تأخرت الخادمة عن ايقاظي وتجهيزي وانا اتكاسل في النهوض بنفسي و اخراج رأسي من تحت اللحاف وما استغربته اكثر هو هدوء المكان عدا عن أصوات العصافير التي لأول مره تكون بهذا الوضوح اظن ان إزعاج الخدم كان يغطي على هذا الصوت الرائع ، و قد مللت الانتظار لأنهض وأرى هذه العصافير من الواضح انها قريبه ورائحة لطيفه تفوح بقوة حالما رفعت اللحاف عن وجهي رأيت امامي سقف خشبي غير مألوف البته لقد اخذت وقتا طويلا وانا اتعرف على المكان بحيرة... كل شيء فيه غريب الاصوات، الرائحة، الأثاث، المكان واخيرا تذكرت ما حصل بالأمس
وأنا التي حالما ذهبت للنوم نسيت كل ماحدث البارحة والآن تترامى علي أحداث الأمس بمشاعرها و شجاراتها الفكرية القابعه بداخلي هنا جثم الحزن على صدري ورافقني الكدر جلست اتأمل السقف مفكرة بجيوفاني فوحده الرب يعلم ما يمر به الآن كذلك أبي كيف تلقَّى الأمر لابد انه غاضب علي مع أمي ليس وكأني لم أتخلى عنه ولكن ليس بقلبي قلبي لم يتركهم للحظه اريد ان أسأل امي لما فعلت ذلك راجية أن تعطيني أي سبب غير انها اختارت رجلا على ابي.. ولكن ليس لدي الجرأة في تلقي الرد الذي في الغالب سيكون جارحاً جدا لي قررت الخروج من فراشي البسيط وقد كان فراش على الارض ليس على سرير و قد هاجمني ألم شديد في ظهري مذكرا لي بأنها المره الأولى لي في تجربة النوم على الأرض حقا لقد كنا في نعمه لم نقدِّرها خرجت وأنا اتجاهل الألم متفحصة المنزل بسيط ولطيف... أضيق ممَّ ظننته لكن ليس سيئا وصلت غرفة المعيشه التي بها طاولة طعام عالجانب وهم عليها يأكلون حالما وقعت عيني عليه تذكرت بأني بالأمس كنت أحاول تجنب الدخول الى منزله ومن الواضح اني نمت بالباحة الاماميه.. اذا يبدو انه من وضعني في فراشي لقدا بدأ جسدي يرتجف من الحنق على نفسي وعليه فكيف يتجرأ كان عليه تركي، او إيقاظي للذهاب بنفسي داهمني صوت والدتي ملقية علي تحية الصباح... و لأول مرة اسمع صوتها بهذه السعادة، وارى ابتسامتها مشرقه منذ مدة طويله "صباح الخير سيسليا كيف كان نومك البارحة" ولكم آلمني هذا! هل بهذه السرعه تخطت ترك والدي وجيوفاني؟! انها حتى لم تتفقدني بالامس رددت عليها وانا مشيحة بنظري إلى باب الخروج "جيد" خرجت مسرعه وكانني كنت غريقه ببحيرة وخروجي من المنزل هو خروجي من تحت الماء ابحث عن متنفس عن مهرب من هذا الجو السام
الهذه الدرجة لا تلقي أي أهمية لمشاعري خرجت أتجول في القرية
وانا واطفال القرية نلقي على بعضنا نظرات التقييم وكأن كل طرف منا يرا الآخر كفرقه سيرك غريبة وها قد أقبل الفتى القزم وهو يمشي نحوي... ومن الواضح أن لديه ما يود قوله بنفس نظرات الحماس التي كانت عليه البارحة "تعالي دعيني أعرفك على القرية والأطفال" ومن خلفه فتاة ملفته الجمال تملك نفس لون شعره البندقي ولكن شعرها منساب وليس مجعد مثله وله لمعة خاصة تدل على عنايتها به اه كم اشتقت للخادمة صوفي فقد كانت هي من تقوم بهذه الأمور لي وكم كانت مهتمه بشدة وكأنه شعرها لا شعري قطع شرودي صوته وهو يوجه كلامه لها " لقد اخبرتك بأنها غريبة اطوار وكأنني أكلم سراب" قامت بوكزة بمرفقها تنظر له بسخط ولي بإنحراج هنا رجعت انزعج منه " ألا تعرف كيف تتحدث بلطف؟! ثم ما المشكلة في التفكير بإقتراحك؟ " قطب حاجبيه منزعجا مني وبنبرة صوت لا مبالية يحاول بها اخفاء انزعاجه المفضوح " ليس وكأنك مخيَّرة البقية سيبقون ينظرون لك من بعيد واختي بلهاء لن تعرِّفك بأهل القرية بصراحة وستكونين أبله منها إذا قررتي عدم التعرف والاحتكاك بأهل القرية" أقنعني كلامه ولكن لابد أن ازعجه اكثر لن أرضخ لتكبره "بما أنه ليس لدي ما أفعله فلنقم بذلك لنضيع بعض الوقت " تنهد بقلة صبر " إلهي صبرني على هذا الغباء عندما يعرض عليك أحدهم خدمة أظهري الإمتنان حتى لا يحولها إلى نقمة "
نظرت له بعدم فهم وهو يشقلب عينية بإنزعاج متمتما بكم هو طيب ومخلص اقتربت أخته مني وهي تهمس لي " يقصد لا تستفزيه ليعرفك بالقرية بشكل خاطئ بهدف الإنتقام"
حدقت به مشككة كدت أن اوجه كلاما مهددا له لكن أخته شدت يدي بحماس " أنا انجيلا في بادئ الأمر بدلي فستانك و دعينا نذهب لمنزلنا ونسرح شعرك لنعطي انطباعا افضل عنك فأنت جميلة.. وكم تمنيت شعرا حالك السواد مثل خاصتك" نظرت لها ببلاهه وهنا استوعبت أنني بفستان الأمس وأني لم أنظر حتى للمرآه فلا فكرة لدي عن كيف يبدوا شكلي وشعري هززت راسي موافقه بحرج " سأبدل ملابسي و يمكنك تسريح شعري هنا في باحة المنزل ساجلب مشطي و طوق شعر " أسرعت للداخل أبحث بعيناي عن مرآه علي أرى منظري الذي بت أتخيله بأشنع الأشكال اتاني صوت العجوز متسائلة "ماللذي تبحثين عنه يا صغيرة؟" وكم يشعرني لطفها بالحرج "هل لديكم مرآه؟" زادت تجاعيد عينيها مع تبسمها لي " في غرفتك توجد مرآه يد داخل الخزانه" ذهبت للغرفة المزعومة وتوجهت للخزانة باحثه عن غايتي فوجدت مرآه واسعه مع مقبض يد متوسط الطول وحالما رأيت شكلي تنهدت براحه فقد كان خيالي جامح للغاية وكأني مشردة ولكن الواقع شعري ليس بالمرتب فعلا ولكن ليس سيئا للغاية هممت مستعجلة لحقيبتي لأبدل فستاني لآخر جميل بغية تعويض مظهري السابق واسرعت بالخروج لهم و لاحظت تعابير الاعجاب والحماس من انجيلا اما ستيف القزم كان لا مبالي جدا ناولتها المشط والطوق دقائق حتى قالت انظري للمرآه و ورأيت شعري مسرح بجديلة جميله تبدا من الاعلى وليست مشدودة بل مرتخية بطريقة انيقه انزلقت من لساني كلمات التعجب "كيف يمكنك ذلك؟" رفعت ذقنها بكل ثقة وهي تعتدل بجذعها بكل شموخ "أنا عبقرية في كل ما يخص الأناقه" علق ستيف وهو يضحك بكل إستمتاع "و غبية في كل شيء آخر" اما هي لم يرف لها جفن على تعليقه وكأنها لم تسمعه مبتسمة "هيا لنبدأ تعريفك بأهل القرية و ليروا شعرك الجميل" هززت رأسي موافقه لها وأثناء مشينا أشار ستيف إلى منزل صغير وقريب منا " هذا منزل البخيل دانتي هو رجل طيب ولكنه بخيل جدا بالأخص مع حصانه بل شحيح " نهرته أنجيلا بعنف وهي تضرب كتفه "ستيف كم أنت وقح وبلا تهذيب ثم من أنت حتى تحكم عليه بالبخل وكأنك تعيش معه" جحظ بعينيه بانزعاج و هو يصرخ بغضب " لا تكرريها ثم هل تشككين بكلامي وكأني سأكذب تعالو لندخل الاسطبل وتروا بأعينكم " أسرع في المشي أمامنا وهو يكاد يحفر الارض من قوة وقع قدميه.. حالما وصلنا أخذ يحثنا بالإقتراب من الحصان كنت متوترة وخائفة من الحصان لكن عندما رايتهما قريبان جدا منه ومدخلين رؤوسهم مع باب حظيرته لرؤية جسده كاملا ولم يحدث لهم شيء تشجعت و حينها اتضح لي أن كلامه ربما يكون حقيقه إنه هزيل وأضلعه واضحة جدا أما أنجيلا هزت رأسها بالنفي معللّه "ربما يكون مريضا أو شيء ما... شخص بلطفه لن يحرمه الأكل" تمتم بضيق "يالها من أخت غبية" قام بعدها بالشرح كما يبدوا الحقائق التي جمعها
"أنا لم أقل إنه محروم ولكنه يسيء له في طعامه إنظري للحشائش والتبن التي يشتريها إنها مصفره وغير ذلك..." اخذ يربت على مكعبات التبن والغبار اخذ يتطاير منها " هناك كومة غبار عليها وهذا يدل على أنها قديمة حتى منذ أن اشتراها المفترض لو كان يعطيها كميتها الطبيعيه انها قد انتهت قبل يتراكم الغبار وليس وكأنه اشترى مخزون ضخم لا ينتهي " أخذت أنجيلا تفكر ثم ردت عليه " لا نستطيع أن نجزم، ليس وكأن لدينا حصان... ربما هكذا هي كميتها وربما الاصفر لا يضر... في النهاية نحن على جهل بما يخص الأحصنة وتربيتها " قلب عينيه بإنزعاج " لما أتيتي معنا لتزعجيني؟ إنها فكرتي لتعريفها أنت فقط تحبين لعب دور حمامة السلام مغمضة العينين! " أردف مغمضا عينيه بقلة صبر " ليس لدي خبرة ولكن قارنته بوضع حصان مارك وتغذيته.. مارك يشتري كل فترة مكعبات جديدة ناهيك عن بعض أنواع الحبوب وحصانه يبدو وكأنه مصارع مع عضلاته و دانتي منذ بدأت المراقبة لم يشتري شيئا آخر ولم ينتهي تبنه الرديء " تمتمت بإنبهار لا إراديا " إنك عبقري" وكم تهللت أساريرة ولمعت عينيه بفرح وضع يده على صدره وإنحنى بلباقة " أشكرك يا آنسة " اعتدل وهو يكمل كلامه " و أخيرا أحد ما اعترف بي ولم أكن اتوقعها منك بالذات فقد لاحظت انك دائما منزعجة مني" شعرت بتأنيب الضمير فإنزعاجي منه لم يكن سوا تنفيس فهو في الحقيقه لم يفعل شيئا يستحق على العكس يحاول التعرف علي وتسليتي قلت: "آسفة لست منزعجة منك بل من أمور أخرى وربما افرغتها عليك" ظل يحدق بي للحظات ثم قال: " اتفهم ذلك " ثم مررنا بعد ذلك ببساتين زيتون، واشجار برقوق وكانت رائحتها منعشه و انجيلا تحمل عصا ترسم بها على الارض تاره وتأشر بها تاره لشجرة كبيرة محاولة جعلي ارى خلية النحل وكم تعبت حتى رأيتها بينما ستيف كان يستعرض بمعلوماته عن النحل سألتهم اذا كنا نستطيع قطف بعض الفاكهه لتجيبني انجيلا "هنا نأتي غالبا لقطف الدراق ولكن العجوز لا يحب أن نأخذ من أشجاره إذا سمعك سيقول انك لصة! حتى لو لم تقطفي شيء" ضحك ستيف ساخرا "لقد اتهمني مره بسرقة ظلي!" كنت استمع لهم بإندهاش فكل الأمور التي يتحدثون عنها جديده علي ثم توقفنا عند سور حجري منخفص أمامه ساحة ترابيه فسيحة وبه بركة صغيره و اطفال يلعبون بدحرجة العجلات الخشبيه و الكرات الزجاجية الصغيرة
قالت أنجيلا:
"وهذه ساحة بياترو. نأتي هنا في المساء أحيانًا لنلعب، خاصة عندما يكون القمر مكتملاً."
همست دون أن أرفع صوتي:
"هل يوجد مكان لا يصل إليه الغبار؟"
قال ستيف، مغمضًا عينيه وكأنه يتنشق الذكرى:
"الغبار هنا هو العطر الرسمي للقرية. تعتادينه… أو تصيرين جزءًا منه."
ثم، مررنا قرب فرن خشبي قديم، تصعد منه رائحة الخبز المحروق. أخرجت امرأة قصيرة وبدينة رأسها من النافذة وصاحت:
"أنجيلا! ألن تزوريني لتذوقي الفطيرة؟ صنعتها بالتين المجفف خصيصًا لك!"
تقدمت أنجيلا بخفة:
"هذه تانتو روزينا. طيبة… لكن فطائرها صلبة كالحصى."
همست لي، ثم عضّت الفطيرة وأخفت ملامح وجهها، قبل أن ترمقني بعيون دامعة وتقول:
"ابتسمي… فقط."
ابتسمت بطاعة تامه ورضا فهذا مجتمع كبير ومتنوع من الجماد و الاماكن لناس ولأول مره اشعر بأني عشت يوم ممتع وكأني داخل قصة مغامرة
خلال تجوالنا، أشارت أنجيلا إلى طريق جانبي يتجه نحو أحد البيوت المرتفعة قليلًا، وقالت بحماسٍ يكاد يُفجِّر عروق رقبتها:
"أوووه! سيسيليا، يجب أن تري أعظم شخص في هذا العالم!"
قاطعتها بضحكة ساخرة: "أعظم؟ من هذا؟ مارك؟"
ابتسم ستيف ابتسامة جانبية، ناظرًا إليّ بطرف عينيه بتكبّر، وأضاف: "مارك؟ لا تقارنيه بذاك الأحمق! إنها تتحدث عن أخينا الأكبر... المعجزة البشرية... إليو!"
ثم وقف معتدلًا، عاقدًا يديه، نافخًا صدره بفخر، مغمضًا عينيه كمن يراه في عقله، وقال بصوت مهيب: "طوله متران، يسطع في الظلام، صوته يشفي المرضى، وابتسامته تُصلح القلوب المحطّمة!"
أنجيلا صفّقت له، وكأنهما يعرضان مسرحية، ثم قالت وهي تضع يدها على صدرها كمن تُقسم: "إنه الأوسم، الأذكى، الأشجع، والألطف! عندما أكون حزينة، يلاحظ على الفور! بل ويعرف لماذا!"
يا لهذا الفخر! أراهن أنه مثل ستيف... متكبر ومتغطرس.
لوّح ستيف بيده بإفراط، وأضاف: "أنا متأكد أنه يستطيع سماع أفكارنا! أحيانًا أشعر أنه يعرف أنني أكلت قطعة الحلوى حتى قبل أن أبلعها! يستطيع إصلاح سرج وهو مغمض العينين! "
ضحكت رغمًا عني، ولكن شيئًا صغيرًا في صدري انكمش. ليس من تمجيدهم المبالغ فيه، بل من طريقتهم المتناغمة في الحديث عنه، من نظراتهم التي تلمع حين يُذكر اسمه، من ثقتهم بأنه دائمًا هناك من أجلهم. ظلَّا يرددان اسمه كأنهما يتحدثان عن بطل أسطورة
لقد ذكروني بجيوفاني... كم اشتقت له. كان يشعر بي قبل أن أنطق، كما لو أن بيننا خيطًا خفيًّا يشدّ قلبه نحوي كلما اختنق قلبي.
لم أُشِر لذلك، ولكن كم تمنيت أن أذكر اسم جيوفاني بالطريقة نفسها، وأجد من يعرفه، ويبتسم حين أتحدث عنه.
وصلنا إلى حديقة صغيرة أمام البيت، وبينما هما يصرخان: "إليو! إليو! اخرج يا نجم العائلة!" انفتح الباب.
وخرج هو.
كنتُ أتوقع شيئًا سخيفًا بعد كل هذا التهويل، لكن...
كان حقًا وسيمًا، طويل القامة، شعره بنيّ غامق، فوضوي بطريقة أنيقة،و عيناه رماديه، وابتسامته هادئة… ليست فخورة ولا باردة.
نظر إليّ أولًا، ربما لأنني الجديدة، وقال بلطف حقيقي: "أنتِ سيسيليا، صح؟ سمعنا عنك. أخيرًا رأيناك."
يا إلهي، صوته...
قفزت أنجيلا بشكل مفاجئ وهي ترتّب مقدمة شعره، تتمتم بتذمّر: "إلهي، لماذا شعرك في فوضى في مثل هذا الوقت المهم!"
ثم نظرت إليّ بترقّب حالما انتهت، مبتسمة بحماس.
أما ستيف، فأخذ يثرثر مع أخيه: "أصبت! إنها سيسيليا التي أتعبتك وأتعبتنا بالبحث عنها في الغابة، لكنها ليست سيئة كما قلتَ لك البارحة!"
شعرت بالصدمة. كيف يعطي انطباعًا عني لأخيه وهو لا يعرفني أصلًا؟! والأدهى... يقوله أمامي بلا خجل!
أدركت أنني كنت فاغرة الفم، حين وجّه المدعو إليو كلامه لي، بعد أن وبّخه بهدوء:
"لا بأس... أحيانًا نحتاج أن نضيع قليلًا لكي نرتب ما فينا."
تجمّدت. لم أعرف ما أقول.
لم يكن ينظر إليّ وكأنه ينتظر ردّة فعل، فقط قالها ومضى. كأنه رآني... ليس كفتاة جديدة في القرية، بل كإنسانة تحاول ألّا تنهار.
"نرتب ما فينا؟" هل كنت أرتب؟ هل لاحظ؟
ربما كانت مجاملة عابرة... وربما لم تكن.
لكنه جعلني، للحظة، أشعر أني مفهومة — حتى دون أن أتكلم. أم تراه يعرف قصتي؟ وما حصل بالفعل؟!
أخذت الأفكار تتراقص أمامي، وشعورٌ بالعار اجتاح جسدي بحرارة. أشعر بالذنب... ولكن ممَّ؟ لا أعلم!
كم تمنيت لو بقيت مع جيوفاني... على الأقل، سيكون عليّ مواجهة والدي وحده. أما هنا... فستكون مواجهة جديدة مع كل شخص ألتقيه. مد يده امامي مرحباً بي لداخل المنزل "سررت بلقائك مرحبا بك في منزلنا"
دخلت عبر الباب بتردد متأملة السقف مسند بعوارض خشب سميكة ينبعث منها عطر خشبي دافئ وقبل أن التقط أنفاسي هتفت بي أنجيلا بحماس "يجب أن تجربي عصير الخوخ من صنع والدتي إنها مبدعه في المطبخ" و هناك وجدت سيدة جميله تشبه أنجيلا وكأنها النسخه الاكبر منها ولكن أجمل شعر بندقي ناعم تلفه بفوضوية للخلف و مئزر طبخ يحمل غبار دقيق كما يبدو وابتسامة لطيفه تحولت لهتاف صاخب "يا إلهي إبنة لوسيندا! " حيَّتني بحراره شديدة قد استغربتها و ضمتني لها بشده وكم كنت احتاجه من عناق! ولم ادرك ذلك إلا عندما احسست بألم في حلقي علمت بأني على وشك البكاء لكن حاولت قدر الإمكان أن اتمالك نفسي رددت ضاحكة " لقد كنا نسميها زهرة المدينة... آه كم اشتقت لها! " حاولت تغيير مجرى الموضوع وفي الوقت آنه إشباع فضولي "كيف علمتي بأني إبنة لوسيندا؟!" ابتسمت مشيرة برأسها لستيف " لقد اخبرني ستيف بأن هناك فتاة جديدة اسمها سيسليا ووالدتها تدعى لوسيندا اتو للقرية.. لذا لقد خمنت مع تشابه الاسماء و عندما رأيتك تأكدت تماما فأنتي تشبهين ألبرت كثيراً" هنا زادت تساؤلاتي اكثر كيف تعرف والدتي؟ و والدي كذلك؟ ما علاقتها بهم؟! سحبتني معها و هي متحمسه كحماس أنجيلا بتعريف أخاها تجرني لصالة المعيشة" تعالي لصالة المعيشة يجب أن تتذوقي فطيرة التفاح التي صنعتها و عصيري المشهور"
كانت الفطيرة على الطاولة الصغيرة، تنفث بخارًا خفيفًا له رائحة تشبه العناق… مزيج من التفاح والقرفة والزبدة الذائبة. تشقّ طريقها إلى أنفي، وأظنني للحظة كدت أبكي فقط من رائحتها. ناولتي صحن به قطعه وحالما تذوقتها قام فمي باحتفالات ونداءات للمزيد فقد سال لعابي في ثواني حالما انتهيت منها تفاجأت بهم حولي يترقبون بكل حماس رأيي على ما يبدو اخذت اهز رأسي وأنا مردده " انها رائعه بالفعل.. رائعه أفضل ما قد تذوقت" صفقة أنجيلا لوالدتها مبتسمه بفخر "أمي اشكرك دائما تبهرين اصدقائي! "
وكم أسعدتني كلمة اصدقاء رغم أنه اول لقاء
ضحكت والدتها بلطف، وهي تمسح يديها بمئزرها وتقول: "حسنًا حسنًا، هذا ليس شيئًا أمام عصير الخوخ! انتظري حتى تتذوقي ذلك، يا سيسيليا!"
ثم التفتت نحو المطبخ بخفة حركة لا تشبه ربة منزل متعبة، بل كأنها فتاة صغيرة تتهيأ لإبهار ضيوفها. أما إليو، الذي كان واقفًا مستندًا على عتبة الباب، ابتسم وهو ينظر لأنجيلا وقال بنبرة دافئة: " يبدو أن أمي جعلتُك تتفاخرين مرة أخرى، أيتها الصغيرة"
أجابت أنجيلا، وهي تشم رائحة عبق الخوخ الذي يبدو يقترب منا : "طبعًا! وهل هناك أم أخرى تعد مثلها؟!"
ثم رمقته بغمزة مرحة جعلته يهز رأسه ويضحك خافتًا. راقبتهم... كان بينهم هذا النوع من الألفة الذي يدخل القلب دون استئذان. بعد ثواني قليلة، عادت فيها الأم تحمل صينية عليها كؤوس زجاجية قديمة الطراز، فيها عصير خوخ بلون ذهبي مع عروق حمراء خفيفة، والندى يرشح على أطراف الكؤوس.
وضعتها أمامي وقالت بابتسامة مشرقة: — هذا خصيصًا لكِ... لقد عصرته هذا الصباح!
شعرتُ... شعرت كأنني "مُرحَّب بي حقًا"... ليس مجرد ضيفة طارئة. كان في عينيها دفء لا أذكر أني رأيته حتى في عيني أمي مؤخرًا.
ترددتُ للحظة، ثم أخذت الكأس بين يديّ... كانت باردة منعشة. ارتشفت منها رشفه... وانفجر الطعم في فمي: حلو... زكي... يشبه صباح صيفي هادئ.
نظرت إليهم بإحراج ، وغربة فأنا لم التقيهم سوا اليوم... مالت الأم نحوي وربّتت على كتفي بخفة، هامسة: — لا تقلقي يا صغيرتي... ستعتادين علينا، وستجدين هنا من تمرحين معه.
كتمتُ أنفاسي للحظات. كدت أتكلم... لكن بقيت أبتسم فقط... ... كنت لا أزال أحتسي العصير ببطء، أراقب ستيف وهو يتحدث بحماس عن حقلهم الصغير ، و بعدها قام بالتفاخر بعضلات أخاه إليو و طلب منه أن يستعرض ذلك معه، بينما إليو يرفض و يردد إنه مرهق وقد كان تعابيري توضح إستغرابي من ستيف فما هو المدهش فيما يريد ان يريني اياه؟! ، وما المرهق في الأمر؟! دقيقة و إستسلم إليو وإستقام من الكنبة وهو يمد ساعده أمامه
"بسرعه كم تحبون التفاخر أنت وانجيلا؟!" هنا هرع ستيف مبتسما بحماسه يتمسك بساعد إليو ورافعا قدميه عن الأرض و إليو يدور به في صالة المعيشة بساعد واحد وقد دهشت حقا وكان منظرا يستحق الاستعراض و التفاخر لم اعتقد أنه بهذه القوه وضعه على الارض وأنجيلا تردد: "إليو دوري.. دوري" كرر دورانه هذه المره بأنجيلا ثم نظر لي: "أتريدين التجربة" همس لي ستيف "لا تفوتيها إنه لايعرض هذه الخدمة إبدا دائما بالإجبار والطلب" هززت رأسي موافقه وانا اشعر بقلبي يقفز من الحماس تمسكت بساعده والخوف يتسلل لي ولكن فضولي تغلب عليه وحالما دار بي وأنا أنظر للسقف بدا لي و كأنه هو الذي يدور أدركت متعة جديدة عندما توقف انزل ساعده ووصلت قدمي للأرض قال لي: " لقد اطلت معكي بما أنها المرة الأولى، إستمتعتي؟!" هززت رأسي بإيجاب: "إنك قوي و طويل" ضحك وهو يربت على رأسي إلتفت ونظرات الإثنين كلها تبجيل وفخر بإليو
اقترب ستيف وهو يحاول كتم ابتسامة، ثم غمغم بنبرة متحمسة كأن فكرة خطرت له: " بالمناسبة... اليوم سوق القرية!، وعمّي لورينزو يعرض حصانه الجديد! ماذا تقولين؟ نأخذها معنا يا أنجيلا؟"
عينا أنجيلا بحماس: "فكرة رائعة! السوق اليوم يكون مزدحمًا... ستعجبك الألوان والضوضاء، سيسيليا!"
أما والدتهم فهزّت رأسها وهي تمسح يديها بالمئزر: " لا تطيلوا في الخارج... وخذوا بعض العملات من الدرج، لو احتجتم شيئًا."
نظرت إليهم جميعًا... وجدتني أبتسم، لأول مرة بلا تردد. ربما... هذا اليوم لن يكون سيئًا كما ظننت صباحًا. خرجنا من المنزل إلى طريق ضيق تحفّه الأشجار البرية. الشمس مالت قليلًا نحو الغرب، والهواء بدأ يبرد، لكن كان فيه تلك الرائحة الترابية المنعشة...
ستيف يمشي أمامنا بخُطى واسعة، عصاه على كتفه كأنه فارس صغير، يثرثر بلا توقف عن (حصان عمّه) الذي سيلفت الأنظار اليوم في السوق. أما أنجيلا فكانت تمسك بذراعي كأننا صديقتان قديمتان، تهمس لي عن الباعة الذين يجب أن أتجنبهم، وأي فطيرة يجب أن أجرّبها.
كلما مشينا قليلًا، كنا نمر بأطفال أو نساء من القرية... يلقون علينا تحية سريعة، أو يرمقونني بنظرات فضول. ما زلت أجد صعوبة في التفاعل... لكن وجودهما بجانبي خفّف كثيرًا من ذلك الشعور بالغرابة.
عند منعطف الطريق، ارتفع صوت ستيف: ها نحن نقترب... أترين؟ ذلك الدخان؟ إنه فرن السوق!
وبالفعل... مع كل خطوة، بدأ الهواء يمتلئ بروائح الخبز والجبن المشوي والعسل. ثم بدأت الأصوات تزداد: ضحكات، مناداة الباعة، أصوات دواب... مزيج عجيب لكنه حيّ، ينبض.
دخلنا إلى الساحة الرئيسية... صفوف الأكشاك الخشبية مصطفّة، تعلوها أقمشة ملونة ترفرف تحت النسيم. هنا بائع الفخَّار ينادي بحماسة، وهناك امرأة تعرض أقمشة مزركشة، وعلى الجانب الآخر... صف طويل من سلال التفاح والتين المجفف.
شدّت أنجيلا يدي بحماس: " تعالي! يجب أن أريك العجوز كارلا... تبيع عسلًا كأنك تشربين نور الشمس!"
أما ستيف فكان يدور حول عربة خيول قريبة، يتفحّصها وكأنها كنز قديم. صوته يعلو: " أراهن أن هذا الحصان لن يهزم حصان مارك!"
ضحكت أنجيلا، ثم همست لي: " دعيه... إنه يُصاب بالغيرة عندما يرى خيولًا جديدة!"
وقفت في وسط الساحة للحظة... أدوار الألوان، الضجيج، والروائح... كله جديد عليَّ، لكنه لا يخيفني كما توقعت. ربما... فقط ربما... يمكن لهذا المكان أن يصير مألوفًا، يومًا ما. كان السوق أشبه بمهرجان مصغّر... لم يكن كبيرًا، لكنه يعجّ بالحياة. أكشاك الخضار والفواكه تلمع فيها الألوان تحت شمس العصر: خوخ، برقوق، عنب معقود.
بائع الجبن يدندن أغنية قديمة وهو يقطع شرائح الجبن بسكّين عريضة، يرفعها بيده الثقيلة إلى من يمرّ، كأنه يغريهم بقطعة من القمر. أما فرن السوق، فصفّه من الأرغفة المستديرة المقرمشة جعل قلبي يهتف جوعًا، رغم فطيرة التفاح قبل قليل.
تقدّمت أنجيلا بي إلى كشك مغطّى بأغصان الزعتر، وراءه امرأة عجوز ممتلئة، شعرها رمادي ضُفّر إلى الوراء. ابتسمت تلك العجوز حين رأتنا: — آه، آنسة أنجيلا! وأنتِ... لا بد أنك الصغيرة سيسيليا؟ أهلاً وسهلاً! تعالي تذوّقي هذا العسل، جديد من قفير هذا الأسبوع.
مدّت لي ملعقة خشبية صغيرة، قطرات ذهبية ثقيلة عليها... تردّدت، ثم تذوقته. لم يكن كأي عسل تذوقته من قبل... كأن الشمس تذوب في فمي، دافئ، مع رائحة الزهر.
" إنه... لذيذ!"
ضحكت العجوز، وصفّقت براحة ناولتني علبة : " علبة عسل صغيرة كهدية ترحيب!" أخذتها وأنا اتأملها كأنها سائل ذهب شعرت بحرارة في خديّ، لكن بطريقة لطيفة.
في الجوار، كان ستيف يطارد قطة رمادية تسير بخيلاء وسط السوق، ينادي: " يا لصّة الزبدة! توقفي!"
ضحكت أنجيلا: " إنه يطاردها كل أسبوع... ويقسم أنها تسرق من طاولة الجبن."
ثم همست لي كأنها تشاركني سرًا: " هي في الحقيقة قطة صاحبة الجبن... لكنها تعرف كيف تستفز ستيف!"
لم أستطع منع نفسي من الضحك، هذا الجو... هذه الحياة البسيطة... كأنها تخفف من ثقل القلب دون أن أشعر. وفكّرتُ... هل هذا هو (العادي) عندهم؟ حياة فيها ضحك وعسل وقطة ؟
ورفعت عيني إلى سماء القرية...
للمرة الأولى منذ جئت... لم أشعر أنني "زائرة". بل شعرت... ربما... أنني أستطيع أن أنتمي.