كانتِ السفينةُ الفضائيةُ تقبعُ في قلبِ الفجوةِ الغابيةِ كأنها طفرةٌ في نسيجِ الطبيعة، فقد اتخذت شكلاً تمويهياً عبقرياً على هيئةِ جذعِ شجرةٍ عملاقٍ ضاربٍ في القدم، قشرتهُ الخشبيةُ ليست سوى درعٍ بيولوجي متطور. تقدم ماركو بخطىً متعثرة، وجسدهُ المنهكُ يرتجفُ كلما اقتربَ من مصدرِ طاقته؛ شعرَ بتلكَ الخيوطِ ذاتِ اللونِ الأخضرِ الغامق، وهي نبضاتٌ

كهرومغناطيسيةٌ مرئيةٌ فقط لمستقبلاتِ بدلتِه، تخرجُ من جسمِ المركبةِ لتتشابك مع أعصابِ الغابةِ المحيطة، كأنَّ السفينةَ كانت تتنفسُ بالتعاونِ مع الأشجار. مدَّ ماركو يدهُ المرتجفة ليلمسَ السطحَ الخشن، لكنَّ الهواءَ من حولهِ تجمدَ فجأة، وانقطعت خيوطُ الضوءِ الأخضرِ بفعلِ حضورٍ باردٍ وجنائزي بدأ ينبثقُ من زوايا الظلام.

من فوقِ الأغصانِ الميتة، هبطَ كيانٌ بعباءةٍ سوداءَ طويلةٍ كأنها نسيجٌ من ليلٍ خالص؛ إنه الكونت "نايت وينج"، مصاصُ الدماءِ الذي خرجَ من صفحاتِ كتاب "أنفاس مصاص الدماء". كانت ملامحهُ شاحبةً كأنها نُحتت من رخامِ المقابر، وعيناهُ تلمعانِ بجموحٍ مفترس. وبجانبه، تجسدتِ الكونتيسةُ "إيفون"، عروسهُ التي تشاركهُ لعنةَ الخلود، بفستانِها المخملي الممزق وابتسامتِها التي كشفت عن أنيابٍ متعطشةٍ للدماء. لم يكتملِ الحصارُ عند هذا الحد، بل سُمعَ صوتُ خشبٍ يرتطمُ بالأرضِ بخطواتٍ غيرِ متزنة، ليخرجَ من خلفِ السفينةِ الكابتن "لونغ بن" ذو الساقِ الواحدة؛ قرصانٌ شبحي بملامحَ تقتربُ من القسوةِ البشرية أكثر من كونه زومبي، يمسكُ بسيفهِ الصدئ الذي تفوحُ منه رائحةُ الملحِ والموتِ القديم.

تراجعَ ماركو غريزياً، وشعرَ بضيقٍ في صدره؛ فإصاباته السابقةُ بدأت تنزفُ من جديد، ومخزونُ طاقةِ مسدسهِ وصلَ إلى مستوياتٍ حرجة. نظرَ إلى الأعداء الثلاثةِ الذين يحيطون بمركبتهِ كحراسٍ للموت، وقالَ بصوتٍ متهدج: "لقد قطعتم طريقاً طويلاً لتجدوا نهايتكم هنا. هذهِ السفينةُ ليست مجردَ حطام، إنها ملكي، ولا مكانَ لقصصكم الورقيةِ داخلَ محركاتها!". ضحكَ الكونت نايت وينج ضحكةً باردةً ترددَ صداها بين الأشجار، وقال بنبرةٍ أرستقراطيةٍ متعالية: "أيها المسافرُ التائه، أنتَ لا تدركُ أنَّ سيدَنا فيرتشايلد قد كتبَ لنا فصلاً جديداً، وأنتَ لستَ سوى الضحيةِ التي ستُخضبُ بدمائها مدخلَ هذا الكيانِ الغريب. دمُكَ لا يشبهُ دماءَ البشر، وأنا أتوقُ لتذوقِ طاقةِ النجومِ التي تجري في عروقك".

صرختِ الكونتيسةُ إيفون وهي تندفعُ نحوه برشاقةٍ مرعبة: "سأنتزعُ قلبكَ المعدني وأجعلهُ زينةً لقلادتي!". وفي تلك اللحظة، تحركَ الكابتن لونغ بن بصمتٍ غريبٍ رغم ساقه الخشبية، ملوحاً بسيفه في هجمةٍ جانبيةٍ غادرة. كان ماركو على وشكِ الانهيارِ تحتَ ثقلِ هذا الهجومِ الجماعي، لكنَّ "قط الكذب" لم يتركهُ وحيداً. وقفَ القط بجانبِ ماركو، واتسعَ حجمهُ فجأةً لتبرزَ مخالبهُ التي توهجت ببريقٍ أرجواني، وأصدرَ زئيراً زلزلَ الغابة، معلناً بدايةَ المعركةِ الجماعيةِ الكبرى.

اندفع ماركو ليتصدى لسيف الكابتن لونغ بن، مستخدماً مقبض مسدسه في اشتباكٍ قريبٍ تجمعت فيه الشظايا المعدنية، بينما قفز قط الكذب في الهواء ليعترض طريق الكونت نايت وينج الذي تحول إلى سربٍ من الخفافيش المظلمة. كانت الكونتيسة إيفون تهاجم ببراثنها الحادة، محاولةً اختراق درع ماركو، بينما كان هو يراوغ ويطلق نبضاتٍ قصيرة ومركزة لمحاولة إبقاء المسافة بينه وبينهم. قال ماركو وهو يصد ضربةً عنيفة من القرصان: "أنت مجرد شبحٍ من ماضٍ منسي يا لونغ بن، سيفكَ لا يقطعُ سوى الأوهام!". رد القرصان بصوتٍ أجش وهو يبصق على الأرض: "وهل هناك وهمٌ أكبر من سفينةٍ تطيرُ بين النجوم؟ سأقطعُ رأسك وأعلقهُ على صاري مركبتك هذه!".

تلاحمت الأجسادُ في فوضىً من المخالبِ، والسيوفِ، والنبضاتِ الطاقية؛ كان ماركو يقاتلُ بروحِ من لا يملكُ ما يخسره، وقط الكذب يقاتلُ بوفاءٍ وحشيٍ كسرَ هيبةَ مصاصي الدماء. وسطَ هذا القتال، كانتِ السفينةُ (جذعُ الشجرة) تبدأُ بالاستجابةِ لحضورِ ماركو، فبدأتِ الخيوطُ الخضراءُ تتوهجُ بشدةٍ أكبر، وكأنها تستمدُّ قوتها من إصراره، مما جعلَ الأرضَ تحتَ أقدامِ وحوشِ فيرتشايلد تبدأُ بالاهتزاز، معلنةً أنَّ المعركةَ فوقَ ترابِ الغابة قد بدأت تتخذُ منحىً لا يخضعُ لقوانينِ الكتبِ أو رغباتِ الكاتب.

توقف القتال عند ذروته الجماعية، حيث يحارب ماركو وقط الكذب للوصول إلى السفينة.

التحمت الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال في تلك البقعة الضيقة أمام جذع الشجرة العملاق، وانفجر القتال في مواجهة جماعية اتسمت بشراسة لا ترحم. وجد ماركو نفسه في قلب إعصار من الهجمات المنسقة؛ فبينما كان الكونت نايت وينج يتحرك كطيف أسود يظهر ويختفي خلف الومضات، كانت الكونتيسة إيفون تهاجم ببراثنها من الزوايا الميتة، في حين يغلق الكابتن لونغ بن ممرات الهروب بضربات سيفه الثقيلة التي كانت تحفر أخاديد في الأرض مع كل ضربة طائشة. شعر ماركو بضغط هائل، فجسده المنهك من المعارك المتتالية بدأ يخذله، والنزيف في كتفه زاد من بطء حركته، مما جعل تفادي هجمات الثلاثة معاً أمراً يقترب من المستحيل.

اندفعت الكونتيسة إيفون نحوه بسرعة خاطفة، محاولة غرس مخالبها في عنقه، فرفع ماركو ذراعه المعدنية ليصد الهجمة، مما أحدث صوتاً معدنياً حاداً، لكنه لم يكد يدفعها حتى شعر بهواء بارد خلف أذنه؛ كان الكونت نايت وينج قد تجسد فجأة ملقياً بعباءته الثقيلة التي التفت حول رؤية ماركو للحظة. صرخ الكونت بنبرة تفيض بالنشوة:

"هل تشعر بالارتباك أيها الغريب؟ حواسك المتطورة لا تعني شيئاً في عالم يحكمه الليل والدم!". وفي تلك اللحظة، استغل الكابتن لونغ بن انشغال ماركو، ليهجم بساقه الخشبية التي ارتطمت بضلوع ماركو بقوة جعلته يترنح، متبعاً إياها بضربة سيف مائلة مزقت جزءاً من بدلة ماركو الفضائية.

تراجع ماركو عدة خطوات، ينهج بصعوبة والدم يغطي جانباً من وجهه، بينما وقف قط الكذب في وضعية هجومية، يزأر ويحاول تشتيت انتباه الكونتيسة التي كانت تحوم حولهما كذئب جائع. قال ماركو وهو يمسح الدم عن عينيه: "ثلاثة ضد واحد.. يبدو أن قصص كاتبكم تفتقر إلى الشرف!". ضحك الكابتن لونغ بن بصوت أجش يشبه تحطم الأخشاب، ورد قائلاً: "في البحر، القوي هو من ينجو، وفي كتب فيرتشايلد، نحن القانون! لن تصل إلى مركبتك أيها المسافر، ستكون حطاماً بجانب حطامها!".

حاول ماركو استجماع ما تبقى من طاقة في مسدسه، وأطلق رشقة مكثفة نحو الكونت نايت وينج، لكن الأخير تحول إلى سرب من الخفافيش المظلمة التي تفرقت في الهواء لتتجمع مرة أخرى خلفه مباشرة، ليوجه لل ماركو ضربة قوية في ظهره ألقته أرضاً. شعرت الكونتيسة إيفون بضعفه، فقفزت فوقه وهي تزمجر: "الآن.. سأشرب من طاقة النجوم التي تسكنك!". كادت مخالبها أن تصل إلى صدره لولا تدخل قط الكذب الذي انقض عليها بعنف، ليبدأ صراعاً وحشياً بين المخالب والأسنان، تاركاً ماركو يواجه الكونت والقرصان وحده.

كانت الصعوبة تكمن في التكامل بين سحر الكونت وسيف القرصان؛ فكلما حاول ماركو التركيز على أحدهما، باغته الآخر. حاول ماركو تفعيل "هومه" مرة أخرى، لكن الطاقة كانت تتذبذب بشكل غير مستقر بسبب الضرر الذي لحق بأنظمته. قال الكونت نايت وينج وهو يتقدم ببطء، وعيناه تشعان ببريق أحمر مخيف:

"انظر إلى مركبتك يا ماركو.. إنها تنبض باللون الأخضر، تناديك، لكنك ستموت على أعتابها. أرواحنا سكنت الورق لقرون، وأنت مجرد فصل عابر سيُمحى الليلة". لم يرد ماركو بالكلمات، بل غرس قدميه في الطين بقوة، محاولاً استعادة توازنه في هذا القتال اليائس، وهو يدرك أن كل ثانية تمر تنقص من احتمالية بقائه حياً في هذه المواجهة الجماعية المروعة.

توقف ماركو للحظة، ينظر إلى السفينة التي تبعد أمتاراً قليلة، ثم إلى الوحوش الثلاثة الذين يعيدون تنظيم صفوفهم للإطباق عليه مرة واحدة وإلى الأبد، وشعر بالخيوط الخضراء التي تنبعث من السفينة تزداد حرارة، وكأنها تستشعر الخطر المحدق بصاحبها، بينما ظل قط الكذب يقاتل بضراوة ليبقى ماركو صامداً في وجه هذا الهجوم الذي فاق كل توقعاته.

كانتِ الأنفاسُ تتصاعدُ من صدرِ ماركو كأنها شراراتٌ من محركٍ يلفظُ أنفاسَهُ الأخيرة، والدماءُ التي سالت من جروحهِ بدأت تمتزجُ بطينِ الغابةِ الملعونة، لتشكلَ لوحةً من المعاناةِ الجسديةِ الصرفة. نظرَ حولهُ بعينينِ يملؤهما الإرهاق، فرأى الكونت نايت وينج يحومُ فوقه كأنه غرابُ البينِ الذي ينتظرُ لحظةَ السقوط، والكونتيسة إيفون تتربصُ على بُعد خطوات، عضلاتُ وجهها مشدودةٌ ونابحةٌ بالوعيد، بينما كان الكابتن لونغ بن يسدُّ طريقَ التراجعِ بسيفهِ الثقيل الذي كان يرتطمُ بالأرضِ مع كل حركة، مُصدراً صوتاً يشبهُ وقعَ المقصلة.

حاول ماركو بكل ما أوتيَ من قوةٍ أن يواجههم، فاندفعَ نحو الكونتيسةِ محاولاً مباغتتها بركلةٍ قوية، لكنها انحنت برشاقةٍ مرعبةٍ ليمرَّ ماركو من فوقها، وفي تلك اللحظة، هبطَ الكونتُ من السماءِ ليوجهَ ضربةً بظاهرِ يدهِ أطاحت بماركو ليرتطمَ بجذعِ الشجرةِ الصلب. لم يكد يلمسُ الأرضَ حتى كان سيفُ لونغ بن يهوي نحوه، فلم يجد ماركو خياراً سوى التدحرجِ جانبياً، ليشعرَ بنصلِ السيفِ يشقُّ الأرضَ بجانبِ أذنه. صرخ الكابتن لونغ بن بصوتٍ كأنه صريرُ الخشبِ المحترق: "استسلم أيها الغريب! أنتَ تقاتلُ أسيادَ الليلِ وقراصنةَ الأساطير، قصتُكَ تنتهي هنا عند جذورِ هذه الشجرة!".

أدرك ماركو في تلك اللحظةِ الحرجة أنَّ القوةَ المحضة ضدَّ هؤلاء الثلاثة هي انتحارٌ بطيء؛ فهم لا يتعبون كما يتعبُ البشر، وجراحهم الورقيةُ تلتئمُ بسحرِ الكلماتِ التي كتبها فيرتشايلد. كان عليهِ أن يتفوقَ عليهم بمنطقٍ غريبٍ عن قصصهم؛ منطقِ الآلةِ والحساباتِ الاستراتيجيةِ الباردة التي لا تفهمُ معنى "الرعب" أو "الخوف". همس ماركو لقط الكذب الذي كان يزمجرُ بجانبه: "اسمعني جيداً.. سأقومُ باستدراجهم إلى نقطةِ التماسِ الطاقي. عندما أعطي الإشارة، اجذب الكونتيسةَ نحو القرصان.. لا تقتلها، فقط اجعل مساريهما يتقاطعان".

بدأ ماركو بتنفيذِ خطتهِ العبقرية. تظاهرَ بالانهيارِ التام، فأسقطَ مسدسهُ من يدهِ وجلسَ على ركبتيهِ يلهثُ بعنف. ضحك الكونت نايت وينج وهو يهبطُ ببطء، وعيناهُ تشعانِ ببريقٍ أحمرَ قاتل: "أخيراً.. أدركتَ ضآلتكَ أمامَ خلودِنا". اقترب الثلاثةُ منهُ ليطبقوا عليهِ الخناق، فكان الكونتُ يتقدمُ من الأمام، وإيفون من اليمين، ولونغ بن من اليسار. وفي اللحظةِ التي ظنوا فيها أنها النهاية، تحركَ ماركو بسرعةِ البرق.

استخدمَ ماركو قدمهُ لِركلِ مسدسهِ الفضائي الذي سقطَ عمداً، لِينزلقَ تحتَ أقدامِ الكابتن لونغ بن، وفي الوقتِ نفسه، قامَ بتفعيلِ "جهازِ الترددِ العالي" المدمجِ في معصمه. انبعثَ من الجهازِ صوتٌ حادٌّ جداً اهتزت لهُ أوراقُ الشجر، مما جعلَ آذانَ الكونت والكونتيسةِ الحساسةِ جداً تعاني من ألمٍ مفاجئ. صرخت إيفون وهي تمسكُ برأسها، وهنا أطلقَ قط الكذبُ العنانَ لقوته، فانقضَّ عليها ليس ليعضها، بل ليدفعها بكل ثقلهِ نحو الكابتن لونغ بن الذي كان يتعثرُ بالمسدسِ المنزلق.

اصطدمتِ الكونتيسةُ بالقرصان، وعلقت مخالبها الطويلةُ في معطفهِ الجلدي الثقيل، لِتخلقَ كتلةً مضطربةً من اللحمِ والورقِ والسيوف. وفي تلكَ الثانيةِ الفارقة، قفزَ ماركو نحو مسدسهِ والتقطه، لكنهُ لم يوجههُ نحوهم، بل وجههُ نحو "النواةِ الخضراء" في سفينتهِ الفضائية (جذع الشجرة). صرخ ماركو: "أيتها السفينة! بروتوكولُ التطهيرِ الخارجي.. تفريغُ الحمولةِ الطاقيةِ الآن!". استجابتِ السفينةُ لِصوتِ سيدها، فبدأتِ الخيوطُ الخضراءُ التي كانت تنسجُ الغابةَ تتوهجُ بضياءٍ أعمتِ الأبصار، وانفجرت موجةٌ من الطاقةِ الكهرومغناطيسيةِ الصافية.

كان الكونت نايت وينج يحاولُ التجسدَ خلف ماركو للفتكِ به، لكنَّ الموجةَ الطاقيةَ اصطدمت بكيانهِ الطيفي، فبدأ يتفككُ في الهواء كأنه دخانٌ في مهبِّ الريح. صرخ الكونت صرخةً يملؤها الذهول: "ما هذا السحرُ الأبيض؟ إنهُ يحرقُ حبري!". أما الكونتيسةُ والقرصان، فقد حوصرا داخلَ حقلِ الجاذبيةِ الذي خلقهُ الانفجارُ الطاقي، فبدأت أجسادهم تنجذبُ بقوةٍ نحو جذورِ السفينة. حاول لونغ بن غرسَ سيفهِ في الأرضِ لِيثبتَ نفسه، لكنَّ السيفَ نفسه بدأ يذوبُ ويتحولُ إلى سائلٍ أسود.

وقف ماركو وسطَ هذا الإعصارِ من الضوءِ الأخضر، والرياحُ تضربُ شعرهُ وملابسهُ الممزقة، ونظرَ إليهم ببرودٍ وهو يقول:

"أنتم لستم وحوشاً.. أنتم مجردُ بياناتٍ قديمةٍ في عالمٍ يحتاجُ للتحديث. لقد استخدمتُ كتلتكم الحيوية كـ 'مُوصل' لتفريغِ الطاقةِ الفائضةِ من محركاتي.. وداعاً أيها الأساطير". وبضغطةٍ أخيرةٍ على جهازه، زادت قوةُ الامتصاص، لِينسحبَ الحبرُ من أجسادِ الثلاثةِ دفعةً واحدة، لِيتحولوا في مشهدٍ طويلٍ ومروعٍ إلى سحبٍ من الدخانِ الحبري التي ابتعتها السفينةُ بالكامل، لِتعيدَ تدويرها كطاقةٍ خام.

سادَ سكونٌ مطبقٌ في المكان، وتلاشتِ الأنوارُ الخضراءُ لِتتركَ الغابةَ في صمتٍ مريب. سقط ماركو على ظهرهِ يلهث، وقد استنزفَ كلَّ ذرةِ تفكيرٍ وجهدٍ لديه، بينما تقدمَ قط الكذبُ منهُ وجلسَ بجانبه، كأنهُ يحرسُ ملكاً منتصراً. نظر ماركو إلى جذعِ الشجرةِ الذي بدأ يتشققُ ليظهرَ من خلفهِ المعدنُ الفضيُّ الصقيلُ لسفينته، وأدرك أنَّ الاستراتيجيةَ والعقلَ كانا السلاحَ الوحيدَ الذي يمكنهُ هزيمةُ عالمٍ مبرمجٍ على الخوف. وضع ماركو يدهُ على البابِ المعدني الذي فُتحَ بفحيحٍ ميكانيكي، ودخلَ إلى مأواه، تاركاً وراءهُ غابةً لم تعد تملكُ من وحوشِ الليلِ سوى الذكرى.

ما إن انزلق الباب المعدني لسفينة الفضاء وأُغلق خلف ماركو وقط الكذب بفحيح ميكانيكي حاد، حتى تبدلت الأجواء تماماً؛ فغابت رائحة العفن والرطوبة التي ميزت الغابة، وحلّت مكانها رائحة التكنولوجيا النظيفة والهواء المعقم. تهاوى ماركو بجسده المنهك على الأرضية المعدنية الباردة، وكان منظره مأساوياً؛ الدماء تغطي جانباً من وجهه، وبدلته الفضائية ممزقة في عدة مواضع، وكدمات زرقاء وأرجوانية بددت شحوب جلده. حاول ماركو الزحف نحو لوحة التحكم المركزية، كانت عيناه شبه مغمضتين، لكن إرادته كانت تدفعه دفعاً نحو المحرك. كان يهمس بكلمات غير مفهومة، محاولاً استشعار نبض المحرك الكهرومغناطيسي، أراد أن يقلع بهذه السفينة فوراً، أن يطير بها نحو الثانوية ليمزق جيوش الحبر التي تحاصر بليك ورفاقه. لكن الجسد كان قد وصل إلى منتهاه، ومع أول لمسة من أصابعه المرتجفة لشاشة التحكم،

خانته حواسه، وسقط رأسه ثقيلاً على المنصة قبل أن يغوص في ظلام دامس من فقدان الوعي، بينما وقف قط الكذب بجانبه، يراقب بصمت حزين نبضات قلبه المتسارعة، ويحرس جسده المحطم في قلب الصمت التقني للسفينة.

على الجانب الآخر من المدينة، كانت ثانوية شنغهاي قد تحولت إلى ساحة حرب حقيقية لا تهدأ. الردهات التي كانت يوماً تضج بضحكات الطلاب، أصبحت الآن ممرات للموت، غارقة في بقع الحبر الأسود وشظايا الزجاج المحطم. كان بليك يتحرك وسط هذا الجحيم كإعصار من الفضة، سيفه يلمع في العتمة مع كل ضربة، يقطع رؤوس المسوخ الورقية ويمزق أجساد الحبر التي لا تتوقف عن الانبثاق من العدم. كان ينهج بشدة، والعرق يتصبب على جبينه، لكن عينه كانت حادة كشفرة سيفه، تراقب كل زاوية مظلمة. وفجأة، تجمدت الجثث الورقية في مكانها، وانقسمت الحشود لتمهد الطريق لحضور أشد رعباً وهيبة.

من بين الدخان المتصاعد، ظهرت "كلاريسا"؛ الساحرة التي لطالما كانت رمزاً للشؤم في قصص فيرتشايلد. كانت ترتدي رداءً أسود طويلاً يبدو وكأنه منسوج من خيوط العنكبوت، ووجهها شاحب كالقمر، تتوسطه عينان تشعان بضوء بنفسجي غامض. كانت تمسك بعصا أبانوسية يتصاعد من قمتها بخار بارد، ونظرت إلى بليك بابتسامة صفراء لا تحمل ذرة من الرحمة. قالت كلاريسا بنبرة صوت تتقلب بين النعومة والحدة: "أيها الفتى الذي يتحدى الحبر بالحديد.. ألا تدرك أن السيف لا يمكنه قطع الكلمات التي كُتبت قبل أن تولد؟ أنا كلاريسا، حارسة الفصول المظلمة، وقد جئت لأضع نقطة النهاية في قصتك التافهة".

لم يهتز بليك، بل شد قبضته على مقبض سيفه حتى ابيضت مفاصله، ورد بصوت أجش يملؤه التحدي: "لقد سمعت الكثير من الخطابات المملة من أمثالكِ هذه الليلة يا كلاريسا.

أنتم مجرد شخصيات ورقية تظن نفسها آلهة لأن كاتباً مخبولاً منحها صوتاً. سيفي قد لا يقطع الكلمات، لكنه سيمزق الورق الذي يحملكِ حتى تتلاشي كدخان في مهب الريح". ضحكت الساحرة ضحكة هستيرية جعلت الجدران تهتز، ولوحت بعصاها في الهواء لترسم رموزاً سحرية متوهجة بدأت تتجسد كأغلال من الطاقة السوداء تحاول الالتفاف حول قدمي بليك.

اندفعت كلاريسا نحوه وهي تطلق وابلاً من القذائف السحرية، وكان بليك يراوغ ببراعة مذهلة، يثب فوق المقاعد المحطمة ويستخدم الجدران للدفع بنفسه نحوها. عندما اقترب منها، هوى بسيفه في ضربة عمودية كادت تشق رأسها، لكنها تلاشت في سحابة من الدخان البنفسجي لتظهر خلفه مباشرة، وتوجه له ركلة سحرية قذفت به نحو نهاية الرواق. مسح بليك خيطاً من الدم سال من فمه، ونهض ببطء وعيناه تشتعلان غضباً، بينما كانت كلاريسا تجهز تعويذتها التالية، معلنة بداية قتال استنزافي بين مهارة السيف المطلقة وسحر الشعوذة الأسود، وسط صرخات الوحوش التي كانت تراقب المشهد بانتظار لحظة انكسار البطل.

كانتِ الردهاتُ الطويلةُ في ثانويةِ شنغهاي تضيقُ على بليك كأنها بلعومُ وحشٍ عملاقٍ يحاولُ ابتلاعه، بينما كانتِ الساحرةُ كلاريسا تطفو وسطَ الضبابِ البنفسجي كأنها ملكةُ النسيان. السيفُ الفضيُّ في يدِ بليك أصبحَ ثقيلاً كأنهُ قطعةٌ من الرصاص، والمعدنُ الذي كان يلمعُ في بدايةِ الليلةِ صارَ ملطخاً بسوائلِ الوحوشِ وحبرِ الكلماتِ الميتة. اندفعَ بليك نحوها بخطواتٍ مجهدة، شاقاً طريقهُ عبرَ الهواءِ الكثيف، وهو يهوي بسيفهِ في سلسلةٍ من الضرباتِ المتقاطعة التي استهدفت عنقَ الساحرةِ وقلبَها، لكنَّ كلاريسا كانت تضحكُ بصوتٍ يشبهُ تمزيقَ الورقِ العتيق.

مع كلِّ ضربةٍ، كان نصلُ السيفِ يمرُّ عبرَ جسدِها كأنهُ يقطعُ سراباً، لتظهرَ الساحرةُ في الجهةِ المقابلة، تاركةً خلفَها رذاذاً من الحبرِ الذي كان يتشكلُ فوراً على هيئةِ خناجرَ صغيرةٍ تهاجمُ ظهرَ بليك.

توقف بليك، والدماءُ تسيلُ من جروحٍ سطحيةٍ غطت ذراعيه، ونظرَ إلى السيفِ بمرارة. أدرك في تلك اللحظةِ اليائسة أنَّ السيفَ، مهما بلغت مهارةُ حامله، يظلُّ أداةً ماديةً تحكمُها قوانينُ الفيزياء، بينما كلاريسا هي ابنةُ "اللا-قانون"، هي ثغرةٌ في جدارِ الواقعِ فتحها قلمُ فيرتشايلد. همس بليك لنفسه: "لقد انتهى وقتُ الحديد.. إذا كان هذا العالمُ مصنوعاً من سحرِ الكلمات، فسأحرقهُ بسحرِ العناصر". غرز بليك سيفهُ في الأرضيةِ الرخامية، ليكونَ وتداً لروحه، وبدأ في استدعاءِ القوى التي تعلمها في أصعبِ دروسِ حياته.

بدأ بليك بتركيزِ طاقتهِ، فاستدعى "سحرَ الماء". انفجرتِ الأرضيةُ عن نوافيرَ ضخمةٍ من المياهِ التي بدأت تلتفُّ حولَ كلاريسا كأفاعٍ مائيةٍ ضخمة، محاولةً عصرَ كينونتِها الورقيةِ وإذابةَ حبرها. كانتِ المياهُ تتدفقُ بقوةِ الشلالات، مغرقةً الممرَّ بالكامل، لكنَّ كلاريسا رفعت عصاها الأبانوسية، وبنبرةٍ هادئةٍ قالت: "الماءُ يبللُ الورقَ يا فتى، لكنهُ لا يمحو الحقيقة". وبحركةٍ دائرية، حولتِ المياهَ المنصبةَ عليها إلى دواماتٍ من الحبرِ الأسودِ الذي ارتدَّ نحو بليك ليحاولَ خنقه. لم يضطرب بليك، بل غيرَ ترددهِ السحري فوراً واستدعى "سحرَ الأرض". ارتجفت جدرانُ الثانوية، وانشقت الأرضيةُ عن أعمدةٍ صخريةٍ مدببةٍ كأنها أسنانُ تنينٍ جائع، اندفعت نحو الساحرةِ لتسحقها بين فكي الحجر. لكنَّ كلاريسا تلاشت كدخانٍ بنفسجي، وظهرت فوق الأعمدة، محولةً الصخورَ بلمسةٍ من عصاها إلى أكوامٍ من الرملِ الناعم الذي تذروه الرياح.

استشاط بليك غضباً وإحباطاً، فاستجمعَ طاقةً أكبر، محولاً الجوَّ من حولهِ إلى "سحرِ الجليد". انخفضت درجةُ الحرارةِ في الرواقِ إلى مستوياتٍ تحتَ الصفرِ في ثوانٍ معدودة، وتجمدَ الحبرُ المتطايرُ في الهواء، مشكلاً شظايا كريستاليةً حادة. وجه بليك كفهُ نحو الساحرة، لتندفعَ عاصفةٌ ثلجيةٌ محملةٌ بالرماحِ الجليدية، محاولةً تجميدَ قلبِ الساحرةِ وتثبيتها في الزمان. كانت كلاريسا تشعرُ بالبردِ لأولِ مرة، وبدت حركتها أبطأ، لكنها سرعان ما استعادت رباطةَ جأشِها، ونفخت نفخةً كربونيةً سوداءَ أذابتِ الجليدَ وأحالتِ العاصفةَ إلى بخارٍ كثيفٍ حجبَ الرؤية.

وصل بليك إلى حافةِ الانهيارِ الجسدي؛ فالسحرُ يستنزفُ الروحَ قبلَ الجسد، وعروقهُ بدأت تبرزُ بلونٍ داكنٍ تحتَ جلدهِ من فرطِ الضغط. سقط على ركبتيه، يلهثُ بصوتٍ مسموع، بينما كانت كلاريسا تقتربُ منه ببطءٍ وهي ترفعُ عصاها لِتوجهَ له ضربةَ النهاية، قائلةً: "لقد جربتَ كلَّ شيءٍ يا بليك.. الأرض، الماء، والجليد.. كلها عناصرُ تنتمي لهذا العالمِ الذي أملكه. أنتَ مجردُ حكايةٍ تنتهي بالصمت". في تلك اللحظةِ المظلمة، تذكر بليك شيئاً قاله له جدهُ ثيودور: "النارُ هي العنصرُ الوحيدُ الذي لا يبني، هي العنصرُ الذي يغيرُ جوهرَ الأشياءِ لِيحولَها إلى رماد".

رفع بليك رأسه، وكانت عيناهُ تشتعلانِ بوهجٍ لم يرهُ أحدٌ من قبل. استجمعَ كلَّ ما تبقى من طاقةِ حياته، وكلَّ ذرةِ غضبٍ وشوقٍ للحرية، وبدأ يهمسُ بتعويذةٍ قديمةٍ محرمة. فجأة، تحولَ الهواءُ حول بليك إلى جحيمٍ مستعر. اندلعتِ النيرانُ من مسامِ جلده، ولم تكن ناراً برتقاليةً عادية، بل كانت لهيباً أزرقَ صافياً يزمجرُ كحيوانٍ مفترس. صرخ بليك بكلِ ما أوتيَ من قوة: "فلتلتهمكِ نيرانُ الحقيقةِ التي لا يكتبها قلمُك!". واندفعَ نحو كلاريسا كأنهُ نيزكٌ ساقطٌ من السماء.

كان المشهدُ مهيباً وطويلاً؛ حيثُ اصطدمت نيرانُ بليك بدرعِ كلاريسا الحبري. بدأ الحبرُ يغلي ويتبخر، والورقُ الذي يشكلُ كينونتَها بدأ يحترقُ ويتجعدُ تحتَ وطأةِ الحرارةِ الهائلة. حاولت كلاريسا التراجع، لكنَّ النارَ كانت تلاحقها كأنها تمتلكُ وعياً خاصاً. بدأت الساحرةُ تصرخُ صرخاتٍ تمزقُ نياطَ القلوب، بينما كانت أطرافُها تتلاشى وتتحولُ إلى رمادٍ يتطايرُ في ردهاتِ المدرسة. استمر بليك في صبِّ النيرانِ دونَ انقطاع، حتى لم يتبقَّ من كلاريسا سوى هالةٍ باهتةٍ تلاشت تماماً، مخلفةً وراءَها صمتاً مطبقاً ورائحةَ احتراقٍ ملأت المكان.

سقط بليك على الأرضِ مغشياً عليهِ تقريباً، وجسدهُ يرتجفُ من شدةِ الإعقياءِ السحري؛ فقد وهبَ كلَّ طاقتهِ لتلك الضربةِ الأخيرة.

وبينما كان يحاولُ التقاطَ أنفاسهِ المتقطعة، انفتحَ بابُ المسرحِ الكبيرِ بعنف، وخرجَ منه فيرتشايلد. لم يكن الكاتبُ في حالتهِ الطبيعية؛ كان شعرهُ أشعث، وعيناهُ غائرتانِ يملؤهما الجنون، وكان يمسكُ بريشتهِ الملعونةِ وكأنها خنجر. صرخ فيرتشايلد بصوتٍ هزَّ جدرانَ الثانوية: "انظر يا بليك! انظر ماذا فعلتَ بقصتي! لقد أحرقتَ أجملَ فصولي، لكنكَ لم تدركِ الحقيقةَ بعد!".

اقترب فيرتشايلد من بليك الملقى على الأرض، ورفعَ الكتابَ الضخمَ أمامَ وجهه، والصفحاتُ تتقلبُ بسرعةٍ جنونيةٍ بفعلِ رياحٍ سحريةٍ غامضة. صرخ الكاتبُ بهستيريا: "لقد بقيت صفحةٌ واحدةٌ فقط يا بليك! صفحةٌ واحدةٌ بيضاءُ تنتظرُ كلماتي الأخيرة! كلُّ ما فعلته، كلُّ التضحيات، وكلُّ المعارك.. كلها سُحقَت في هذه الورقةِ الأخيرة. سأكتبُ النهايةَ الآن، وسأمحوكَ أنتَ وهانا وكلَّ هذا العالمِ الفاشلِ من الوجود!". كان صوتُ فيرتشايلد يترددُ كأنهُ رعدٌ قادمٌ من أعماقِ الجحيم، بينما كان بليك يحاولُ بِيأسٍ تحريكَ أصابعه، مدركاً أنَّ المصيرَ كلهُ معلقٌ بريشةٍ توشكُ أن تلمسَ الورق.

2025/12/22 · 16 مشاهدة · 3123 كلمة
TOD18
نادي الروايات - 2026