، وارتعش آرثر وهو يشعر بطاقة مظلمة تملأ المكان، ليصرخ بذهولٍ لم يعهده: " ما هذا؟! "

التفَّ الظلامُ بسرعةٍ كإعصارٍ أسود حول جسد كريس، محولاً إياه إلى كتلةٍ من الطاقة الغامضة. وتعالى هتافُ المعلّق بصوتٍ يرتجف انفعالاً: " انظروا! يبدو أنَّ السيد كريس قد بدأ يأخذ النزال بجديةٍ مطلقة الآن! أيُّ نوعٍ من القوى هذه يا تُرى؟!"

وسط ذلك السواد الدامس، انبعث صوت كريس عميقاً ومهيباً، وهو ينادي بلقبٍ جمد الدماء في العروق:

" استيقظ.. استيقظ يا إيرولد لايون هارت! "

تجمّد الذهول في عيني آرثر وإيرولد في اللحظة ذاتها، وصرخا بصوتٍ واحدٍ يملؤه الارتياب: " مستحيل!! "

تجسّد كريس في هيئة لايون هارت المهيبة، طافياً في الهواء بينما تلتف حوله خيوط الظلام الدامس كأنه سيد العتمة. وفي أعماق وعي إيرولد، ارتجف آرثر رعباً، وهمس بصوتٍ يملؤه الانكسار: " لا أستطيع مواجهته... لن أجرؤ على ذلك، فأنا لم أنفّذ وعدي بعد ! "

انسحب آرثر مرعوباً، ليعيدَ السيطرة كاملةً إلى إيرولد الذي وجد نفسه فجأة وجهاً لوجه لايون هرات. توقف إيرولد مذهولاً، وعيناه متسعتان من شدة الصدمة، وهمس بصوتٍ خافتٍ يرتجف: " مستحيل... "

فتح لايون هارت عينيه ببطء، ونظر حوله بتيهٍ وكأنَّه استيقظ من سباتٍ أبدي، ثم تساءل بنبرةٍ عميقة يتردد صداها في أرجاء الساحة: " ما الذي حدث؟! ألم أمت بعد؟ كيف عدتُ إلى هذا العالم؟"

تراجع إيرولد الصغير خطوةً إلى الخلف، وقد جفت الدماء في عروقه من هول المشهد، وردّ بذهولٍ لا يوصف:

" هل هذا.. هل أنتَ حقاً إيرولد؟"

رمقَ لايون هارت إيرولد بنظرةٍ ثاقبة وكأنَّه يقرأ روحه، ثم سأل بنبرةٍ حازمة جعلت هواء الحلبة يرتجف:

" مَن أنت؟ وكيف تجرؤ على الوقوف في وجهي؟"

وفجأة، انبعث صوت كريس من داخل ذلك الكيان المظلم، صوتاً مكتوماً ولكنه يملؤه الإصرار:

" لقد استدعيتُكَ عبر مصفوفة الليل.. نحن الآن في خضم نزالٍ حاسم، وأنا أحتاجُ إلى قواك لنيل النصر! "

أغمضَ لايون هارت عينيه للحظة، وكأنه يستشعر تدفق الطاقة المظلمة التي تمنحه هذا الجسد المؤقت، ثم قال بصوتٍ عميق فيه رنينُ الفولاذ: " لكَ ما أردت.. "

ثم جالَ ببصره في أرجاء الساحة، متأملاً الحشود الضخمة والوجوه المذهولة التي تراقبه برعب، وأضاف بنبرة يملؤها الحنين: " إذن.. هذا هو عالمُ الأحياء؟ هاه.. ما زال صاخباً تماماً كما تركته! "

خفضَ لايون هارت بصره نحو نصل السيف الذي في قبضته ، وخاطب القوة المظلمة الكامنة فيه بنبرة آمرة تهز الأبدان: " هيا يا مصفوفة الليل.. دعينا نُري هذا الفتى قوتكِ الحقيقية! "

وفي لحظة، اندلعت ألسنةٌ كثيفة من الطاقة السوداء لتغطي السيف بالكامل، وزمجر الكيان المهيب بأعلى صوته، صوتاً تردد صداه في وعي إيرولد وفي أنحاء الساحة: " لا مزيد من الكبح.. سأطلق العنان لكل ما في جعبتي! مصفوفة الليل... ها قد ساد الظلام! "

تجمّد إيرولد في مكانه، والذهول يشلُّ أطرافه؛ فمن يقف أمامه بملامح الظلام ليس مجرد أسطورة غريبة، بل هو الرجل الذي قضى طفولته بين يديه.. الرجل الذي ربّاه وعلّمه معنى القوة. صرخ وعيه في صمت: " أأنتَ حقاً إيرولد ؟!"

لم يمهله القدر لحظة للتفكير؛ إذ تفجّرت المصفوفةُ من حول لايون هارت الذي انقضَّ بسرعةٍ لم ترصدها عين، موجهاً ضربةً ساحقة أطاحت بإيرولد بعيداً، ليرتطم بالأرض بقوةٍ جعلت الرمال الذهبية تتطاير في كل مكان.

لكن، وما إن سكنت الضربة حتى تصدعت الهالة المظلمة، وتحطمت المصفوفة كزجاجٍ مهشم متلاشيةً في الهواء. خفتَ وهجُ السيف، وحدث صمتٌ مريب، ليحدث لايون هارت كريس : " لقد استخدمتها من قبل… وكسرت، صحيح. "

أجاب كريس بصوتٍ متقطع من داخل أعماق وعيه، والدهشة تملؤه: " نعم.. لقد انكسرت! إنه قوي بشكلٍ غير منطقي.. ولكن، لماذا لا يبدي أي رد فعل الآن؟ لماذا يسكن في مكانه كالجثة؟"

ردَّ لايون هارت وهو يحدق في وجه إيرولد الملقى على الأرض، وعيناه تلمعان ببريقٍ غريب: " لا أعلم.. لكن ملامح هذا الفتى.. إنها تذكرني به تماماً! لا، من المستحيل أن يكون هو.. لا أدري كم من الدهور مَرَّت منذ فارقتُ الحياة، لكني أذكره حين كان مجرد طفلٍ صغير. "

صرخ كريس بصوتٍ يملؤه الحقد والارتباك : " اقتله! أجهز عليه الآن، هذه هي فرصتنا! "

لكن لايون هارت ردَّ بهدوءٍ مهيب وبرودٍ تام، وكأنَّه استعاد سيادته المطلقة على الجسد: " لا.. لن أفعل ذلك! "

في تلك اللحظة، وبحركةٍ يائسة ومفاجئة، اندفع إيرولد مهاجماً، لـيتصدى له لايون هارت بمنتهى الخفة وبيدٍ واحدة ثم نظر في عينيه وقال بنبرةٍ ساخرة تحمل في طياتها حنيناً دفيناً وتوبيخاً: " تُهاجم شخصاً غير مستعد؟! يا لك من فتىً سيئ! "

انفجرت أسارير إيرولد فجأة بابتسامةٍ عريضة، وصرخ بصوتٍ يملؤه الحنين والبهجة رغم الدماء والجروح:

" لقد مرَّ وقتٌ طويلٌ حقاً يا أيها العجوز! "

يتوقف لايون هارت مصدومًا، لكن إيرولد يضربه على وجهه وهو يقول: " لقد تأكدت… إنه أنت! "

تراجع لايون هارت بضع خطوات وهو يمسح أثر اللكمة عن وجهه، ثم نهض ببطء وعيناه تتسعان بذهولٍ لم يعرفه طوال حياته صرخ بصوتٍ مهزوز هزَّ أركان الحلبة: " هذه الابتسامة.. هذه اللكمة المستهترة.. هل أنتَ حقاً آرثر؟!"

في تلك اللحظة، تغيرت نظرات إيرولد تماماً، وكأنَّ روحين قد اندمجتا في جسدٍ واحد، وردَّ بنبرةٍ امتزج فيها الضحك بالبكاء، وصرخ بأعلى صوته: " نعم، إنه أنا...يا أخي! "

ترقرقت الدموعُ في عيني إيرولد وهي تفيضُ بالحنين، وفي المقابل، غمرت ملامح لايون هارت ابتسامة عريضة يملؤها الفرح الصافي، وصرخ بصوتٍ جهوري: " لقد كبرتَ حقاً يا آرثر.. "

يستعد إيرولد للهجوم، لكن لايون هارت لم يرفع سيفه هذه المرة؛ بل اندفع نحوه وبصورةٍ مفاجئة جذبه إلى صدره في عناقٍ حارٍّ ومهيب، وهمس في أذنه بنبرةٍ غلبتها العاطفة: " لا تدرك مدى سعادتي برؤيتك مجدداً يا آرثر.. لقد افتقدتُك يا فتى. "

ساد صمتٌ مطبق في أرجاء الساحة قبل أن ينفجر صوت المعلّق بذهولٍ تام: " ما الذي نراه الآن؟! السيد كرس.. يعانق خصمه إيرولد؟!"

يتبسّم لايون هارت وهو يقول مازحًا: " توقّفت عن سرقة الأشياء… وبدأت بسرقة الأسماء الآن؟ "

ردَّ إيرولد بابتسامةٍ يملؤها الخجل وهو يحكُّ رأسه: " شيءٌ من هذا القبيل.. "

انفجر لايون هارت ضاحكاً من أعماق قلبه، ثم جذب إيرولد نحوه ليعانقه بقوةٍ أمام آلاف العيون المذهولة، وصرخ بصوتٍ جهوري زلزل أركان الساحة: " انظروا جميعاً! هذا هو ابني! أنا مَن ربيتُ هذا الشقيَّ. "

في تلك اللحظة، انفجرت المدرجاتُ غضباً واستهجاناً، وتعالت صيحاتُ الجمهور المطالبة بالدماء: " أكملوا القتال! ما هذا الهراء؟ نريدُ نزالاً لا عناقاً! تباً لكم! "

نظر إيرولد إلى الحشود الثائرة ببرود، ثم التفت إلى مربيه وقال متبسماً: " يبدو أنهم غاضبون حقاً لأننا أفسدنا عليهم العرض.. "

وسط تلك الدمار، انطلق صوت جاسمين حاداً وهي تصرخ من مكانها بذهول: " ما الذي تفعله يا إيرولد؟!"

التفت لايون هارت نحو جاسمين، ورمقها بنظرةٍ فاحصة ومستغربة، ثم سأل إيرولد بدهشةٍ عفوية: " أوه! هل تلك ابنتك؟!"

هزَّ إيرولد بأسى وهو ينظر إلى جاسمين، وقال بصوتٍ هادئ: " لا… لقد قُتل والداها، ولم يبقَ لها أحد… وأنا من يعتني بها. "

اتسعت ابتسامة لايون هارت فخراً، ووضع يده على كتف آرثر بقوة وهو يقول: " كم أنا فخورٌ بك يا فتى.. لقد أصبحتَ رجلاً يحمل عبء الآخرين كما كنتُ أفعل. "

وفجأة، وبحركةٍ لم ترصدها الأعين، تلاشى جسد لايون هارت من وسط الحلبة كالدخان، ليظهر في الجزء من الثانية أمام جاسمين مباشرةً في المدرجات. تجمدت الدماء في عروقها، وشلَّت الصدمة حواسها وهي تراه يقف بكل هيبته أمامها، ليبادرها بصوتٍ عميقٍ وهادئ: " أتيتُ إليكِ لأوصيكِ بشيءٍ أخير.. أنا هو إيرولد لايون هارت، وأريدكِ أن تهتمي بابني الذي يقف هناك. "

صمتَ للحظة وهو ينظر نحو إيرولد بنظرةٍ ممتلئة بالحب، ثم أضاف: " قد يكون متهوراً، وغبياً، وغير ناضجٍ في كثيرٍ من الأحيان.. لكنه يملك قلباً كبيراً، ويحتاجُ دائماً لشخصٍ بجانبه.. "

كانت جاسمين ترقبه بعينين تلتمعان بمزيجٍ من الرهبة والإعجاب، وهجست في سرّها بذهول: " أهذا هو العظيم الذي ربّى إيرولد؟"

غامت عينا لايون هارت فجأة، وغلفه صمتٌ مهيب وهو يبحر في ذكرياتٍ قديمة جمعته بـ آرثر؛ أيام التدريب الشاق، وضحكاتهم تحت ضوء القمر، والوعود التي قُطعت ولم تُكتمل. تنهد بعمقٍ كأنما يودع عالماً لم يعد ينتمي إليه، ثم قال بصوتٍ خافتٍ يملؤه الوقار: " لقد حان الوقت.. يجب أن أعود إلى حيث أنتمي الآن. "

في تلك اللحظة، دوى صوت المعلّق وهو يصرخ بذهولٍ شابهُ الغضب: " يا للمهزلة! ما الذي يجري بحق السماء؟! النزال الذي كان يُفترض أن يكون ملحمة دموية تحوّل إلى جلسة سمر وأحاديث جانبية! "

يلتفت إيرولد للايون هارت وهمس له بذكاء: " ما رأيك أن نتظاهر بالقتال لنرضي هؤلاء الغاضبين، ونكمل حديثنا في هذه الأثناء؟"

رتسمت ابتسامةٌ عريضة على وجهه وردَّ بإعجاب: " اقتراحٌ بارع.. . "

اندفع الاثنان نحو بعضهما البعض في لمح البصر، وتصادمت سيوفهما بقوةٍ أحدثت شراً متطايراً وصريراً مدوياً جعل الجمهور يشتعل حماساً من جديد. وبينما هما في وضعية الاشتباك القريب، وقعت عينا لايون هارت على سيف إيرولد، فتجمدت ملامحه للحظة وصرخ بصدمةٍ مكتومة: " هذا.. هذا السيف ! أليس هذا سيف ملك اللصوص؟! كيف وصل إلى يديك؟!"

بينما كانت السيوف تتصادمُ بعنفٍ يوهمُ الجميع بضراوة النزال، همس إيرولد وهو يضغط بنصل سيفه على سيف لايون هارت: " نعم.. لقد أطلقتُ عليه اسماً يليقُ به: " ثورن . "

تراجع لايون هارت ببراعة مذهلة، واتسعت عيناه في دهشةٍ عارمة وهو يتساءل بصوتٍ خفيض: " ما الذي حصل له؟! "

صدَّ إيرولد هجمةً قوية، والشرر يتطاير بين وجهيهما المقتربين، وأجاب بنبرةٍ غلبتها مرارة الذكرى: " لقد قتلتُه.. هو نفسه مَن أصرَّ على الموت. "

خيم الحزن الثقيل على ملامح لايون هارت، وهزَّ رأسه بأسى وهو يتمتم: " هكذا إذًا… هذه طريقة، ثورن. "

ثم التفتَ إلى ابنه بنظرةٍ دافئة يملؤها الحنان، وسأله بنبرةٍ أراد بها تخفيف حدة الموقف: " أخبرني يا فتى.. ألم تتزوج حتى الآن؟ أريد أن يهدأ بالي وأطمئن عليك قبل أن يدركني الموتُ مرةً أخرى، لا أريد الرحيل وأنا قلقٌ بشأن وحدتك. "

ساد صمتٌ مفاجئ، ورفع إيرولد بصره نحو السماء بشرودٍ طال لثوانٍ، وكأنَّه يبحث عن إجابةٍ بين الغيوم. ارتاع لايون هارت من هذا الصمت المطول، وصرخ بتعجبٍ وقلق: " ماذا؟! لماذا تنظر للسماء هكذا؟ هل ماتت؟! هل فارقت الحياة هي الأخرى؟!"

انفجر إيرولد ضاحكاً، وهو يصدُّ ضربةً وهمية من لايون هارت : "لا… ليس هكذا، الأمر مختلف فقط . "

سأله لايون هارت بفضولٍ متزايد : " إذًا أخبرني… من تكون؟"

ارتسمت على وجه إيرولد ابتسامةٌ هادئة يملؤها السكون، وقال بصوتٍ يحملُ هيبة الخاشعين: " إنها شخصٌ كان يقف بجانبي دوماً.. تراقبني في كل لحظة، وتحرسني من وراء الحجب. "

راوغه لايون هارت بحركةٍ سريعة وهو يبتسم: " هذا يبدو جميلاً ومريباً في آنٍ واحد! أيُّ نوعٍ من العشق هذا يا فتى؟ وهل هي حاضرةٌ هنا بيننا؟ "

رفع إيرولد بصره نحو الأفق وقال بيقين: " هي في كل مكان.. إنها نَجم . "

توقف لايون هارت فجأة، واتسعت عيناه بصدمةٍ هزت كيانه الروحي: " نجم؟! ما اسمها؟! "

أجاب إيرولد بهدوءٍ مدوٍّ: " آسترا.. سيدة النجوم "

رتعش جسد لايون هارت، وتراجع خطواتٍ وكأنه تلقى ضربةً من صاعقة، وصرخ بصوتٍ يملؤه الذهول:

" مستحيل! في مماتي… زرت مقبرة النجوم، وسمعت الكثير من النجوم الميته يتحدثون عن أن آسترا أحبت بشرًا وضيعًا… لم أصدقهم! كنتُ أشعر بالأسى تجاه ذلك البشري المسكين الذي تجرأ على حب سيدة النجوم .. لكن، هل يعقل؟! أنتَ هو ذلك البشري؟! "

انفجرت ضحكةُ إيرولد الصافية لتملأ أرجاء الحلبة و قال : " هذا صحيح ايه العجوز . "

اتسعت ابتسامة لايون هارت الممزوجة بالذهول، وتراجع قليلاً وهو يهزُّ رأسه كأنَّه لا يصدق حجم المعجزة التي حققها هذا الفتى، وتمتم بفخرٍ لا تسعه الكلمات: " لقد كنتُ أظن أنني علمتك كيف تقاتل البشر فقط .. لكنك تجاوزتَ حدود يا لكَ من وغد محظوظ! "

صرخ كريس من أعماق وعيه المكبوت، صوتاً يملؤه الحقد واليأس: " أعد إليّ التحكم حالاً ! أنا من سيقتله! "

لم يعره لايون هارت اهتماماً، بل ظل شاخصاً ببصره نحو إيرولد، الذي تراجعت حدة نظراته فجأة وقال بهدوء: " هناك شخصٌ آخر.. شخصٌ ظل ينتظر هذه اللحظة طويلاً ليتحدث معك. "

وفي لحظةٍ خاطفة، تغيرت لمعةُ عيني إيرولد، واختفت نظرة المحارب الصارم لتحل محلها نظرةُ طفلٍ خائفٍ ومتردد.، وخرج صوته مبحوحاً، مرتعشاً، يحمل ثقل سنين من الفقد: " اشتقتُ إليك حقاً.. يا إيرولد . "

يحدق فيه لايون هارت ويهمس: " أأنت هو… من تحكم في ذلك الشقي؟ "

أخفَضَ آرثر رأسَه بخجلٍ وانكسار، تماماً كما كان يفعل وهو طفلٌ حين يرتكب حماقةً ما، وهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع: " نعم.. لقد كنتُ أنا "

اندفع لايون هارت وضمه إلى صدره بقوةٍ: " لقد رأيتك يومها… عندما خرجت روحي من جسدي. عرفت أن ما كان أمامي لم يكن آرثر الحقيقي. أعلم أنك فعلت ما فعلت بدافع الانتقام … لكن مهما كان هدفك، لا تملأ طريقك بالدماء. الدماء… رغم خفتها، إلا أنها مع الوقت تثقل روحك، كما تثقل الجثث على كتفيك. ستندم تماماً كما ندمتُ أنا. "

وفجأة، تحولت تلك اللحظة الدافئة إلى جحيمٍ من الاهتزازات؛ إذ ارتجف جسد كريس بعنف، وصرخ صوته الحاقد من الداخل ليمزق هدوء الحوار: " كفى هراءً! سأتولى التحكم الآن! "

لكن لايون هارت يبتسم، يرفع سيفه، ويهمس: " آرثر، أنت تسمعني أليس كذلك؟ بعد موت ابني لم أعرف طعم الحياة، لكن بعد مقابلتي لك تغيّر كل شيء، حتى أني قد أحببتك مثل ابني، ومن الممكن أكثر. أريدك أن تعرف أني لطالما أحببتك ، وسامحني عن التخلي عنك في ذلك اليوم. إذا كان هناك شيء أندم عليه، فليس أني ضحّيت بحياتي، بل أني تركتك وحدك في هذا العالم الموحش. إلى اللقاء يا بُني لنلتقي في مقبرة النجوم في الحياة الاخرى. "

انغرسَ النصلُ المظلم في قلب كريس بقوةٍ لم تترك مجالاً للنجاة، وتفجرت من جسده هالةٌ من الضياء الأبيض قبل أن تنطفئ للأبد. ساد صمتٌ مطبق لثانية واحدة، كأنَّ الزمان قد توقف، قبل أن ينفجر صوت المعلّق بصرخةٍ هستيرية هزت أركان أوروك: " يا إلهي! يا للمأساة.. السيد كريس انتحر! أحد الكبار الأربعة يسقط بيده في وسط الحلبة! "

ارتجفت المدرجاتُ من هول الصدمة، وسيطر الذهول على الوجوه إيفا: " ما الذي حصل له. " بينما ظل كوبرا جالساً ببرودٍ مريب، وكأنَّ موح الأرض لم يعد يهمه، أما مقعد إيريك فكان فارغاً تماماً.. "

شعر إيرولد بالوعي يعود إليه، وبثقل جسده الحقيقي يستقرُّ على قدميه مجدداً. تنهد بعمق وهو ينظر إلى جثة كريس، وهمس بصوتٍ لم يسمعه أحد غيره: " شكراً لك.. يا كريس. شكراً لأنك كنتَ الوعاء الذي منحني لحظة الوداع الأخيرة . "

لتفتح الابواب فتظهر الفتاة من جديد وتقول بابتسامة: " تفضل من هنا أيها الكبير الجديد… ستقابل الأمير الآن. "

بينما عمّ الصمتُ ساحة القتال بعد خروج إيرولد، وتعلّقت أنظار الجمهور بدهشةٍ لم تُفك بعد، كان في أعماق الأرض ، وقف القائد كوراش وسط دائرةٍ من الدماء، يتلو الطقوس بصوتٍ متقطع، بينما تتصاعد الهمسات من حوله كأنها آتية من جدران المكان. ارتجف جسده حين ردّد: " اخرج الآن! "

فانفتح بابٌ من الدماء، يتدفق منه ظلام دامس يبتلع كل ضوء. ومن أعماق ذلك الظلام خرج رجل طويل القامة، عريض المنكبين، بشرته رمادية داكنة كأنها غبار رماد متجمد. عيناه تلتمعان مثل جمرتين متقدتين في العتمة، ثابتة لكنها تبعث قشعريرة في العظام. شعره الأسود الطويل انسدل على كتفيه مثل ستار الليل، ووجهه الوسيم لم يخلُ من قسوةٍ لا ترحم.

ظل صامتًا خمس ثوانٍ، وكأن الأرض حبست أنفاسها بانتظاره. ثم تكلم بصوتٍ أجوف عميق، يحمل معه صدىً كأنه آتٍ من عوالم أخرى : " كيف عرفت طريقة استدعائي ؟"

حاول كوراش استجماع شجاعته، لكن ركبتيه كانتا ترتجفان : " لقد كنتَ أنت من أخبرني بها… حتى أني علمتُ بها الآخرين، ممن يحملون نفس أهدافي. "

توهجت عينا الكيان ببريقٍ أحمر مخيف، وردَّ بصوتٍ زلزل القلوب: " لستُ أنا من فعل هذا… ولكن، بما أنك استدعيتني، فسأسمح لك بالكلام. تحدّث… ماذا تريد ؟"

ابتلع كوراش ريقه، وفي لحظة جنونٍ وعظمة زائفين، قال: " أريد منك تدمير المملكة… وأن تنضم إليّ. "

انفجر الكيان ضاحكًا، ضحكةً عميقةً تحمل استهزاءً وكبرياء، ضحكةٌ جعلت جدران تتصدع: " أيها المستدعي، هل ضاق بك الخيار أم جُننت لكي تستدعي الدمار؟ هل ظننت … أني سأكون عدداً زائداً يزيد من خططك فرص الانتصار … يا لى سخرية القرار؟ و ها انا أراوغ شهوتي لقطع الرقاب. منذ صرخت في الميلاد … سادمر و ادمر حتى تسقط فريستي.....

ثم انحنى قليلاً نحو وجه كوراش الشاحب، ليهمس بصوتٍ خافتٍ، حادٍّ كالنصل، جعل دماء القائد المتمرس تتجمد في عروقه: " .. تحت الأنقاض ! "

ارتعش كوراش وتراجع خطوتين، وقال بصوتٍ يائس: " ما… ما الذي تعنيه بهذا؟"

وقبل أن يُكمل، لمعت ومضةٌ قاتلة، كما لو كان سيفٌ خفيٌّ اخترق الظلام ليقطع رأسه بضربة واحدة. سقط جسد كوراش صامتًا، بينما الرأس ارتطم بالأرض، وعيناه لا تزالان مفتوحتين من الرعب.

ابتسم الكيان بخبث وقال: " أما الآن… فلنستمتع بما تبقى من الوقت ها قد عاد لكم الدمار ايها البشررر . "

يفتح ذراعيه ليضحك ضحكة تتطاير حول المملكة.

من بوابة الدماء ، يخرج الكيان الذي لا اسم له أمامه، يجثو كوراش في آخر لحظات حياته، غير مدرك أنه لم يستدعِ حليفاً، بل استدعى نهايته:

2026/05/25 · 4 مشاهدة · 2891 كلمة
VRO.4
نادي الروايات - 2026