كان بليك ملقى على الأرضية الباردة لردهة المدرسة، جسده يئن من الإرهاق الذي يفوق الوصف، عضلاته ترتجف، وأنفاسه تخرج متقطعة كأنها آخر ما تبقى له من حياة. فوق رأسه، وقف فيرتشايلد،

الرجل السمين الذي يلهث من الجري، ينظر إليه بعينين دامعتين مختلطتين بالذنب واليأس."بقيت صفحة واحدة فقط، يا ولدي... صفحة واحدة، وينتهي كل هذا الكابوس."لم يكن في صوت فيرتشايلد أي انتصار، بل كان صوت رجل يقف على حافة الهاوية، يعرف أن ما سيفعله سيقتله من الداخل قبل أن يقتل أي شيء آخر.رفع بليك رأسه بصعوبة، عيناه محمرتان، وصراخه خرج خشناً مبحوحاً يحمل كل الغضب المكبوت:"إذن لماذا تقف هنا؟! لماذا لم تكتب الصفحة اللعينة وتنهي الأمر؟! ما الذي ينتظر؟!"ساد صمت ثقيل للحظة، ثم أجاب فيرتشايلد بصوت منخفض، مرتجف، كأنه يعترف بجريمة:"أردت... أردت أن أودع هانا قبل أن أفعل. إذا كتبت الصفحة الأخيرة، فإنها... ستختفي مع الوحوش. كلها. هانا... لن تبقى."في تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الردهة ببطء، ودخلت هانا. كانت تمشي بخطى مترددة، وجهها شاحب، عيناها واسعتان من الخوف والحيرة. توقفت عندما رأت والدها وبليك، ثم اقتربت ببطء."أبي... هل أكملت الكتاب؟"نظر فيرتشايلد إليها طويلاً، كأنه يحفظ ملامحها في ذاكرته للمرة الأخيرة، ثم أجاب بهمس مكسور:"بقيت صفحة واحدة فقط، يا ابنتي."اندفعت هانا نحوه فجأة، صوتها يرتجف من الغضب والألم:"إذن اكتبها! اكتبها الآن وأنهِ هذا الجنون! كل هذا الرعب... كل هذه الموتى... كل هذا الدم... بسببك أنت! اكتب الصفحة وأرحنا!"تراجع فيرتشايلد خطوة إلى الوراء، وجهه يشحب أكثر، لكنه أومأ برأسه ببطء. التفت نحو غرفة المسرح حيث آلة الكتابة، وبدأ يسير بخطى ثقيلة، كأن كل خطوة تقربه من حكم إعدامه الخاص.بليك حاول النهوض، لكن جسده خانَه، فبقي مُلقى يراقب فيرتشايلد يبتعد. هانا وقفت بجانبه، تنظر إلى ظهر والدها بعينين مليئتين بالدموع التي لم تسقط بعد.فجأة، توقف فيرتشايلد في منتصف الردهة. رفع يده اليمنى التي كان يحمل فيها الكتاب... ثم حدث ما لا يمكن تصوره.التوى معصمه فجأة، كأن قوة خفية تسحبه من الداخل. تلوى المفصل مرة... مرتين... ثلاث... أربع... خمس مرات، في حركة غير طبيعية تماماً، كأن العظام تنكسر وتُعاد تركيبها في اتجاه معاكس. صوت تكسر العظام ملأ الردهة، صوت رطب ومرعب، ثم صرخ فيرتشايلد صرخة حادة مزقت الصمت، صرخة ألم خالص لا تحمل كلمات.سقط الكتاب من يده، وسقط هو على ركبتيه، يمسك بيده المُشوهة التي أصبحت الآن ملتوية بشكل بشع، العظام بارزة تحت الجلد، الدم يسيل من المفاصل المفتوحة.انطفأ الضوء تحته فجأة، كأن ظلاماً محلياً ابتلع الأرض حوله، ثم عاد النور... والكتاب اختفى.ركضت هانا نحو والدها، تصرخ:"أبي! أبي ماذا حدث؟!"بليك حاول النهوض،

يتكئ على الحائط، عيناه واسعتان من الرعب.ثم سمعوا القهقهة.قهقهة سادية، طفولية، شريرة، تأتي من فوق رؤوسهم مباشرة.رفعوا أبصارهم.كان سلابي هناك، معلقاً في الهواء كأن خيوطاً غير مرئية تُمسكه، يحمل الكتاب في يده الصغيرة، عيناه الزجاجيتان تلمعان ببريق خبيث."يا لها من يد جميلة كانت... الآن أصبحت قبيحة جداً، أليس كذلك يا أبي العزيز؟"سخر سلابي من يد فيرتشايلد المكسورة، يحرك أصابعه كأنه يقلده، ثم التفت إلى بليك المنهك:"وأنت... يا بطلنا العظيم... انظر إليك الآن، ملقى على الأرض كدودة مكسورة. هل كنت تظن أنك ستنقذ العالم؟ هههههه... كنت مجرد لعبة في يدي!"رفع سلابي الكتاب عالياً، وأخرج من جيبه ولاعة صغيرة، يشعلها ويقرب اللهب من الغلاف."الآن... سأحرق هذا الكتاب اللعين، ولن تعود الوحوش أبداً... ولن يعود أي شيء أبداً!"فجأة، من الظلام خلف سلابي، ظهر بابادوك.كان يمسك مظلته بكلتا يديه، كلاعب بيسبول يستعد للضربة."اخرس."ضرب بابادوك سلابي بالمظلة بقوة هائلة، كأنه يضرب كرة بيسبول، فطار سلابي بعيداً، يصرخ وهو يدور في الهواء، والكتاب يطير من يده.أمسك بابادوك الكتاب في الهواء، ثم رمى به نحو هانا التي كانت تقف مذهولة."احفظيه!"لكن في تلك اللحظة، انطفأ الضوء تحت سلابي، وانتقل فجأة خلف بابادوك، يداه تمتدان للإمساك برقبته."اعتدت على هذه الألعاب، أيها الدمية."أمسك بابادوك سلابي من عنقه بيد واحدة، يرفعه عالياً.لكن الضوء انطفأ مرة أخرى تحت سلابي... وانتقل ثانية.هذه المرة، ظهر خلف بابادوك تماماً، ويداه الصغيرتان تخترقان صدره.عاد النور.لم يعد هناك جسد لبابادوك.فقط رأسه المقطوع، يتدحرج على الأرض، عيناه مفتوحتان، واللون الأسود الغامق يتحرك في قطعة الرقبة كأنه دم حي.سلابي وقف فوق الرأس، يقهقه بجنون

:"انظر إليك الآن... مجرد رأس! رأس بدون جسد! يا لها من نهاية مضحكة للبطل العظيم!"كان بابادوك لا يزال حياً، بالطبع، لأنه جن، لكن رأسه سقط على الأرض، ينظر إلى سلابي بعينين لا تزالان تحترقان بالغضب الصامت.

كان سلابي يقهقه بجنون، صوته يتردد في الردهة كأن عشرات الدمى الصغيرة تضحك معه، يطير عالياً تحت السقف، يدور في دوائر واسعة، جسده الصغير يهتز من النشوة، عيناه الزجاجيتان تلمعان ببريق أحمر خبيث يعكس كل الكراهية التي يحملها تجاه العالم الذي خلقه.فجأة، رفع بليك يده المرتجفة، رغم أن كل عضلة في جسده تصرخ من الألم والإرهاق، رغم أن أنفاسه تخرج متقطعة كأن صدره مليء بالرصاص. تجمعت في كفه بقايا المانا الضئيلة التي تبقت، وانبثق منها لهب عادي، أحمر برتقالي، ليس أزرقاً خارقاً، بل ناراً بشرية بسيطة، حارة وجائعة، تندفع نحو سلابي كسهم مشتعل.التف اللهب حول جسد الدمية الصغيرة في لحظة، يلتهم القماش والخشب والحشوة الداخلية. شعر سلابي بالحرارة أولاً كوخز خفيف، ثم كأن آلاف الإبر الحمراء تخترق جسده، ثم تحول الوخز إلى حريق يأكل من الداخل. صرخ صرخة حادة، صوتها يمزج بين ألم الطفل والشر المكبوت، صرخة تتردد في الردهة كأنها تصدر من مكبرات صوت مكسورة، يتخللها صوت تكسر الخشب والاحتراق الرطب للحشوة. حاول سلابي التملص، يداه الصغيرتان ترفرفان في الهواء كأنه يحاول إطفاء نفسه، لكن اللهب التصق به، يلعق وجهه الزجاجي حتى بدأ الطلاء يذوب، عيناه تتشققان من الحرارة، فمه المفتوح يصرخ بصوت يزداد ارتفاعاً مع كل لحظة.ثم انطفأ الضوء تحته فجأة، كأن الظلام ابتلعه، واختفى سلابي في الفراغ الذي يخلقه، تاركاً وراءه رائحة قماش محترق ودخاناً أسود كثيفاً يتصاعد ببطء.استطاع بليك الوقوف قليلاً، يتكئ على الحائط بكلتا يديه، ساقاه ترتجفان، عرق بارد يسيل على جبينه، أنفاسه ثقيلة كأن كل شهيق يأتي بجهد خارق. نظرت هانا إليه بعينين واسعتين، مليئتين بالقلق والذعر، ثم اقتربت منه بخطى متعثرة، صوتها مرتجف."يا بليك... هل تستطيع علاج أبي بسحرك؟ يده... يده مكسورة بشكل فظيع، العظام بارزة، والدم... الدم يسيل باستمرار."نظر بليك إلى فيرتشايلد الذي كان يتلوى على الأرض ببطء، يمسك بيده المشوهة التي أصبحت الآن كتلة من اللحم والعظام الملتوية، الجلد ممزق،

المفاصل مفتوحة، الدم يتساقط قطرة قطرة على الأرضية. هز بليك رأسه بصعوبة، صوته خشن ومنخفض من الإرهاق الذي يجعل كل كلمة تخرج بجهد."بالقوة... أستطيع استعمال بعض السحر البسيط... لكن للأسف، لا أستطيع علاج كسر بهذه الشدة. ماناي منضبة تماماً، وجسدي... لا يطاوعني حتى للوقوف."ثم التفت بليك نحو رأس بابادوك المقطوع، الذي كان يرقد على الأرض، عيناه مفتوحتان، واللون الأسود الغامق يتحرك ببطء في قطعة الرقبة كأنه دم حي يبحث عن طريق للعودة."إلى متى ستظل مجرد رأس هكذا؟"خرج صوت بابادوك من الرأس، خشناً ومبحوحاً، لكنه لا يزال يحمل تلك الهدوء الجني البارد الذي لا يتزعزع."لم أعد أستطيع المشاركة في القتال بعد الآن... أحتاج إلى وقت طويل جداً لأتعافى. الجسد الذي فقدته... لن يعود بسهولة، ربما أيام، ربما أسابيع."غضب بليك، عيناه تحترقان رغم الإرهاق، وصرخ بصوت مرتجف يحمل كل اليأس."ماذا نفعل إذن؟! كل شيء ينهار حولنا، والوحوش تعود، وسلابي يلعب بنا كأننا دمى في مسرحية سخيفة! أنت مجرد رأس، وأنا لا أقوى على الوقوف، وفيرتشايلد مكسور، ماذا نفعل؟!"تحرك فيرتشايلد قليلاً على الأرض، يتألم مع كل حركة صغيرة، يمسك بيده المكسورة التي أصبحت الآن تورمت وزرقت، الدم يتجمد ببطء حول المفاصل."نحتاج فقط إلى كتابة الصفحة الأخيرة... أنا لا أستطيع فعلها. اليد التي أكتب بها... لقد تحطمت تماماً، العظام مكسورة في خمسة أماكن، لا أستطيع حتى حمل القلم. هانا... أنت تستطيعين. اذهبي إلى غرفة المسرح، واكتبي على آلة الكتابة الصفحة الأخيرة."استغربت هانا، نظرت إلى والدها بعينين واسعتين، قلبها ينبض بسرعة، ذهنها يعصف بالأسئلة: كيف أكتب؟ أنا لا أعرف الكتابة بهذه الطريقة، لا أعرف محتوى الكتاب بالضبط، وما هي النهاية المناسبة؟ لكنها رأت في عيني والدها ثقة غريبة، ثقة نشأت من سنوات طويلة قضتها تقرأ كتبه سراً، تحفظ أسلوبه،

إيقاع جمله، طريقة بنائه للشخصيات والحبكات. هي الخيار الوحيد، رغم خوفها.وافقت هانا على مضض، أومأت برأسها ببطء، ثم جرت نحو غرفة المسرح، خطواتها تتسارع مع كل لحظة.لكن قبل أن تدخل، سمعت قهقهة خبيثة مألوفة، ثم انطلقت آلة الكتابة فجأة من مكانها داخل الغرفة، طارت بسرعة رهيبة بجانب وجهها مباشرة، لدرجة أنها شعرت بهواء الاصطدام يقطع خصلة من شعرها، وكادت الحافة الحادة للآلة تقطع أذنها، مرورها بجانبها أحدث صوت صفير حاد وجعلها تتراجع خطوة إلى الوراء، قلبها يخفق بقوة من الصدمة، عيناها واسعتان، يدها ترتجف وهي تمسك أذنها خوفاً من أن تكون قد جرحت.اصطدمت الآلة بالحائط المقابل بقوة هائلة، تحطمت تماماً، قطعها تناثرت على الأرض كشظايا معدنية ومفاتيح مكسورة، لم تعد قابلة للإصلاح أبداً.خرج سلابي من الظلام داخل الغرفة، غاضباً، جسده لا يزال يدخن من حريق بليك السابق، عيناه تحترقان بالكراهية، وجهه الزجاجي متشقق قليلاً.بدأ يقهقه مرة أخرى، صوته يملأ الردهة والغرفة، ثم قال بصوت سادي:"لا مجال لفوزكم الآن! الكتاب معي، والآلة محطمة، والوحوش تعود!"وفجأة، بدأت جميع الوحوش التي هزموها تعود إلى الحياة مرة أخرى. كل الوحوش التي تعبوا في هزيمتها عادت في ثانية، أصواتها تملأ المدرسة من جديد، خطواتها تهز الأرض، صراخها يتردد في الردهات.وحتى في الغابة، بينما كان ماركو فاقداً للوعي داخل المركبة الفضائية، عادت الوحوش التي كان يقاتلها إلى الحياة، وبدأت تهاجم المركبة محاولة الدخول، تضرب جدرانها بقوة متزايدة، أصوات ارتطامها تملأ الداخل، بينما يحاول قط الكذب إيقاظ ماركو بمخالبه الحادة وصوته المُلح، يخدش وجهه بلطف ثم بقوة، لكن لا فائدة، ماركو غارق في غيبوبة الإرهاق.تعود إلى بليك، حيث كان سلابي يتحدث ويضحك، فجأة، بغباء مفاجئ نابع من اليأس، رمى بليك رأس بابادوك الحي على سلابي، مما جعل رأس سلابي ينتزع من مكانه،

يطير بعيداً، رغم أنه ما زال حياً، يصرخ ويسب بصوت عالٍ وهو يدور في الهواء.أتى بليك إلى هانا بصعوبة، يتكئ عليها بكل ثقله، وطلب منها بصوت ضعيف:"أعطيني الكتاب."أخرج بليك "شمس المعارف"، كان سوف يستعمل تعويذة لم يستعملها من قبل.التعويذة تدعى "عدم المساس".قواها تكمن في أن أي شيء يضع عليه مستعملها هذه التعويذة يصبح غير قابل للتدمير، لكن من سلبياتها أن كلما استعملها أطول، جسد بليك يضعف أكثر، كأن التعويذة تسحب من قوته الحيوية مباشرة.وعلى الرغم من تعب بليك حالياً، إلا أنه بالقوة، بجهد يجعل عروقه تنتفخ وأسنانه تشتد، استعمل التعويذة على كتاب فيرتشايلد لكي يضمن عدم تدميره من سلابي، ثم سقط بليك على الأرض من شدة التعب، جسده يرتجف، لا يستطيع التحرك من قلة المانا التي عنده وإنهاكه الكامل، عيناه نصف مغمضتين، أنفاسه ضعيفة.صرخت هانا، صرخة مليئة بالرعب واليأس، بينما ترى الوحوش يكادون يصلون إليهم، أصواتهم تملأ الردهة، وسلابي يرجع رأسه ببطء، يقهقه وهو يعيد تركيبه.أبوها مكسور وضعيف، ملقى على الأرض يتألم.بليك منهك تماماً، غير قادر على الحركة.بابادوك مقطوع الرأس، مجرد رأس يرقد على الأرض.ماذا يمكنها أن تفعل؟ولا يمكنها حتى كتابة الصفحة الأخيرة بعد تدمير آلة الكتابة.وفجأة، خففت هانا التفكير، كأن شيئاً داخلها استيقظ، تذكرت ماضيها، كيف كانت تريد أن يراها أبوها بفخر حقيقي، لا فخر الصانع بصنعته، بل فخر الأب بابنته.عندها، بطريقة غريبة، هدأت تماماً، قلبها ينبض بهدوء مفاجئ، عيناها تضيقان بتصميم

.بدأت بالصراخ على الطلاب، صراخ وصل جميع أجزاء المدرسة بطريقة غير طبيعية، قوي وواضح، كأن صوتها يتضخم من تلقاء نفسه:"من خائف فليدخل قاعة المسرح! لكن من يريد أن يقاتل لأجل حياته، أن ينجو، فليقاتل هذه الوحوش! إذا لم توقفوا هذه الوحوش، لن يكون هناك طريقة لإنقاذ هذه المدينة! ضحوا بأجسادكم، وأعدكم أنكم لن تندموا!"بدأ الطلاب خائفين، بل مذعورين، وجوههم شاحبة، أجسادهم ترتجف، لكن هانا تصرخ عليهم مرة أخرى، صوتها يحمل قوة غريبة تجبرهم على الاستماع.وبالفعل، نصف من الطلاب بدأ بمهاجمة الوحوش بشجاعة مفاجئة، يمسكون بالكراسي والعصي والأدوات، يندفعون نحو المدخل، بينما الجزء الثاني دخلوا قاعة المسرح، وأدخلوا فيرتشايلد العاجز معهم، يحملونه بلطف.عندها، نظرت هانا إلى بليك، وبدأت تحمله على ظهرها، تمسك بساقيه بقوة غير متوقعة.كان بليك يستطيع التحدث بصعوبة، وقال:"ما هي خطتك؟"فقالت له بهدوء، رغم الجري:"أنت خفيف حقاً."قال بليك في ذهنه أنه على الأغلب بسبب قدرتها الخارقة، التي تجعلها أقوى مما تبدو، تستطيع حمله بسهولة رغم الإرهاق.بدأت هانا تجري في أروقة المدرسة، متجهة إلى الباب الخلفي، وهي تحمل بليك على ظهرها، بينما مجموعة من الوحوش تطاردها، أصواتها تقترب، لكن سلابي كان بين خيارين: أن يتبع هانا وبليك، أو ينتقم من أبيه فيرتشايلد في غرفة المسرح.لكن سلابي عماه للانتقام، وذهب إلى غرفة المسرح.

وصلت هانا إلى الباب الخلفي للمدرسة، تحمل بليك على ظهرها بثبات يفوق ما يتوقعه جسدها النحيل، خطواتها سريعة ومدروسة رغم الإرهاق الذي يعتريها، أنفاسها تخرج منتظمة كأنها تتحكم في كل عضلة بإرادة حديدية. دفع الباب بكتفها، فانفتح بصوت معدني مزعج، وخرجا إلى موقف الباصات المدرسي.كان المكان مدمراً تماماً، الأرض مليئة بالحفر والشظايا، باصات محترقة أو مقلوبة، آثار مخالب وأنياب الوحوش التي مرت من هنا سابقاً لا تزال واضحة في الخرسانة المتصدعة والمعادن الملتوية. لم يبقَ سوى باص واحد سليم، أصفر اللون، واقفاً في الزاوية كأنه نجا بأعجوبة، زجاجه سليم، إطاراته لم تتمزق.نظرت هانا إليه للحظة، ثم أسرعت نحوه، فتحت الباب الجانبي بيد واحدة بينما تحمل بليك بالأخرى، ودخلت به إلى الداخل. أجلسته على المقعد الأمامي بجانب السائق، ثم جلست هي خلف المقود.كان بليك يلهث، يمسك بصدره، عيناه نصف مغمضتين، لكنه استطاع أن يسأل بصوت ضعيف:"هل... هل تعرفين القيادة؟"نظرت هانا إليه للحظة، عيناها تضيقان بتركيز، ثم أجابت بهدوء يخفي عزماً حديدياً:"أفضل مما تتخيل."بشكل غريب، لم تبحث عن مفتاح، بل مددت يدها تحت لوحة العدادات، أصابعها تتحرك بثقة كأنها فعلت هذا آلاف المرات، ربطت سلكين معاً بسرعة، فانطلق المحرك بصوت هدير خشن،

اهتز الباص قليلاً، ثم استقر.انطلقت هانا بالباص، تتجنب الحفر والحطام بمهارة، عجلاته تدهس بعض الشظايا بصوت معدني مزعج، متجهة نحو المدخل الرئيسي للمدرسة.من ناحية أخرى، في غرفة المسرح، كانت المعركة الملحمية دائرة بين سلابي وبابادوك.كان سلابي يقفز من ظل إلى ظل، ينتقل بسرعة غير مرئية، يحاول الإمساك بفيرتشايلد العاجز الذي كان يتكئ على الحائط، يمسك بيده المكسورة، وجهه شاحب من الألم والدم الذي يسيل ببطء.أما بابادوك، فرأسه المقطوع كان يرقد على الأرض، لكن الظلام الأسود الغامق كان يتحرك من قطعة الرقبة، يشكل أذرعاً وأرجلاً مؤقتة من الظل، يتحرك كعنكبوت عملاق، يصد هجمات سلابي بمخالب ظلية حادة.كان سلابي يقهقه باستمرار، صوته يتردد في الغرفة الفارغة:"سأمحي النوع الوحشي كله! أنتم مجرد أخطاء في صفحاتي! أنا الآن الكاتب الحقيقي، وسأكتب نهايتكم بدماء سوداء!"رد بابادوك بصوت خشن يخرج من الرأس، رغم أنه على الأرض:"أنت مجرد دمية مكسورة، سلابي. خلقك فيرتشايلد ليكون شخصية ثانوية، وها أنت تحاول التمرد. لكن التمرد بدون قوة حقيقية لا يدوم."قهق سلابي مرة أخرى، ينتقل خلف بابادوك فجأة، يحاول خنقه بيديه الصغيرتين:"قوة حقيقية؟ أنا أتحكم في الظلام نفسه! أنا أنتقل حيث أشاء، وأنتم عالقون في هذا العالم الذي صنعته أنا الآن!"صد بابادوك الهجوم بذراع ظلية، يدفع سلابي بعيداً:"الظلام الذي تتحكم فيه مجرد خدعة بسيطة. أنا ولدت في الظلام الحقيقي، سلابي. أنا جزء منه. أنت تلعب بلعبة طفل، وأنا عشتها عمراً."انتقل سلابي مرة أخرى، يظهر فوق رأس بابادوك، يحاول سحقه:"عشتها؟ أنت مجرد جن فاشل فقد جسده! انظر إليك،

رأس مقطوع يتكلم! سأسحقك وأحرق فيرتشايلد، ثم أمحو كل الوحوش، وأبقى أنا الوحيد!"رد بابادوك بهدوء مميت:"تمحو الوحوش؟ أنت واحد منها، سلابي. خلقك فيرتشايلد لتكون الشر الخالص، لكن الشر بدون هدف يأكل نفسه. أنت تدمر كل شيء لأنك تخاف من النهاية."غضب سلابي، صوته يرتفع:"أخاف؟ أنا لا أخاف! أنا أكره! أكره فيرتشايلد الذي خلقني ثم تخلى عني! أكرهكم جميعاً لأنكم تحاولون إنهائي! سأبدأ بفيرتشايلد، سأقطع رقبته كما قطعت رقبتك!"اندفع سلابي نحو فيرتشايلد العاجز، يداه تمتدان للإمساك برقبته.فجأة، انفجر الحائط الجانبي للغرفة بقوة هائلة، دخل الباص المدرسي الأصفر من خلاله، يدهس كل شيء في طريقه، يصطدم بسلابي مباشرة، يرميه بعيداً كأنه دمية مكسورة، يتحطم في الحائط المقابل.خرجت هانا من الباب الأمامي للباص، تنظر حولها بسرعة، ثم صاحت:"أبي! بابادوك! ادخلا الحافلة الآن!"كان بليك داخل الباص، جالساً على المقعد، مصدوماً تماماً مما فعلته هانا، عيناه واسعتان، فمه مفتوح قليلاً.دخل فيرتشايلد متعثراً، يتكئ على الحائط، ثم دخل رأس بابادوك مدعوماً بأذرع ظلية، يتدحرج داخل الباص.انطلقت هانا بالباص خارج المدرسة، لكن سلابي لم يستسلم.

كانت هانا تضغط على دواسة الوقود بقوة، يداها تمسكان المقود بإحكام يجعل مفاصل أصابعها تبيض، عيناها مثبتتان على الطريق المتصدع أمامها، الباص يهتز بعنف مع كل حفرة أو حطام يدهسه. خلفهما، في مرآة الرؤية الخلفية، كان عدد هائل من الوحوش يلاحق الحافلة، سرعوف عملاق يتقدم الصفوف بجناحيه الممزقين، مخلوقات أخرى تتدافع وتزأر، أصواتها تملأ الهواء كعواصف غاضبة، أقدامها تهز الأرض حتى يشعر الركاب داخل الباص بالاهتزاز في عظامهم.فجأة، ضرب السرعوف العملاق الحافلة بمخلبه الضخم من الجانب، صوت الاصطدام معدني مدوٍّ، اهتز الباص بعنف شديد، انحرف قليلاً، لكنه لم ينقلب، بفضل رد فعل هانا السريع الذي أعادته إلى المسار. شعرت هانا بألم في كتفها من الاهتزاز، لكنها لم تترك المقود.ثم، في لحظة يأس مفاجئة، صرخت هانا بأعلى صوتها، صرخة لم تكن موجهة لأحد بعينه، بل لكل الوحوش خلفها:"توقفوا!"كانت الصرخة غاضبة، حادة، مليئة بإرادة لا تُفسر، خرجت من أعماقها كأنها أمر مطلق. وبالفعل، توقفت الوحوش في مكانها فجأة، كأن قوة غير مرئية أمسكت بها، السرعوف العملاق تجمد في منتصف الخطوة، المخلوقات الأخرى توقفت عن الزئير، وقفت ساكنة، عيونها مليئة بالحيرة والغضب المكبوت.استغربت هانا نفسها، نظرت في المرآة الخلفية، قلبها ينبض بسرعة، ثم التفتت إلى بليك الذي كان يجلس بجانبها، يمسك بذراع المقعد ليثبت نفسه."كيف... كيف فعلت ذلك؟"لم يجب بليك فوراً، عيناه واسعتان من الدهشة، ثم قال بصوت ضعيف:"لا أعرف... لكن الوحوش توقفت."أكملت هانا القيادة، الباص يتقدم ببطء أولاً ثم بسرعة، تاركاً الوحوش خلفه ساكنة كتماثيل، حتى اختفت في الأفق.التفتت هانا إلى بليك مرة أخرى، صوتها مرتجف قليلاً:"عندما اندفعت آلة الكتابة نحوي في المدرسة... كادت تقطع أذني، شعرت بهواء الاصطدام،

وقطعت جزءاً من شعري... لكن الآن، يبدو شعري طبيعياً تماماً، كأن شيئاً لم يحدث."حاول فيرتشايلد، الذي كان جالساً في الخلف متكئاً، يمسك بيده المكسورة، أن يلفت انتباهها بشيء آخر، صوته ضعيف من الألم:"هانا... ركزي في الطريق، سنصل قريباً."وصلوا أخيراً إلى المكان الموعود، في وسط حديقة مهجورة كانت في الماضي مكاناً للترفيه، الآن أصبحت أرضاً قاحلة مليئة بالأعشاب الطويلة والصدأ، وفي وسطها مدينة ألعاب صغيرة مهجورة من زمن بعيد، عجلات دولاب عملاقة صدئة، ألعاب دوارة متوقفة، أنفاق مظلمة، كل شيء يحمل طابع الزمن الذي توقف.قالت هانا بهدوء، وهي توقف الباص:"هذا المكان... كنت آتي إليه لتصفية ذهني، عندما كنت أشعر بالضيق أو الوحدة."خرجوا جميعاً من الباص، الذي كان شبه مدمر من ضربة السرعوف، جانبه مُحدَّب، زجاجه مكسور، لكنهم لم يعودوا بحاجة إليه الآن.تساءلت هانا، تنظر إلى الجميع بعينين مليئتين بالحيرة:"كيف يمكن أن نكتب الصفحة الأخيرة الآن؟ الآلة محطمة."مد فيرتشايلد يده السليمة بصعوبة، يخرج قلماً عادياً من جيبه، وناوله إياها."اكتبي... أنت تستطيعين ذلك."استغربت هانا، أمسكت القلم، نظرت إليه ثم إلى والدها."هل أنت متأكد أن هذا سينفع؟ ظننت أن الطريقة الوحيدة هي باستعمال آلة الكتابة."أجاب فيرتشايلد بصوت هادئ، رغم الألم:"سينفع... لأنك أنت من تكتبينه."ذهبت هانا، وصعدت مع بليك – الذي أصر على مرافقتها لحراستها رغم إرهاقه – إلى إحدى عربات عجلة الدولاب العملاقة المهجورة، جلست فيها، والكتاب أمامها على ركبتيها، القلم في يدها.بدأ بليك يتكلم معها، صوته منخفض، يحاول أن يفهمها الواقع القاسي:"هانا... إذا كتبتِ الصفحة الأخيرة، فهذا يعني أنكِ... ستختفين مع الوحوش. كل شيء من خيال والدكِ سيعود إلى الورق، وأنتِ... أنتِ جزء من ذلك الخيال."نظرت هانا إليه طويلاً، عيناها مليئتان بالحزن المكبوت،

ثم قالت:"أعرف... أعرف ذلك الآن. لكن إذا لم أكتبها، فكل هذا الرعب سيستمر، الناس سيموتون، المدينة ستدمر. أنا... أنا لست حقيقية بالمعنى الذي تظنه، بليك. أنا مجرد شخصية في كتاب، لكنني شعرت، عشت، أحببت، خفت... كل ذلك كان حقيقياً بالنسبة لي."حاول بليك الاعتراض، صوته مرتجف:"لكن... هذا غير عادل. أنتِ هنا، تتنفسين، تفكرين، تشعرين. كيف يمكن أن تكوني مجرد خيال؟ إذا كنتِ تستطيعين الشعور بالألم والفرح، فأنتِ حقيقية. لا يمكننا التضحية بكِ هكذا."ابتسمت هانا ابتسامة حزينة، دموعها تترقرق في عينيها لكنها لم تسقط."الحقيقة ليست دائماً عادلة، بليك. أبي خلقني ليكون لديه ابنة، ليملأ وحدته، لكنني أصبحت أكثر من ذلك. أصبحت أريد الحياة، أريد أن أعيش، لكن إذا كانت حياتي تعني موت الآخرين، فماذا أفعل؟ أنا أعرف أنني لست مثلكم، جسدي يتلاشى تحت ضوء القمر، أشعر بذلك أحياناً، كأنني شفافة. لكنني أردت أن أكون حقيقية، أردت أن يراني أبي كإنسانة، لا كشخصية."أمسك بليك بيدها بلطف، رغم ضعفه."أنتِ حقيقية بالنسبة لي، هانا. كل ما فعلتِه، كل شجاعتك، كل تضحيتك... هذا ليس خيالاً. إذا كتبتِ النهاية، فستختفين، وهذا... هذا لا يمكن أن يكون الحل."نظرت هانا إلى الكتاب، ثم إلى القلم، يدها ترتجف قليلاً."ربما هناك طريقة أخرى... ربما النهاية لا تعني اختفائي. لكن إذا لم أكتب، فسلابي سيفوز، والوحوش ستستمر. أنا خائفة، بليك. خائفة من الاختفاء، خائفة من أن أكون مجرد حلم ينتهي."صمت بليك للحظة، ثم قال:"إذا كان عليكِ الكتابة، فاكتبي نهاية تجعلكِ تبقين. اكتبي ما تشعرين به، لا ما يمليه الكتاب."نظرت هانا إليه، عيناها تلمعان بالدموع أخيراً، ثم أمسكت القلم، ووضعته على الصفحة الفارغة.

فجأة، أثناء كتابة هانا الصفحة الأخيرة، شعرت بالأرض تهتز تحتها، اهتزاز خفيف أولاً ثم متزايد، كأن شيئاً هائلاً يقترب من تحت السطح، يجعل عجلة الدولاب ترتجف في مكانها، المعدن الصدئ يئن بصوت مزعج، والريح تبدأ في الهبوب بقوة غير طبيعية.رفعت هانا رأسها، يدها ترتجف على القلم، والكلمات التي بدأت تكتبها تتوقف. نظر بليك حوله، عيناه تضيقان، ثم سمعا الضحكات.ضحكات سلابي السادية، تتردد من بعيد في السماء، كأنها تأتي من كل الاتجاهات في آن واحد."هذه هي بطاقتي السرية!"ظهر سلابي في السماء، يطير عالياً، جسده الصغير يدور في دوائر، يشير بيده نحو الأفق."لقد ابتلعت المدرسة... ابتلعت المدينة بأكملها! كل حلفائكم سيموتون على يده!"ثم ظهر الوحش.وحش البلوب، كتلة عملاقة عديمة الشكل تماماً، مادة لزجة وردية بنفسجية غير متبلورة، تمتد كبحر حي يتحرك ببطء لكنه لا يقاوم، يبتلع كل شيء في طريقه. ابتلع أشجاراً بأكملها، يلتف حولها ويسحبها إلى داخله بصوت رطب مقزز، ابتلع الأرض نفسها، يترك حفراً عميقة خلفه، ابتلع حيوانات برية كانت تهرب، تسمع صرخاتها مختنقة وهي تختفي داخل الكتلة، حتى وحوش فيرتشايلد الأخرى ابتلعها، تلك التي كانت لا تزال حية، تذوب داخل المادة اللزجة دون مقاومة.وصل البلوب إلى مكان فيرتشايلد ورأس بابادوك، الكتلة ترتفع كموجة هائلة، تغطي السماء فوقهما.نظر فيرتشايلد إلى السماء، حيث عجلة الدولاب، عيناه مليئتان بالدموع والألم، ثم قال كلمة واحدة فقط، صوته هادئ رغم كل شيء:"انجحي... يا ابنتي."ثم ابتلعتهما الكتلة، فيرتشايلد ورأس بابادوك، اختفيا داخل المادة الوردية البنفسجية، صوت ابتلاع رطب يملأ الهواء.

وصل البلوب إلى عجلة الدولاب، الكتلة ترتفع كجدار حي، تحيط بالعجلة من كل جانب، لكن بسبب شكلها الدائري المعدني الشاهق، لم يستطع ابتلاعها مباشرة، بدأت المادة اللزجة تتسلق الأعمدة، تسحب ببطء، لكن العجلة بدأت تهتز بعنف، ثم انفصلت عن قاعدتها الصدئة بصوت معدني مدوٍّ، وبدأت تتدحرج مثل عجلة حقيقية على المنحدر الذي كان يؤدي إلى أسفل الحديقة، تدور بسرعة متزايدة، المعدن يصرخ مع كل دوران، العربة التي فيها هانا وبليك تهتز بعنف، يمسكان بما يستطيعان، الريح تضرب وجهيهما، الأرض تندفع تحتهما بسرعة مخيفة، العجلة تتدحرج على المنحدر الحاد، تقفز فوق الحفر، تصطدم بالأرض بقوة تجعل العظام ترتجف، تستمر في الدوران والتقدم، تبتعد عن الكتلة اللزجة التي تحاول اللحاق بها لكنها بطيئة نسبياً.قال بليك، يمسك بإحكام، صوته يرتجف من الاهتزاز:"لدينا الوقت... اكتبي!"لكن فات الأوان، وصل البلوب، الكتلة ترتفع أمامهما كجدار، تحجب السماء.لكن بليك قام بحركة غير متوقعة.أخرج كتاب "شمس المعارف" بيده المرتجفة، كان سوف يستعمل تعويذة جديدة، تعويذة كان دائماً متردداً في استعمالها.اسم التعويذة MCC، وهي تعويذة تقوم بصنع كيان من الفراغ وجعل مستعملها يستنشق مانا أكثر حتى لو فقد الكثير من المانا، إنها مثل شحن البطاريات السريع جداً لكن المكلف جداً، استعمال MCC قد يعرضك للتسمم الشديد من المانا، لذا يجب استعمالها مرة كل شهر على الأقل.فعلها بليك، رغم الخطر، رغم الإرهاق، ركز آخر ما تبقى له من تركيز، نطق الكلمات بصوت منخفض، وخرجت كرة سوداء أشبه بالكريستالات، تطفو أمامه، تطلق مانا هائلة، نقية وباردة، تدخل جسده كتيار كهربائي، ينتعش بليك فجأة، عيناه تتسعان، عضلاته تستعيد قوتها، المانا تملأه كأنها دم جديد، يشعر بالقوة تعود إليه رويداً رويداً، رغم أن الثمن سيأتي لاحقاً.

من ناحية أخرى، في أعماق الغابة المهجورة، داخل المركبة الفضائية التي كانت تشبه جذع شجرة عملاقة مغطى بطبقة معدنية غريبة، استيقظ ماركو أخيراً بعد غيبوبة طويلة ناتجة عن الإرهاق الشديد.فتح عينيه ببطء، رأسه يؤلمه كأن مطرقة تضربه من الداخل، جسده ثقيل كالرصاص، عضلاته مشدودة من الجهد السابق. سمع أولاً الأصوات: ضربات عنيفة على الجدران الخارجية، صوت معدن ينحني، صراخ مخلوقات، خطوات ثقيلة تهز الأرض حوله.جلس ماركو بصعوبة، يمسك رأسه، ينظر حوله في الظلام الخافت الذي يضيئه ضوء لوحة التحكم الخضراء الخافتة. ثم رأى من خلال النافذة الصغيرة: الوحوش التي هزمها سابقاً عادت إلى الحياة، تهاجم المركبة بجنون،

تضرب جدرانها بمخالبها وأنيابها، تحاول الدخول، أجسادها الملتوية تتكدس حول الجذع، أصواتها تملأ الغابة كجوقة من الجحيم.قفز ماركو من مكانه، يمسك بذراع الكرسي ليثبت نفسه، عيناه تضيقان بغضب."لعنة... عادت كلها."نظر إلى قط الكذب الذي كان يجلس بجانبه، ينظر إليه بعينين واسعتين، ثم إلى لوحة التحكم."يجب أن أنقذ بليك والآخرين... تركتهم وحدهم طويلاً جداً."جلس أمام اللوحة، أصابعه تتحرك بسرعة على الأزرار والشاشات اللمسية، يفعل أنظمة الطاقة، صوت هدير خفيف يملأ المركبة، الجدران تهتز قليلاً وهي تستعد.ثم بدأ بإطلاق أشعة الليزر الفضائية، شعاع أزرق نقي ينبثق من فتحات المركبة، يضرب بواحدة دمر كل شيء في مداره، يحرق الوحوش، يشق الأشجار، يترك أرضاً محترقة خلفه، الدخان يتصاعد، الوحوش تتحول إلى رماد في لحظات.فجأة، اهتزت الأرض بعنف أكبر، كأن شيئاً هائلاً يقترب، يبتلع كل شيء.نظر ماركو من النافذة، عيناه تتسعان: البلوب، الكتلة الوردية البنفسجية اللزجة، يتقدم نحو المركبة، يبتلع الأرض والأشجار والحطام.فعل ماركو الطيران بسرعة، المركبة ترتفع فجأة، تتفادى الكتلة بصعوبة، تطير فوقها، يرى ماركو من الأعلى كيف ابتلع الوحش كل شيء حرفياً في البلدة، المباني، الطرق، الحدائق، كل شيء اختفى داخل الكتلة اللزجة.ظن ماركو أن بليك داخلها، قلبه ينبض بسرعة، غضبه يشتعل."بليك... الآخرون... إذا كانوا داخل هذا الشيء..."بدأ بإطلاق الليزر على الوحش، أشعة زرقاء قوية تنبثق من المركبة، تضرب الكتلة، تحرق أجزاء منها، لكنها تتجدد ببطء، المادة اللزجة تتحرك وتغلق الثقوب.

فجأة، توقفت عجلة الدولاب عن الدوران، بعد أن وصلت إلى قاع المنحدر، اهتزت بعنف أخير ثم استقرت على جانبها، المعدن الصدئ يئن تحت الضغط، العربة التي فيها بليك وهانا مائلة بزاوية حادة، الريح تهب من الفتحات المكسورة، تحمل رائحة التراب المحترق والمادة اللزجة التي تقترب.كان البلوب قد وصل، الكتلة الوردية البنفسجية ترتفع كجدار حي، تمتد نحو العجلة ببطء لا يقاوم، تسحب الأرض والحطام في طريقها، صوت الابتلاع رطب ومستمر، كأن العالم نفسه يُمتص إلى الداخل.نظر بليك إلى هانا، عيناه مليئتان بالعزم رغم الإرهاق الذي لا يزال يعصف بجسده، ثم أمسك بكتاب "شمس المعارف" بيد مرتجفة، يفتحه على صفحة محددة، ينطق الكلمات بصوت منخفض لكنه حازم.تجمعت المانا حوله،

ثم انبثق لهب عادي أولاً، أحمر برتقالي، لكنه سرعان ما تضخم، يتحول إلى نار قوية جداً، نار حمراء نقية تحمل في طياتها حرارة الشمس نفسها، تندفع من كفيه كتيار هائل، يضرب البلوب مباشرة.احترقت الكتلة اللزجة، اللهب يلتهم المادة الوردية البنفسجية، يحولها إلى دخان أسود كثيف يتصاعد بسرعة، صوت الاحتراق رطب ومؤلم، كأن لحماً حياً يحترق، الكتلة تتراجع قليلاً، تذوب أجزاء منها، تتقلص، لكنها ما زالت تتمدد، تتجدد من الداخل، تمد أذرعاً لزجة جديدة تحاول الالتفاف حول العجلة.لم يتوقف بليك، يستمر في إطلاق النار، عرق يسيل على جبينه، أسنانه مشدودة، عيناه تحترقان بتركيز مطلق، اللهب يزداد قوة، يحرق المزيد من الكتلة، يترك حفراً عميقة فيها، دخاناً كثيفاً يغطي السماء، لكن البلوب يستمر في التمدد، بطيء لكنه لا يُقهر تماماً.ثم، في لحظة يأس، غير بليك التعويذة، ينتقل إلى سحر الأرض، يرفع يديه، ينطق كلمات أخرى، الأرض حوله تهتز، صخور تتجمع من التراب والحطام، تشكل درعاً صلباً، درعاً من الحجر والمعدن الملتوي،

يغطي نفسه وهانا بالكامل، يحيط بالعربة كقبة واقية، سميكة وصلبة، يصد الأذرع اللزجة التي تحاول الاختراق، صوت الاصطدام يتردد كضربات مطرقة على حديد.داخل الدرع، كانت هانا قد أكملت الكلمات الأخيرة، يدها ترتجف على القلم، دموعها تسقط على الصفحة، لكنها كتبت، كتبت النهاية التي شعرت بها، لا النهاية المفروضة.فجأة، عمل الكتاب.بدأت كل المخلوقات تعود إلى الكتاب، قسرًا، كأن قوة خفية تسحبها، السرعوف العملاق يتراجع، جناحاه ينكمشان، جسده يذوب إلى حبر أسود يتدفق نحو الكتاب، الوحوش الأخرى، الفزاعات، المهرجون، كلها تنجذب، تذوب، تتحول إلى حبر يتدفق في الهواء كأنه نهر عكسي، يعود إلى الصفحات.البلوب بدأ ينسحب قسرًا، الكتلة تتراجع، تتقلص، تسحب إلى الكتاب رغم محاولتها المقاومة، صوتها رطب ومؤلم، يبتلع نفسه شيئاً فشيئاً.خرج الجميع من البلوب، فيرتشايلد ورأس بابادوك، يسقطان على الأرض، مغطيين بمادة لزجة، لكنهما حيان.ثم عاد سلابي إلى الكتاب، يصرخ ويضحك في الوقت نفسه، ينجذب قسرًا، جسده الصغير يدور في الهواء، يحاول المقاومة، لكنه يذوب إلى حبر أسود، يدخل الصفحات وهو يضحك ضحكة أخيرة مجنونة.للأسف،

ذهبت هانا أيضاً، الكتاب يمسكها، قوة خفية تسحبها نحو الصفحات، جسدها يبدأ يتلاشى، يصبح شفافاً، كأنها تتحول إلى حبر.أمسكها فيرتشايلد للمرة الأخيرة، يداه ترتجفان، يمسك بكتفيها، عيناه مليئتان بالدموع."لا... لن أترككِ."قالت هانا، صوتها هادئ رغم الدموع:"كنت أعرف... كنت أعرف أنني وحش، أبي. لم أتذكر بدايتي أصلاً، لا ذكريات طفولة حقيقية، وكل هذه الأشياء الغريبة التي تحدث معي... الآن أفهم."بدأ حوار طويل بينهما، فيرتشايلد يعانقها، يبكي لأول مرة بحرقة، يقول كيف خلقها من الوحدة، كيف أحبها أكثر مما يستحق، كيف كانت أفضل شيء في حياته، وهي ترد بأنها شعرت بالحب دائماً، رغم كل شيء.أخيراً، قال فيرتشايلد، صوته مكسور:"أنا فخور بكِ... فخر حقيقي، يا ابنتي. ليس لأنكِ صنعة مثالية، بل لأنكِ اخترتِ أن تكوني إنسانة."ودعها، قال:"أحبكِ."ردت له الكلمة أيضاً، ثم اختفت داخل الكتاب، تتحول إلى ضوء خفيف يندمج مع الصفحات.

بعد أن انجذبت آخر ذرة من مادة البلوب إلى داخل الكتاب، واختفى السرعوف العملاق في دوامة من الحبر الأسود، وتلاشت صرخات المهرجين والفزاعات والوحوش الأخرى في صمت مفاجئ، أغلق الكتاب نفسه بصوت خفيف، كأن صفحاته تتنهد تنهيدة طويلة من الراحة.ساد صمت ثقيل على الحديقة المهجورة، صمت يحمل في طياته رائحة الدخان والأرض المحترقة، والمانا المتبقية التي لا تزال تتراقص في الهواء كشرارات خافتة.كان بليك لا يزال داخل الدرع الأرضي الذي صنعه، يلهث من الجهد، جسده يرتجف من تدفق المانا الزائد بعد تعويذة MCC،

عيناه مثبتتان على الكتاب الذي في يد هانا... أو ما كان في يدها.لكن هانا لم تعد هناك.اختفت تماماً، تحولت إلى ضوء خافت اندمج مع الصفحات، تاركةً وراءها فراغاً يعصف بالجميع.رفع بليك يده ببطء، رغم الألم الذي يعصف بجسده، وأمسك الكتاب من الأرض حيث سقط، أصابعه ترتجف، عيناه مليئتان بحزن عميق لا يستطيع إخفاءه.ثم، دون تردد، أشعل ناراً بسيطة في كفه، ناراً عادية حمراء، لكنها كافية، وضع الكتاب عليها، شاهد اللهب يلتهم الغلاف، يحرق الصفحات واحدة تلو الأخرى، يحول كل تلك الكوابيس إلى رماد أسود يتطاير في الريح.لم يقل شيئاً، فقط وقف يشاهد حتى لم يبقَ سوى كومة رماد صغيرة على الأرض.انتهت المعركة.جلس فيرتشايلد تحت شجرة قديمة مائلة، يبكي بهدوء، دموعه تسيل على خديه، يمسك بيده المكسورة، لا يحاول إخفاء ألمه، لا الجسدي ولا النفسي.اقترب بليك منه ببطء، جسده لا يزال يؤلمه، لكنه مد يده."دعني أعالج يدك... يمكنني الآن، بعد أن استعادت ماناي بعض قوتها."رفع فيرتشايلد رأسه، عيناه حمراوان، وهز رأسه ببطء."لا... دعها هكذا. هي تذكير بأفعالي، بما سببته. الألم... يستحق."من ناحية أخرى، بدأ الطلاب الناجون يخرجون من المدرسة، أولاً بخطى مترددة، ينظرون حولهم بدهشة، ثم بفرح متزايد عندما رأوا أن الوحوش اختفت، أن السماء صافية، أن الصمت عاد.بدأوا يحتفلون، يصرخون بأصوات عالية، يعانقون بعضهم، يركضون في الحديقة، يضحكون ويبكون في الوقت نفس

احتفال بالنجاة، بالحياة التي عادت.عاد كل شيء إلى طبيعته، ببطء، الأرض تتعافى، الريح تهب نقية، المدينة في البعيد تبدو هادئة مرة أخرى.إلى أن وصل ماركو بمركبته الفضائية أمام بليك وبابادوك.هبطت المركبة بهدوء، تبدو كجذع شجرة عملاقة مغطى بطبقة معدنية لامعة، أبوابها تنفتح بصوت خفيف، وخرج ماركو، متعباً لكنه مبتسم.استغرب ماركو من رأس بابادوك المقطوع الذي كان يتحرك بأذرع ظلية، لكنه هز كتفيه ولم يعلق، قال فقط:"اصعدوا... الوقت ينفد."صعد بليك، يحمل رأس بابادوك بلطف، وضعه داخل المركبة.قبل أن يدخل تماماً، التفت بليك إلى فيرتشايلد الذي كان لا يزال جالساً تحت الشجرة."سأزورك بعد نهاية المعركة في شنغهاي."دخل بليك، ثم ضرب ماركو على رأسه بلطف، لكن بقوة كافية ليشتكي ماركو."أين كنت؟! تركتنا نواجه كل هذا وحدهم!"تأسف ماركو، يمسك رأسه."ذهبت لأحضر مركبتي الفضائية... كانت ضرورية."سخر بابادوك، صوته يخرج من الرأس."عندما رأيتها لأول مرة، ظننت أنها جذع طائر قديم."بدأ بليك يلعب مع قط الكذب، يداعبه، يضحك قليلاً لأول مرة منذ زمن، بينما مدحهم ماركو."استطعتم إيقاف الكارثة وحدهم، رغم كل الصعاب... ماذا التالي؟"أجاب بليك، عيناه تحترقان بعزم جديد."لنتجه إلى شنغهاي، ولنُعلّم هؤلاء المليارديرات درساً لن ينسوه."وبالفعل، بسرعة البرق من المركبة الفضائية، انطلقوا.

2025/12/22 · 17 مشاهدة · 4965 كلمة
TOD18
نادي الروايات - 2026