توقف إيرولد أمام المبنى المتهالك، وجال بصرُه بين شقوق جدرانه الخشبية التي نخرها السوس، ثم التفت إلى الفتاة بملامح يكسوها الشك: " إلى أين نحن متجهون حقاً؟ هذه حانةٌ تكاد تسقط على رؤوس مرتاديها، وليست القصر الملكي. "

لم تزدد الفتاة إلا غموضاً؛ إذ اكتفت بابتسامةٍ باردة وأشارت بلطف نحو الباب قائلة: " تفضّل بالدخول.. الأمير في انتظارك بالداخل. "

دفع إيرولد الباب ليدخل بخطواتٍ حذرة، فاستقبله هواءٌ ثقيل برائحة الخشب القديم والشراب الرخيص. كان المكان شبه مهجور؛ لا حرس، لا خدم، ولا ذهب.. فقط أربعة رجال من العامة غارقين في سُكرهم، يتبادلون أحاديث مبعثرة بصوتٍ خافت. تسمّر إيرولد في مكانه، وهمس بنبرةٍ تملؤها الحيرة : " أيُّ شخصٍ هنا هو جلجامش؟ "

وقعت عيناه على رجلٍ ضخم الجثة، يجلس في زاويةٍ مظلمة، بشعرٍ أسود كثيف يغطي ملامحه، وجسدٍ يوحي بالقوة. تقدم نحوه إيرولد بتوجس، ووضع يده على مقبض سيفه وقال بصوتٍ حازم: " أظنُّ أنَّك أنت هو جلجامش... "

رفع الرجلُ رأسه ببطء، وكشفت ملامحه عن وجهٍ مُتعب وعينين باهتتين غلبهما السُّكر، ونظر إلى إيرولد باستغرابٍ شديد ثم قال بصوتٍ ثقيل: " جلجامش؟ عمن تتحدث أيها الفتى؟ أنا مجرد حمالٍ في الميناء.. "

لم يكد الرجل الضخم يُنهي كلماته حتى انفتح باب الحانة بعنف، واقتحم المكان المرتزق شاديس بملامحه الحادة وابتسامته الواثقة. جال ببصره في الأرجاء قبل أن تثبت نظراته على ركنٍ منزوٍ، وقال بنبرةٍ تقطر استهزاءً: " كما توقعت تماماً.. الامراء يحبون الاختباء في أقذر الجحور. سأجدك دوماً هنا"

تحفّز إيرولد، وكادت يده أن تستل ثورن من غمده، لكنَّ الرجل الضخم أوقفه بصوته الأجوف ونظرته التي تحمل سخريةً مبطنة: " ما الذي تهذي به يا فتى؟ جلجامش؟"

ثم رفع يده وأشار، بهدوءٍ غريب، نحو ركنٍ مظلم من الحانة. هناك، كان يجلس رجلٌ لا يلفت النظر وسط المكان؛ بملامح وسيمة تؤطرها لحية نبتت حديثاً، شعره الذهبي باهت، أشعث كأنما خالطه غبار الطرق، وعيناه الغريبتان تلمعان بعمقٍ عتيق. أصابعه الطويلة تداعب كأسه نصف الفارغ بلا اهتمام وينظر للطاولة بشرود كما لو كان مخموراً.

اقترب شاديس منه بخطواتٍ ثابتة وقال بصوتٍ خافت: " أنت… جلجامش . "

رفع الرجل ذو الشعر الذهبي رأسه ببطء، وأطلق ضحكةً قصيرة جافة، ثم سأل ببرود: " وماذا تريد منه ؟"

ابتسم شاديس ابتسامة باردة، ثم تمتم: " لدي هدية تخصه . "

وفي ومضةٍ لم تدركها العين، استلَّ خنجراً مسموماً وغرسه بكل قوته في صدر الرجل. صرخ إيرولد بذعر وهو يقفز من مكانه: " ماذا فعلت أيها الأحمق؟! "

لكن شاديس لم يلتفت، بل ركض خارج الحانة بأقصى سرعته، تاركًا وراءه جلجامش ، كأنَّ شياطين الأرض تلاحقه.

سقط الرجل المطعون، واستند بظهره إلى الخشب المهترئ، وبينما كانت الدماء تسيل على قميصه الباهت، حدث ما لم يتوقعه أحد.. انطلقت منه ضحكةٌ جوفاء، ضحكةٌ لم تكن للألم، بل للنشوة! نظر إلى السقف بعينين غائبتين وهذى: " هذا.. هذا مسلٍّ حقاً.. هاهاها.. "

وفجأة، تغير ضغط الهواء في الحانة، وبدأ صوته يتضخم ويتردد صداه ليس من حنجرته فحسب، بل من الجدران، ومن تحت الأرض، ومن السقف، وكأنَّ المكان كله أصبح جسداً له:

" عالم الروح… سكرة الموت . "

تحولت الحانة شيئًا فشيئًا أمام أعين إيرولد إلى قاعةٍ ضخمة، تتدلى من أعمدتها أقمشة حمراء لامعة تزين المكان كأنها ستارٌ فاخر. ثمانية طاولات مستطيلة كانت موزعة بانتظام، وبينها فسحة واسعة للجلوس والاحتفال.

والأغرب أنّ كل طاولة كان عليها فتاتان: إحداهما تقف أعلى الطاولة ترقص بخفة، بينما الأخرى تمسكُ زيراً ضخماً وتسكبُ الخمر في كؤوسٍ ذهبية لا تفرغ أبداً. كان المشهدُ وكأنه ولادةٌ مفاجئة لزمنٍ غابر، احتفالٌ صاخب يقعُ في منتصف اللامكان.

قفز آرثر بجانب إيرولد، وعيناه تتسعان بذهول طفولي: " يا لَلهول! أهؤلاء جواري؟! "

تأمل إيرولد الستائر الحمراء المصفوفة بين الأعمدة، والإضاءة التي جعلت القاعة تبدو مذهلة وغريبة في آنٍ واحد. لكن المفاجأة الكبرى كانت رأس شاديس الملقى على الأرض بلا جسد. التفت سريعًا فرأى آرثر ينظر إليه مصدومًا: " ما الوضع هنا يا صاح؟" أجاب إيرولد وهو يشدُّ قبضته على سيفه، محاولاً استجماع شتات عقله: " لا أعلم.. "

وقبل أن يكمل، بدأت موسيقى غريبة تُعزف في القاعة، لم تشبه أي لحن مألوف. رفع آرثر حاجبيه بصدمة:

" يا إلهي… ما هذه الموسيقى ؟"

التفتَ إيرولد نحو آرثر ليطلب منه الحذر، لكن الكلمات تجمدت في حلقه؛ فقد وجد آرثر قد انغمس بالفعل في اللحن الغريب، يرقصُ في قلب القاعة بخفةٍ مذهلة وكأنَّه نسيَّ رأس الشخص المقطوع رقص آرثر بلا اكتراث،. عندها صرخ: " خذ الموضوع بجدية يا آرثر ! "

لكنَّ صرخته ضاعت وسط دويٍّ مفاجئ؛ إذ ارتفع صوت جلجامش الذي كان ينزف قبل قليل. وقف الأمير يترنحُ يمنةً ويسرة، والخنجرُ لا يزالُ منغرزاً في صدره كأنه قطعةُ زينةٍ تافهة. رفع كأسه الذهبي الذي فاض بالخمر، وصرخ بصوتٍ جهوريٍّ ثمل: " لنبدأ الاحتفاللللل ! "

وفي تلك اللحظة، انفجر المكانُ بحياةٍ هستيرية؛ هناك أناسٌ اجتمعوا لغرضٍ واحد وهو الاحتفال. تعالت ضحكاتُ الجواري كزقزقة العصافير الممزوجة بالجنون، وازدادت سرعة رقصاتهنَّ فوق الطاولات حتى كادت أقدامهنَّ لا تلمس الخشب. انسكبت الخمورُ بغزارةٍ حتى غمرت الحواف، وتحولت القاعة إلى وليمةٍ لا تنتهي.

جلس جلجامش على كرسيه الكبير، رفع الكأس عاليًا ثم شرب بنهم، قبل أن يصرخ متهلّلًا: " يا إلهي! هذا ما أريده… هذا ما أريده! "

بينما استمر بالضحك والرقص مع الجواري، والمكان كله يهتز على وقع الموسيقى.

كان آرثر يتمايلُ بجسده الروحي بخفةٍ مذهلة، والنشوةُ تطلُّ من عينيه، التفت نحو إيرولد بضحكةٍ عابثة وهو يدور حول نفسه: " يا لَروعة هذا اللحن! أخبرني يا صاح.. هل تريدنا أن نضع حداً لحياته الآن وننهي هذا العرض؟"

جزَّ إيرولد على أسنانِه، وقد ضاق ذرعاً بهذا المشهد وأجاب بلهجةٍ قاطعة : " لا، نحن بحاجة إليه. لكن… ربما علينا أن نجعله يفقد الوعي ليتوقف هذا الجنون. "

لوّح آرثر بيده في الهواء وهو يواصل رقصته: " إذن.. لنجرب القوة ! "

لكن إيرولد مد يده ليوقفه وقال بهدوءٍ حذر : " دعني أجرب شيئًا آخر أولًا. "

اقترب بخطوات ثابتة، متجاهلًا الجواري اللاتي يرقصن حوله ويسكبْن الخمر. رفع صوته نحو جلجامش الجالس مترنحًا على كرسيه، كأسه بيده: " جلجامش! نحن هنا للحديث… لا نريد القتال . "

التفت جلجامش ببطء، بملامح تعجب على وجهه، وكأنما لم يلاحظ وجودهم إلا الآن. نظر إليهم بطرف عينه، ثم عاد ليرتشف من كأسه. متجاهلاً نداء إيرولد وكأنَّه لم يكن.

انفجر آرثر ضاحكاً وهو يقترب أكثر، وصرخ بتهكم: " انظر إليه! يبدو أنَّ الأمير غارقٌ في نبيذه لدرجة أنه لم يعد يرى الفرق بين البشر والبعوض... لنفعلها بطريقتنا إذاً! "

وفي لحظةٍ واحدة، انطلق الاثنان كالسهمين في قلب القاعة. اندفع إيرولد وآرثر بتناغمٍ مذهل، يراوغان بخفةٍ أجساد البشر والجواري اللاتي تمايلن حولهما كحواجز من الحرير واللحم. كانت الموسيقى تزداد صخباً، والضحكات الهستيرية تمزق الهواء، بينما هما يشقان طريقهما وسط الدمار المنظم ، متوجهين مباشرةً نحو العرش حيث يجلس الأمير الثمل.

قفز آرثر على الطاولة محطماً الكؤوس تحت قدميه، واندفع نحو الأمير بضربةٍ خاطفة استهدفت رأسه. لكنَّ جلجامش تمايلَ بجسده بيسرٍ مذهل، وكأنَّه مصنوعٌ من الدخان؛ كانت حركاته تتبعُ إيقاع الموسيقى الغامضة بدقةٍ متناهية، يميناً ويساراً، في رقصةٍ دفاعية. حاول إيرولد التدخل لاقتناص فرصةٍ وسط هذا التمايل، لكنَّ الأمير باغتهما بما لم يتوقعاه؛ وبسرعةٍ لا تتناسب مع حالته الثملة، سدّد جلجامش لكمةً مدوية أطاحت بآرثر أولاً، ثم أتبعها بأخرى غارقة في القوة الروحية أرسلت إيرولد طائراً للخلف ليرتطم بالأرض.

وبينما يلهثان ويحاولان استعادة توازنهما كان جلجامش قد عاد لجنونه؛ أمسك بخصر إحدى الجواري ودار بها في حلقةٍ سريعة وسط القاعة، ضحكاته الصاخبة تملأ المكان وكأنَّ النزال الذي دار قبل ثوانٍ لم يكن سوى مداعبةٍ ثقيلة الظل. لم يكن يراهما كأعداء، بل كمزعجين أفسدوا متعته ضحكاته تتردد كأنه لا يكترث لكل من حوله.

نهض آرثر من الأرض والغضب يشتعل في عينيه، وصرخ بصوتٍ حاد: " ماذا دهاك يا إيرولد؟! لماذا تتردد؟ هذا الوحش يسخر منا! "

رفع إيرولد يده، ليس لإسكاته، بل لطلب التمهل؛ كانت عيناه تراقبان حركة النزيف في صدر جلجامش وتناغم الموسيقى مع نبضه، وقال بصوتٍ منخفض يملؤه الشك: " انتظر يا آرثر.. لا أريد إيذاءه . هناك شيءٌ غريبٌ جداً في هذا المكان.. "

التفت إيرولد ليرى ما لم يتوقعه: فتاة ذات شعرٍ بني مجعد ووجه هادئ يلتف حول عنق جلجامش، ذراعاها تحيطانه من الخلف، معلقة به. لم يكن جسدها صلبًا، بل أشبه بشبح لطيف شفاف يختلط بالضوء الأحمر للقاعة.

تغيرت ملامح جلجامش في ثانية؛ ذابت القسوة وحلَّ مكانها حنانٌ مكسور، شدَّ على يد الطيف وهمس بنبرةٍ غلبتها الدموع: " هل عدتِ حقاً.. يا عزيزتي؟ لقد كان الفقد مُراً.. هيا، لنرقص كما كنا نفعل في الماضي . "

خطوةً إلى الوراء، وقد شُلَّ تفكيره من المشهد، ثم صرخ بارتباكٍ شديد: " ما هذا الجنون؟! إيرولد، انظر إلى صدره.. مكان الطعنة.. لقد اختفى! النصلُ لم يترك حتى أثراً لخدش! "

تجمدت ملامح إيرولد بصدمةٍ جعلت صوته يتهدج: " مستحيل.. "

ثم اندفع إيرولد بغريزة المحارب، وانقضَّ على جلجامش ممسكاً بذراعيه بكل ما أوتي من قوةٍ بدنية، وفي تلك اللحظة، قفز آرثر كالبرق ليطعن ظهره بخنجره الروحي. لكنَّ الصاعقة كانت في ما حدث بعد ذلك؛ لم يكد النصل يخرج حتى التأم الجرحُ فوراً، وعاد الجلدُ صقيلاً وكأنَّ شيئاً لم يكن أمام أعينهما.

ارتجف إيرولد وهو يصرخ: " إنه يتعافى من أي إصابة فورًا! هل هذا بسبب عالم الروح… أم بسبب ذلك الشبح؟! "

استشاط جلجامش غضباً، وكأنَّ محاولتهما لإيقاظه قد أفسدت عليه حلمه المقدس. دفعهما عنه بقوةٍ غاشمة أرسلتهما إلى حافة القاعة، وصاح بصوتٍ زلزل الأعمدة: " لا أريد الاستيقاظ! "

أمسك كأسه ورفعها، يشرب منها بنهم وكأنه يغرق نفسه أكثر في السكر.

في تلك اللحظة، لمعت عينا إيرولد ببريقِ الاستنتاج، وتوقفت حركته المتوثبة فجأة وهو يصرخ: " آرثر… عرفت كيف نخرج من هنا! "

التفتَ آرثر نحوه، وكان العرق يتصبب من جبينه جراء المجهود الشاق في مضاهاة قوة الأمير، وصاح بصوت لاهث: " هاه؟! "

رفع إيرولد سبابته مشيراً إلى الكأس، وصرخ بصوتٍ اخترق رنين الموسيقى: " تذكر شرط عالم الروح... إنها

سَكْرة الموت

! إذا منَعناه من الشرب… سيستيقظ! "

قفز آرثر بحماسة وهو يضحك بجنون: " ذكييييي!! "

اندفع آرثر أولاً، يجرُّ خلفه طيفاً من الضوء ، واستهدف صدر جلجامش بضربةٍ كان من المفترض أن تكون قاضية. لكنَّ الأمير، وبحركةٍ جانبية رشيقة بدت وكأنها جزءٌ من رقصة، أفلتَ من النصل في اللحظة الأخيرة، ثم غرس قبضته في معدة آرثر. تقوّس جسد آرثر من شدة الألم، وشعر وكأنَّ أحشاءه قد سُحقت، وكاد يتقيأ ضياءً من فرط القوة التي سكنت تلك اللكمة.

في اللحظة نفسها، اندفع إيرولد من الخلف، سيفه يتجه إلى كتف جلجامش، لكن الأخير التفت فجأة، قبض على معصم إيرولد بيدٍ من حديد، ثم دفعه بقوة حتى ارتطم بالطاولة، فتطايرت كؤوس الخمر في الهواء وتناثرت على الأرض.

" إنه قوي جدًا! " صرخ إيرولد وهو يحاول النهوض.

انفجر جلجامش بضحكةٍ أجشة تملأ القاعة صدىً، وهو يتمايل يمنةً ويسرة بفعل السُّكر، وصرخ بنبرةٍ تجمع بين الود والتهديد: " ما بالكم؟ ألسنا هنا للاحتفال؟ إذاً كفوا عن العبوس وارقصوا معي! الحياة قصيرة لا تنتظر! "

قفز آرثر مجددًا، هذه المرة قام بحركة مراوغة، التف حول الطاولة وصاح: " إيرولد! هاجمه من اليمين! "

لكنَّ جلجامش ظلَّ واقفاً في مركزه، يشير إليهما بيده بكل كبرياء، والابتسامة لا تفارق وجهه الثمل، وكأنه يرى طفلين يحاولان ملاحقة عملاق يشير إليه بيده: " تعالوا إلي ! "

" ها أنا ذا قادم! " صرخ آرثر بنبرةٍ غلبت عليها النشوةُ القتالية، وقفز فوق الطاولات المستطيلة برشاقةٍ مذهلة، محطماً الكؤوس تحت قدميه وهو يندفع مباشرة نحو جلجامش.

اندفع الاثنان في وقت واحد، آرثر من اليمين وإيرولد من اليسار. لكنَّ جلجامش، وبحركةٍ فطرية مذهلة، رفع يديه العاريتين وكأنهما صُبتا من صخر الجبال؛ تصدت إحدى قبضتيه لسيف إيرولد في صدامٍ أحدث شراراً، بينما انطلقت يده الأخرى كالصاعقة لتلكم آرثر في فكه بقوةٍ هائلة. ارتدَّ آرثر للخلف والشرر يتطاير من عينيه، ليسقط بين أقدام الجواري اللواتي لم يتوقفن عن الرقص، وكأنَّ جسده الملقى لم يكن سوى جزءٍ من أرضية القاعة.

لم يتردد إيرولد؛ استغلَّ انشغال جلجامش بآرثر، وهبط بجسده ليوجه طعنةً غادرة نحو ساق الأمير، باحثاً عن شلِّ حركته الراقصة. لكنَّ ردَّ فعل جلجامش كان فوق التصور؛ رفع ركبته بقوةٍ غاشمة لتصطدم بنصل السيف، مما حرّف مسار الضربة وجعلها تضرب الهواء، ثم هوى بقبضته الثقيلة كالمطرقة على ظهر إيرولد. سقط إيرولد أرضاً.

وقف آرثر، طقّ رقبته ثم أطلق ضحكةً خفيفة مشوبةً بالتحدي: " يبدو أننا نأخذ الأمور بجديةٍ أكثر من اللازم يا إيرولد.. هل تشعر بما أشعر به؟ نحن لا نواجه مجرد شخص ثمل، بل نواجه وحشاً كاسراً يرتدي ثياباً بشرية! "

في المقابل، كان إيرولد ينهضُ بسكونٍ مخيف، كأنَّ الألم الذي تلقاه قد تحول إلى وقودٍ غامض. قبض بيديه على سيفه ثورن ، وفجأة.. اهتز النصلُ بعنفٍ شديد، وانبثقت منه هالةٌ نصفه نورًا ونصفه ظلامًا. حدّق في النصل بدهشة وهمس: " بحق الخالق… ماذا تفعل هذه؟ "

رد آرثر وهو يلوّح بخنجره: " لقد لاحظتُ سرعةً وقوةً غريبة حين استعملناها سابقًا… أظن هذا مفعولها الحقيقي. "

اندفع آرثر أولًا، خنجره يشق الهواء بسرعة خاطفة، جلجامش صد الضربة بساعده العاري فارتجّت القاعة كلها من قوة التصادم. إيرولد انقضّ من الخلف، فمرّر

ثورن

عبر كتف جلجامش وفتح جرحًا عميقًا.

لكن جلجامش لم يصرخ.. بل ضحك. وبحركةٍ وحشية، قبض بيده العارية على نصل سيف إيرولد. جن جنون إيرولد فأخذ ينهال عليه بلكماتٍ سريعة محاولاً إجباره على إفلات النصل، ليتبادلا الضربات بعنف. حاول إيرولد إخراج السيف من جسد جلجامش والابتعاد، لكن جلجامش تشبث به وهو يطلق ضحكةً مجنونة هزت الأبدان. وبحركةٍ لا تصدر إلا عن وحش، أحكم قبضته على النصل غير عابئٍ بحافته الحادة التي تقطع اللحم والعظم، محاولاً انتزاعه منه

" أفلت السيف أيها المجنون ! " صرخ إيرولد، وانهال بلكماتٍ سريعة ومتتالية على وجه جلجامش وصدره لإجباره على ترك السلاح. تحول المشهد إلى عراكٍ بالأيدي وحشي، تبادلا فيه اللكمات التي كانت كفيلة بإسقاط جيوش، حتى أرخى جلجامش قبضته للحظة.

انتهز إيرولد الفرصة، وبدلاً من سحب السيف، قذفه عالياً في الهواء بحركة دورانية، صارخاً بأعلى صوته:

" التقطه يا آرثر! "

شقَّ آرثر طريقه في الهواء، والتقط ثورن ببراعة، وبسرعةٍ خاطفة مدفوعةً بصيحة إيرولد ، هوى بالنصل المزدوج على المعصم الذي كان يصدُّه قبل قليل. في ومضة عين، فُصلت يد جلجامش عن جسده، وتدحرجت على البلاط الرخامي لتلطخه بشلالٍ من الدماء.

وقف آرثر يلهث، ونشوة الانتصار تملأ صوته وهو يصرخ: " ها قد سقط الوحش! "

أعاد آرثر رمي السيف لإيرولد لكن قبل أن يلتقط أنفاسه، بدأت أنسجة جلجامش تتلألأ، والدم يتراجع عكس التيار. اليد المبتورة تنمو من جديد بسرعة جنونية حتى عاد كما كان في ثوانٍ معدودة.

تسمّر آرثر في مكانه، يصرخ بذهولٍ يمزق الصمت: " ما هذا العالم الجنوني؟! إنه يتجدد بسرعة مهولة هل هو خالد أم ماذا! "

لم ينتظر جلجامش سماع الإجابة؛ تحولت ابتسامته الباردة إلى نذير شؤم، واندفع كالصاعقة مسدداً لكمة في معدة آرثر. طار آرثر في الهواء كأنه ريشةٌ في مهب ريحٍ عاتية، ليصطدم بالجدار الرخامي بقوةٍ أحدثت شقوقاً في البناء وتركته يترنح.

وبسرعةٍ وحشية، استدار الأمير نحو إيرولد لم يترك له مجالاً للتفكير أو المناورة. انهالت قبضتا جلجامش على نصل ثورن كالمطارق العملاقة، ضربةً تلو الأخرى بوقع يزلزل الأركان. شعر إيرولد بكل ضربة تتردد صداها في مفاصل ذراعيه، والنصلُ يهتزُّ بين يديه بارتجاج عنيف كاد يكسر عظام معصميه، بينما كان النور والظلام في السيف يكافحان للصمود أمام هذا الضغط الجبار.

طار إيرولد في الهواء قبل أن يسقط مرتطماً بالرخام، وظلَّ يلهثُ بعنف بينما كان سيف ثورن يتوهجُ بين أصابعه المرتعشة، وكأنَّ السيف يمدّه بآخر ذرات الطاقة المتبقية.

في تلك اللحظة، نهض آرثر برشاقةٍ من زاوية القاعة، متجاهلاً آلامه، وقفز ليقف بجانب أحد الأزيار الضخمة الفائضة بالخمر. التفت نحو إيرولد بابتسامةٍ ماكرة ، وقال بصوتٍ مرتفع : " أظن أنّ هناك حل أفضل… لنكسر جميع الخمور هنا! "

اتسعت عينا إيرولد، وكأنَّ كلمات آرثر كانت الصاعقة التي أضاءت عقله، فصرخ وهو يحاول النهوض مستنداً على نصله: " لم تخطر على بالي حقاً.. أحسنتَ يا آرثر! "

انطلق آرثر كالإعصار المارق، يشقُّ صفوف الجواري اللاتي تحول رقصُهنَّ إلى صرخاتِ فزعٍ صامتة. وبضرباتٍ متتالية من خنجره الروحي، حطّم سبعة أزيارٍ ضخمة، ليتفجر الخمر الأرجواني مغرقاً الرخام، ومع كل زيرٍ يتحطم، كان ضوء القاعة يخبو والستائر الحمراء تبهت. لم يتبقَّ سوى زيرٍ واحد، يقبعُ كالحصن الأخير بجانب عرش جلجامش.

" دعه لي ! " صرخ آرثر، واندفع نحو الأمير ليحجز انتباهه. اشتعل قتالٌ يدويٌّ وحشي؛ تبادلا اللكمات التي كانت تهزُّ الفضاء حولهما، وصاح آرثر بصوتٍ مخنوق من شدة الألم: " أسرع يا إيرولد! هذا المجنون لا يشعر بضرباتي. "

استغلَّ إيرولد الفرصة، وشقَّ طريقه نحو الزير الأخير، ويهوي بسيفه ثورن بكل ثقله. تحطم الفخارُ وتناثرت الشظايا، ليتدفق آخر معاقل النسيان على الأرض. همس إيرولد وهو يلهثُ بتعب: " أخيراً.. "

التفت جلجامش نحو إيرولد بعينين بدأ يغزوهما صفاءٌ مؤلم، وفي تلك اللحظة من التشتت، انقضَّ آرثر بكل ما تبقى له من قوة وسدد لكمةً هائلة استقرت في فك الأمير، صرخ معها بنبرةِ ثأر: " هذه من أجلي.. "

سقط جلجامش على ركبتيه، ثم ارتمى على الأرض والوهج الأحمر ينسحبُ من المكان. همس بصوتٍ متقطع يمزق القلب: " لا… لا أريد أن أستيقظ… " أمسك بيد الفتاة التي كانت تتعلق به، وشدَّ عليها بجنون وهو يبكي: " لا أريد أن أتركك مرة أخرى يا ايليا… "

انحنت إيليا عليه بابتسامة ملائكية، ولمست وجهه بلمسة رقيقة لم يعد يشعر بها جسده المادي، وقالت بصوتٍ هامس يذوب في الفراغ: " سنلتقي مرة أخرى، يا عزيزي…"

تفتت العالم حولهم، لتخرج الطاولة والقاعة في حالة فوضى، ليسقط جلجامش على الأرض مغمى عليه.

تنهد إيرولد بعمق، ماسحاً العرق عن جبينه، وقال وهو ينحني ليحمل الأمير: " يجب أن أعيده إلى القصر "

لكن، قبل أن تلمس يداه جسد الأمير، تجمد في مكانه. انتصبت شعيراتُ رقبته رعباً، وساد سكونٌ ثقيلٌ ومفاجئ، كأنَّ الهواء في الحانة قد تحول إلى رصاص. لم تكن مجرد نية قتل.. بل كانت هالةً من الفناء الخالص لم يشهد مثلها في حياته، لا في حروب البشر ولا في مواجهة الوحوش.

وفي غمرة هذا الضغط، اخترق صوت آسترا وعيه، صوتٌ مشحونٌ بالهلع: " إيرولد.. لا تقاتله.. اخرج من هُنا فوراً! إنه..... "

انقطع الصوتُ فجأة، وكأنَّ يداً خفية قد تدخلة، أو أنَّ الظلام المحيط قد ابتلع الاتصال ذاته. ساد صمتٌ مرعب لثانية واحدة، قبل أن يتهادى صوتٌ مكان صوت آسترا ، صوتٌ عميقٌ وبارد، يحملُ كبرياء الجحيم:

" مَن يجرؤ على التدخل في متعتي؟ "

في حضرة إيليا، تساقطت قشور الوحش عن روحه كما يتساقط الرماد.. لم يعد الأمير ثمالاً ولا هائجاً، بل عاد إنساناً يرى في عينيها وطنه الوحيد :

2026/05/25 · 5 مشاهدة · 2872 كلمة
VRO.4
نادي الروايات - 2026