الحديقة سوداء تماماً. ليس سوداء كليلة أو ظلام غرفة مغلقة، بل سوداء كأنها المادة نفسها التي صنعت منها الأشياء قبل أن تُخلق. لا ضوء ينعكس، لا ظل يتحرك، لا ريح تلامس الجلد. الأرض تحت قدميه ليست صلبة ولا لينة، مجرد وجود يحمل وزنه دون أن يُشعره بشيء.بليك جالس.ركبتاه مرفوعتان قليلاً، ذراعاه مسترخيتان على ركبتيه، ظهره منحنٍ إلى الأمام بلا سبب واضح. عيناه مفتوحتان، لكن لا شيء يُرى. لا أفق يُحدق فيه، لا سماء تُغطي الرأس، لا أرض تُحيط بالأفق. فقط السكون.لم يفكر.لم يكن قادراً على التفكير.كلما حاول أن يستدعي شيئاً – صورة، صوت، ذكرى – يجد الفكرة تنزلق بعيداً قبل أن تتشكل. كأن العقل نفسه مُغلق بباب من الفراغ. لا خوف، لا حزن، لا غضب. لا شيء. فقط الجلوس، والتنفس الذي يحدث دون أن يشعر به.الوقت غير موجود هنا، أو ربما هو موجود بكثرة مفرطة حتى أصبح عدماً.ثم حدث شيء.صوت خفيف، كأنه سقوط شيء ثقيل على سطح رطب. لم يكن صوتاً عالياً، لكنه كان أول شيء حقيقي.بليك رفع رأسه ببطء.على بعد خطوات قليلة، سقط كليب رثيأ على ركبتيه. جسده ممزق، الذراع اليمنى مقطوعة من فوق الكوع، الجانب الأيسر مشقوق بعمق حتى يظهر فيه شيء أسود يشبه الحبر أكثر من الدم. شعره الأبيض ملطخ بالأسود،
وعيناه الفضيتان مفتوحتان لكن لا تريان شيئاً، كأنهما مرآتان محطمتان.كليب يلهث.صوت يشبه احتراق شيء داخلي، كأن الرئتين تشتعلان وتُطفأان في الوقت نفسه.بليك لم يتحرك أولاً.ثم، ببطء شديد، كأن الجاذبية هنا أثقل من المعتاد، نهض. خطوة. خطوة أخرى. حتى وقف أمام كليب مباشرة.نظر إليه لثوانٍ طويلة.ثم، دون مقدمات، رفع قبضته اليمنى وهوى بها على وجه كليب رثيأ.اللكمة لم تكن قوية. لم تكن تحتاج إلى قوة. كانت مجرد فعل وجودي: أنت هنا، وأنا أيضاً.كليب لم يتفادَ. سقط على جانبه، يده السليمة تُمسك الأرض السوداء كأنها تحاول التمسك بشيء ليس موجوداً."مالذي فعلته في العالم الخارجي؟" صوت بليك جاف، خالٍ من النبرة تقريباً. "اخبرني."كليب رفع رأسه بصعوبة. الدم – أو ما يشبه الدم – يسيل من فمه ببطء."دمرتُ..." بدأ يلهث. "دمرتُ أحياء كاملة. شوارع. مباني. أشخاص... كثيرين. كنتُ أبحث عن شيء يستحق. شيء يجعلني... أشعر."توقف، كأنه يبحث عن الكلمة."لم أجد."بليك لم يرد. ظل واقفاً.كليب استمر، صوته يتقطع."ني يان... هزمني. لم أكن أتوقع. لم أفهم. كان غضبه... كأنه لا نهائي. ضربة واحدة، وكأنها قطعت الكون نفسه. شطر الجبل. شطر النميسيس. شطر... الواقع."رفع عينيه الفضيتين المحطمتين نحو بليك."لا أعرف سر قوته. لا أحد يعرف. لكنه لا يتحكم بها. يخرج منه فقط... 1% منها. الباقي محبوس بداخله. لو خرج كله... لما بقي شيء."بليك صمت طويلاً.ثم سأل، بهدوء ميت:"منذ متى أنت قادر على تدمير كواكب؟"كليب ضحك. ضحكة خافتة، مكسورة.
"منذ أن استحوذتُ عليك. تماماً. ليس مؤقتاً كما كنت أفعل من قبل. عندما أكون داخلك للحظات... أكون محدوداً. أنت تضعفني. أنت... تُبقيني بشرياً. لكن عندما أصبح أنا... الجسد كله... أصبحتُ ما أنا عليه حقاً."نظر إلى اليد المقطوعة، كأنه يراها لأول مرة."لكن ني يان... لولا إصابة جسدك، لكنتُ فزت. على الأغلب."بليك لم يبتسم."دمرتَ المدينة. كادت أصدقائي يموتون."كليب رفع كتفيه بلا مبالاة."كانوا في الطريق."بليك اقترب خطوة أخرى. صوته لم يرتفع، لكنه أصبح أثقلاً."أنا غاضب."كليب رفع رأسه، ينظر إليه مباشرة."جيد. يجب أن تكون."صمتا.ثم سأل بليك السؤال الأخير."هل شفيتَ الجرح الملعون؟"كليب هز رأسه ببطء."لا. حددته فقط. أبطأته. لن يقتلك الآن... لكن سيبقى. سيأكلك ببطء. كلما استخدمتَ قوتي، سيزداد."بليك نظر إلى الفراغ حوله."إذاً أنا عائد."كليب لم يرد.بليك استدار. لم يكن هناك اتجاه، لكنه تحرك على أي حال.الخطوة الأولى.الثانية.ثم تلاشى.فتح عينيه.كان مستلقياً على فراش قديم، رائحة الرطوبة والخشب المتعفن تملأ أنفه. ضوء خافت يتسرب من نافذة مكسورة. جسده ثقيل، كأن كل عضلة مربوطة بأثقال حديدية. الذراع اليمنى... غائبة. مكانها ضمادات مبللة بالدم، مربوطة بشريط لاصق قديم.لم يتحرك.لم يفكر في شيء.فقط تنفس.ببطء.مرة.ثم أخرى.الصمت كان كافياً.الآن.
استيقظ بليك على سرير غريب.الفراش كان قديماً، الخشب تحته يئن بصوت خفيض عند أقل حركة، والملاية خشنة،
رائحتها مزيج من الغبار والصابون الرخيص والرطوبة التي تتسرب إلى العظام. الضوء الذي يتسرب من النافذة كان باهتاً، لون الصباح المبكر الذي لا يزال متردداً في الخروج من خلف التلال.فتح عينيه ببطء.أول ما شعر به هو الثقل. ثقل غريب في الجسد كله، كأن كل عضلة مربوطة بحبل غير مرئي. ثم جاء الألم، متأخراً، كمن يوقظ نفسه بعد نوم طويل. ألم حاد في الكتف الأيمن، وفي الصدر الأيمن أيضاً. رفع يده اليسرى بصعوبة، نظر إلى الجانب الأيمن من جسده. الذراع ليست مقطوعة، لكنها مكسورة، مغطاة بجبيرة سميكة من الجبس الأبيض القاسي، تمتد من أعلى الكتف حتى أطراف الأصابع. الصدر الأيمن أيضاً ملفوف بجبيرة مماثلة، وعلى الجبس علامات زرقاء دقيقة متشابكة، خطوط تشبه تماماً تلك التي كانت نيرو ترسمها بأصابعها حين كانت تختم الجروح أو تحمي الجسد من النزيف الداخلي.لم يتحرك فوراً.بقي مستلقياً، يحدق في السقف الخشبي المتشقق. لم يكن يفكر. لم يكن قادراً على التفكير. كل ما كان يشعر به هو الفراغ داخل الصدر، كأن شيئاً كبيراً اقتُلع منه ولم يُعوَّض بعد.بعد لحظات طويلة، رفع نفسه ببطء شديد. الجسد احتجّ. عضلات الظهر تشنجت، والكتف الأيمن أرسل موجة ألم حارقة جعلته يصفر بين أسنانه. لكنه استمر. جلس على حافة السرير، قدماه تلامسان الأرض الباردة. نظر إلى النافذة.خارجها مزرعة صغيرة.
حقول خضراء تمتد حتى الأفق، أشجار تفاح متناثرة، بعض الناس يعملون في صمت: امرأة تحمل سلة، رجل يسوق بقرة، طفل يركض خلف كرة قديمة. الشمس فوق التلال، لكنها لا تزال ضعيفة، كأن اليوم لم يقرر بعد أن يبدأ بجدية.تنفس بعمق.ثم وقف.الأرض تحت قدميه كانت باردة، والألواح الخشبية تصدر صريراً خفيفاً. مشى بخطوات ثقيلة، متكئاً على الجدار بيده اليسرى. الباب كان مفتوحاً قليلاً، صوت أصوات خافتة يتسرب من الغرفة المجاورة: همهمات، ضحكة مكتومة، كلمات متقطعة.دفع الباب.الغرفة كانت واسعة، أشبه بصالة قديمة في منزل ريفي كبير. طاولة طويلة في الوسط، كراسي متفرقة، مدفأة مطفأة، رائحة خبز طازج وقهوة. والجميع هناك.أكيهيكو كان أول من رآه.تجمد لثانية، ثم صرخ صرخة مكتومة، كأنها انفجرت من صدره دون إذن. اندفع نحوه بسرعة، احتضنه بقوة جعلت بليك يترنح. أكيهيكو كان يبكي، دموع صامتة تنزل على خديه، وهو يضم بليك إلى صدره كأنه يخشى أن يختفي إن تركه. بليك، بعد لحظة من الذهول، رفع يده اليسرى وضم أكيهيكو إليه أيضاً. لم يتكلم. لم يكن هناك ما يُقال. فقط الاحتضان، والتنفس المتسارع، والدموع التي لا يعرف أحد من أين جاءت.«يا إلهي... أنت حيّ...» همس أكيهيكو بصوت مكسور. «أسبوع كامل... أسبوع كامل وأنت نائم... كنا نخاف...»
بليك لم يجب. فقط ضغط على كتف أكيهيكو بيده الوحيدة.نظر إلى الآخرين.جو يون وهاي يونغ جالسان جنباً إلى جنب على أحد المقاعد. جو يون كان يمسك يد هاي يونغ بقوة، كأنه يخشى أن تبتعد. ابتسما له ابتسامة خجولة، مرهقة، لكنها صادقة. لم يقتربا. اكتفيا بالنظر إليه بعيون مليئة بالامتنان والإرهاق.ليون كان واقفاً قرب النافذة، يداه في جيبيه. ابتسم ابتسامة صغيرة، هادئة، كأنه رجل اعتاد على رؤية الموت والحياة يتعانقان كل يوم. ريبيكا بجانبه، عيناها محمرتان قليلاً، لكنها ابتسمت أيضاً، ابتسامة طبيبة تعرف معنى أن يستيقظ مريض ظنته قد مات.جيل وقفت عند المدفأة، ذراعاها متشابكتان. نظرت إليه طويلاً، ثم هزت رأسها ببطء، كأنها تقول: «أنت فعلاً عنيد.»ميليوداس وإليزابيث كانا جالسين على الأريكة القديمة. ميليوداس رفع حاجباً، ثم ابتسم ابتسامة عريضة، كأنه يرى صديقاً قديم يعود من رحلة طويلة. إليزابيث وضعت يدها على فمها، عيناها تلمعان، ثم هزت رأسها وكأنها لا تصدق.وأخيراً... بابادوك.كان واقفاً عند الباب الداخلي، لكنه لم يكن بابادوك الذي يعرفه بليك.كان طفلاً.جسد صغير، لا يتجاوز طوله متراً ونصفاً، شعر أسود قصير، عينان كبيرتان سوداوان، وجهه طفولي تماماً لكن فيه نظرة غضب واضحة، كأن شخصاً كبيراً حُبس داخل جسد طفل.بليك نظر إليه لثوانٍ.ثم انفجر ضاحكاً.الضحك خرج من صدره بقوة، مؤلماً، لكنه حقيقي. أول شيء حقيقي يشعر به منذ أسابيع. انحنى إلى الأمام، يضحك حتى كاد يختنق، يده اليسرى على بطنه، والدموع تخرج من عينيه رغماً عنه.بابادوك – الطفل – احمرّ وجهه.«ما الذي يضحكك؟!» صرخ بصوت طفولي حاد، لكنه لا يزال يحمل نبرة بابادوك القديمة. «توقف! هذا ليس مضحكاً!»بليك لم يستطع التوقف. استمر في الضحك حتى جلس على كرسي قريب، يمسح دموعه بكم معطفه.«كيف... كيف أصبحتَ هكذا؟» سأل وهو يحاول استعادة أنفاسه.بابادوك تقدم خطوتين، قبضتاه الصغيرتان مشدودتان.«بعدما قطع رأسي... بدأ الجسد ينمو من جديد. ببطء شديد. هيئة الطفل كانت أسهل. أقل طاقة. أقل ألم. لكن لا تسخر! سأعود كما كنت... قريباً!»بليك نظر إليه، ثم ضحك مرة أخرى، لكن الضحك هذه المرة كان أهدأ، أقرب إلى التنهد.«طفل... بابادوك الطفل...»
هز رأسه. «لم أكن أتخيل يوماً أن أرى هذا.»بابادوك عبس بشدة، لكنه لم يرد. بدلاً من ذلك، جلس على كرسي قريب، متقاطع الساقين، يحاول أن يبدو مهيباً رغم حجمه الصغير.الصمت عاد إلى الغرفة للحظة.ثم رفع بليك رأسه فجأة.«مونو...» قال بصوت خافت، كأن الكلمة خرجت من مكان عميق داخل صدره. «أين مونو؟»تغيرت النظرات في الغرفة.أكيهيكو أطرق برأسه. جو يون وهاي يونغ تبادلا نظرة حزينة. ليون شدّ قبضته. ريبيكا وضعت يدها على فمها. ميليوداس تنهد بعمق.بليك شعر بشيء بارد يتسلل إلى صدره.«أين هي؟» كرر السؤال، صوته أعلى هذه المرة، لكنه لا يزال هادئاً بشكل مخيف.أكيهيكو رفع عينيه أخيراً.«عندما سرق كاكيوين الكتاب...» بدأ بصوت منخفض. «مونو... شعرت به. شعرت بأن الكتاب انتقل إلى يد غير يدك. ارتباطها به... قسرها على العودة إليه. اختفت. تحولت إلى خيوط ذهبية... ثم لا شيء.»بليك لم يتحرك.لم يتكلم.فقط نظر إلى الأرض.الصمت امتد.ثم سأل، بهدوء:«والمليارديرات؟»ليون أجاب هذه المرة.«ماتوا. جميعهم. على يد ني يان. المخبأ تحول إلى مقبرة. الوحيد الذي هرب هو ليو تشنغ. مع الكتاب.»بليك رفع عينيه.«كيف هرب؟»أكيهيكو تنهد.«كاكيوين. ضحّى بنفسه. استخدم تعويذة... أمنية الأموات. نقل ليو تشنغ إلى مكان آمن. ثم... تبخر. اختفى تماماً.»بليك أغلق عينيه للحظة.ثم فتحها.«وكيف عرفتَ مكاني؟» سأل أكيهيكو مباشرة.أكيهيكو نظر إليه طويلاً.ثم قال، بصوت منخفض:«مونو.»بليك تجمد.«قبل أن تختفي... قبل أن تُسحب إلى الكتاب... أرسلت لي رسالة. صورة ذهنية. موقع هذا المنزل. قالت... إنك هنا. وإنك ستستيقظ.»الصمت عاد.بليك لم يتكلم.نظر إلى الجميع، واحداً تلو الآخر.ثم أغمض عينيه مرة أخرى.وظل صامتاً.
بعد تلك الكلمات الأخيرة التي نطق بها أكيهيكو، ساد صمت ثقيل في الغرفة، صمت يشبه الذي يسبق العاصفة. لم يتحرك أحد. كان الجميع ينظرون إلى بليك، ينتظرون منه كلمة، رد فعل، أي شيء يملأ الفراغ الذي خلفته كلمة «مونو». لكن بليك ظل جالساً، عيناه مثبتتان على نقطة غير مرئية في الأرض، وجهه جامد كأنه قناع من الشمع.فجأة، بدأ نور خافت يتجمع في وسط الغرفة.لم يكن نوراً عادياً. كان ذهبياً باهتاً، كأنه غبار متوهج يتساقط من سقف غير موجود. بدأ النور يتركز، يدور ببطء في حلقة صغيرة فوق سطح الطاولة الخشبية، ثم ارتفع قليلاً، يتشكل تدريجياً حتى أصبح كرة نارية ذهبية صغيرة تطفو في الهواء. لم تكن تحمل وجهاً، ولا فماً، ولا عينين، لكن الجميع عرفوا على الفور.أكيهيكو رفع رأسه بسرعة،
عيناه متسعتان.«هذا... هذا ما حدث لي في الغابة.» صوته كان خافتاً، كأنه يخشى أن يزعج اللحظة. «نفس النور... نفس الشكل.»بليك نهض ببطء، متكئاً على حافة الطاولة بيده اليسرى. الجبيرة على كتفه الأيمن أصدرت صوت طقطقة خفيفة. تقدم خطوة واحدة نحو الكرة الذهبية، ثم توقف. نظر إليها طويلاً، كأنه يحاول أن يرى من خلالها شيئاً أبعد من الضوء.«مونو؟» سأل بهدوء، صوته خشن من قلة الكلام.الكرة اهتزت قليلاً، ثم خرج منها صوت. صوت مونو. ليس صوتاً عالياً، بل هامساً، كأنه يأتي من مسافة بعيدة، متعب، لكنه واضح.«بليك...»كان الصوت يحمل نبرة الإرهاق العميق، كمن يتحدث بعد أن أنفق آخر ذرة قوة.بليك أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما مجدداً.«كيف؟» سأل. «كيف تتواصلين معنا الآن؟»الكرة اهتزت مرة أخرى، كأنها تتنفس.«لأنك لا تزال مالك الكتاب. الارتباط بيننا لم ينقطع تماماً. أستطيع... أستطيع أن أصل إليك من حين لآخر. لكن هذا... يستهلك الكثير. الكثير جداً. لن أستطيع التحدث طويلاً.»أكيهيكو تقدم خطوة، صوته يرتجف قليلاً.«هذا ما حدث لي في الغابة. ظهرت لي بنفس الشكل. كنت تقولين لي عن مكان كاكيوين وليو تشنغ. لكن... لم أستطع اللحاق بهما. لم أستطع أخذ الكتاب.»الكرة الذهبية لم تتحرك، لكن الصوت خرج منها مجدداً، أهدأ هذه المرة.«لا بأس، أكيهيكو. لقد فعلت ما استطعت. كاكيوين... ضحى بنفسه لينقل ليو تشنغ إلى مكان آمن. التعويذة التي استخدمها... كانت أمنية الأموات. ثمنها محو روحه من الوجود. لقد نجح. ليو تشنغ الآن في إحدى المدن القريبة من حدود الهيمالايا... في مقاطعة التبت.»بليك رفع رأسه ببطء.«التبت؟»«نعم.» الصوت بدأ يضعف، كأن الكلمات تُسحب منه بجهد. «هدفه... مقبرة إمبراطور الصين. يريد إحياءه. يعتقد أن في ذلك قوة لا تُحد، قوة تجعله يتحكم بالعالم كله. لكن هذا... سيفتح باباً لا يمكن إغلاقه. خطر كبير. يجب... إيقافه.»الكرة بدأت تتلاشى، الحواف الذهبية تبهت،
النور ينكمش.بليك تقدم خطوة أخرى، صوته يصبح أكثر حدة.«مونو... انتظري. كيف نجده؟ أين بالضبط؟»الصوت عاد، لكنه الآن مجرد همس يكاد يُسمع.«لا أستطيع... الطاقة... تنفد. لكن... التبت. الجبال. ابحثوا عن المدن القريبة من ممر خاردونغلا. هناك... سيذهب. أنا... آسفة. لا أستطيع البقاء أكثر.»الكرة اهتزت مرة أخيرة، ثم انطفأت فجأة، كأنها لم تكن موجودة أبداً. بقي في الغرفة صمت أعمق من الذي قبله.بليك ظل واقفاً في المكان الذي كانت الكرة تطفو فيه. لم يتحرك. لم يتكلم. فقط حدق في الفراغ الذي تركته.أكيهيكو وضع يده على كتف بليك بحذر.«بليك...»بليك لم يرد.بعد لحظات طويلة، تنهد بعمق، ثم استدار ببطء نحو الجميع.«التبت.» قال بهدوء. «ممر خاردونغلا. مدن قريبة منه. هذا ما قالته.»ليون تقدم، يضع يديه على الطاولة.«إذاً لدينا هدف. ليو تشنغ لن يتوقف حتى يحصل على ما يريد. وإذا نجح في إحياء ذلك الإمبراطور... لن يكون هناك عودة.»بليك نظر إليه، ثم إلى الجميع.«سنذهب.» قال بصوت خافت لكنه حاسم. «سنوقفه. مهما كلف الأمر.»الصمت عاد مرة أخرى، لكنه لم يكن صمت اليأس هذه المرة. كان صمت من يعرفون أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن الخسارة لم تنته بعد.لكنهم كانوا مستعدين.
بعد أن تلاشت الكرة الذهبية تماماً، عاد الصمت إلى الغرفة، لكنه لم يكن صمتاً مريحاً. كان ثقيلاً، مشحوناً بما لم يُقال بعد. بليك ظل واقفاً في المكان الذي كانت الكرة تطفو فيه، عيناه مثبتتان على الفراغ، كأنه يحاول أن يستدعيها مرة أخرى بالنظر فقط. لم يتحرك. لم يتنفس بعمق. فقط وقف.ثم رفع رأسه ببطء، نظر حوله في الغرفة، كأنه يعدّ الأشخاص للمرة الأولى منذ استيقاظه. عيناه مرّتا على الجميع: أكيهيكو الذي لا يزال يقف قريباً منه، بابادوك الطفل الذي يعبس في الزاوية، ليون وريبيكا وجيل قرب النافذة، ميليوداس وإليزابيث على الأريكة، جو يون وهاي يونغ متجاورين على الكرسي. كان الجميع موجوداً. إلا واحدة.«نيرو...» قال بهدوء، كأن الكلمة خرجت منه دون أن يقصدها. «أين نيرو؟»تغيرت النظرات في اللحظة ذاتها. أكيهيكو أطرق برأسه، عيناه تنزلقان إلى الأرض. بابادوك عبس أكثر، لكنه لم يتكلم. ليون شدّ قبضته على حافة الطاولة حتى ابيضّت مفاصله. ريبيكا وضعت يدها على فمها، وجيل أدارت وجهها قليلاً، كأنها لا تريد أن ترى التعبير الذي سيتخذه بليك.الصمت امتد، ثم تحرك أكيهيكو أولاً. تقدم خطوتين نحو بليك، وضع يده على كتفه السليم بحذر.«تعال معي.» قال بصوت منخفض. «أريك إياها.»بليك لم يسأل. فقط أومأ برأسه، وتبعه. بابادوك نهض أيضاً، خطواته الصغيرة تتبع خطواتهما بصمت. مشيا في الممر الضيق، الألواح الخشبية تصدر صريراً خافتاً تحت أقدامهم. الممر كان مظلماً، مضاءً بمصباح زيتي قديم معلق على الحائط، يرمي ظلالاً طويلة على الجدران. في نهاية الممر، باب خشبي بسيط، نصف مفتوح.دخلوا.الغرفة صغيرة، أشبه بغرفة نوم قديمة. سرير ضيق، ملاية بيضاء نظيفة، وسادة واحدة. على السرير كانت نيرو مستلقية. عيناها مغلقتان،
وجهها شاحب للغاية، كأن الحياة انسحبت منه تدريجياً. تنفسها خفيف جداً، بالكاد يُرى صعوداً وهبوطاً صدرها. ذراعاها ممدودتان على جانبيها، وفوق صدرها، على الجهة اليسرى، علامة زرقاء كبيرة، أختام متشابكة كثيفة، كأنها كتبت بيد مرتعشة في لحظة يأس.بليك توقف عند الباب.لم يتحرك.نظر إليها طويلاً، ثم تقدم بخطوات بطيئة، كأن الأرض تحت قدميه أصبحت هشة فجأة. جلس على حافة السرير بحذر شديد، كأنه يخشى أن يزعجها. مد يده اليسرى، تردد للحظة، ثم وضعها على جبهتها. كانت باردة. باردة بشكل غير طبيعي.«نيرو...» همس بصوت خافت.لم تستجب.حاول مرة أخرى، هز كتفها برفق.«نيرو... استيقظي.»لا شيء. تنفسها لا يزال خفيفاً، منتظماً، لكنه بعيد، كأنه يأتي من مكان آخر.بليك رفع عينيه إلى بابادوك، الذي كان واقفاً عند الباب.«منذ متى هي هكذا؟»بابادوك أجاب بصوت طفولي لكنه ثقيل.«منذ أسبوع. منذ اليوم الذي استيقظتَ فيه... لا، قبل ذلك. منذ أن خسرتَ الكتاب. منذ أن شعرت بالارتباط ينقطع. كانت تحاول أن تحميك. ختمت اللعنة في جسدك. ختمت الخيوط السوداء التي مزقتك. لكن الختم كان كبيراً جداً. ثقيلاً. استنزفها. أغمي عليها بعد أن أنهت التعويذة. ومنذ ذلك الحين... هي هكذا.»بليك نظر إلى الأختام على صدرها. كانت معقدة، خطوط زرقاء دقيقة تتشابك كشبكة، بعضها يمتد حتى كتفيها وبطنها. كان واضحاً أنها لم تكن تعويذة بسيطة. كانت تضحية.أكيهيكو تقدم، وقف بجانب السرير.«كانت أكثرنا إصراراً.» قال بهدوء. «عندما وجدناك في الشارع، كنتَ تنزف. الخيوط السوداء كانت تأكلك من الداخل. كنتَ على وشك الموت. نيرو... لم تتردد. ركضت إليك رغم إصاباتها. كانت مصابة بشدة بعد معركة كابتن مارفل. لكنها رفضت أن تتركك. جلست بجانبك، وضعت يديها على صدرك، وبدأت تختم. كانت تتكلم بصوت منخفض، تقول إنها لن تسمح للعنة أن تأخذك. استغرقت ساعات. كانت تتعب، تفقد الوعي لثوانٍ ثم تعود. لكنها أكملت. الختم نجح. أوقف النزيف. أبطأ اللعنة. لولاها... لما كنا نجلس هنا الآن.»بليك لم يرفع عينيه عن نيرو.«وها هي... تنام.» قال بصوت خافت، كأنه يتحدث إلى نفسه. «منذ أسبوع.»أكيهيكو أومأ.«نعم. الختم كان ثقيلاً جداً. استهلك كل ما تبقى لديها من مانا. ربما أكثر من ذلك. لقد أعطت كل شيء... لأجلك.»
بليك أغلق عينيه للحظة طويلة.عندما فتحهما، كان فيهما شيء مختلف. لم يكن غضباً فقط، ولا حزناً فقط. كان مزيجاً من الاثنين، مع شيء أعمق، أثقل. ألم الذنب.«بسببي.» قال بهدوء. «بسبب خسارة الكتاب. بسبب عدم قدرتي على حمايته. كل هذا... بسببي.»أكيهيكو هز رأسه ببطء.«لا. لا تلوم نفسك. كاكيوين كان... أقوى مما توقعنا. وني يان... كان غاضباً بما يكفي ليحطم العالم. لكن نيرو... عندما رأتني منهاراً بعد أن فشلتُ في أخذ الكتاب، قالت لي كلاماً لن أنساه.»توقف، كأنه يتذكر الكلمات بدقة.«قالت: "الوقوف مرة أخرى لا يعني أنك لم تسقط. يعني أنك رفضت أن تبقى ساقطاً." ثم وقفت. رغم ألمها، رغم إرهاقها، وقفت لأجلك. لأجلنا جميعاً.»بليك نظر إلى نيرو مرة أخرى. مد يده اليسرى، وضعها فوق يدها الباردة. لم يضغط. فقط وضعها هناك، كأنه يريد أن ينقل إليها بعض الدفء الذي لم يعد يشعر به داخل نفسه.«لن أتركها هكذا.» قال بصوت منخفض، لكنه حاسم. «ولن أترك ليو تشنغ يفلت. الكتاب... يجب أن يعود. مهما كان الثمن. سأقتله. سأقتله بنفسي.»رفع عينيه إلى أكيهيكو وبابادوك.«لكن أولاً... سأوقظها. سأجلبها إلينا مرة أخرى. لن أتركها تنام هكذا... بسبب خطئي.»الصمت عاد، لكنه لم يكن ثقيلاً هذه المرة. كان صمت من يعرفون أن الطريق لا يزال أمامهم، وأن الخسارة لم تنتهِ، لكن الإرادة لا تزال موجودة.بليك ظل جالساً بجانب نيرو، يده فوق يدها، ينظر إليها بهدوء.ولم يتحرك.لم ي
كن بحاجة إلى الكلام بعد الآن. كان القرار قد اتُخذ.
بينما كان بليك جالساً على تل صغير يطل على أطراف شنغهاي، كان الهواء يحمل رائحة الغبار الممزوج بالدخان البعيد. الحشائش اليابسة تحت قدميه كانت متشققة، ومن حوله تمتد بقايا طريق مهجور، قطع من الأسفلت المحطم، أعمدة كهرباء مائلة، وفي الأفق البعيد كانت المدينة تُعاد بناؤها ببطء مؤلم. رافعات عملاقة تتحرك كعناكب معدنية، أضواء كاشفة تضيء الليل، أصوات مطارق وآلات ثقيلة تصل إليه كأنها نبض بعيد. لم يكن هناك هدوء حقيقي،
لكن في هذه اللحظة، على هذا التل، شعر بليك أن العالم يحاول أن يتنفس من جديد.جلست جو يون بجانبه بهدوء. لم تُصدر صوتاً تقريباً عندما انحنت وجلست على الحشائش، ركبتاها مرفوعتان قليلاً، يداها متشابكتان أمامها. كانت ترتدي معطفاً قديماً طويلاً، شعرها الأسود مربوطاً بشريط بسيط، وعيناها – تلك العينان اللتان رأتا أكثر مما ينبغي – مثبتتان على المدينة.مرّت لحظات قبل أن تتكلم.«أشكرك.» قالت بهدوء، صوتها ناعم لكنه ثابت. «على كل ما فعلته. لولاك... لما كنا هنا الآن. لما استطعنا إسقاط أمبريلا.»بليك لم ينظر إليها مباشرة. ظل يحدق في الأفق، حيث كانت رافعة عملاقة ترفع قطعة من جسر محطم.«لا شكر على واجب.» أجاب بهدوء، صوته خشن قليلاً من قلة الكلام. «كان علينا أن نفعل ذلك. لا أكثر.»جو يون ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن سعيدة. كانت ابتسامة من يعرفون أن النصر لم يكن نظيفاً.«تعرف... الحكومة تسترت على كل شيء.» قالت بعد صمت قصير. «رسمياً، السبب هو هجوم إرهابي. نجمة إرهابية ضخمة استهدفت المليارديرات. هكذا قالوا. قالوا إن الدمار كان نتيجة تفجيرات متتالية، وانهيار بنى تحتية، وأن الجيش تدخل لاحتواء الوضع.»بليك أومأ برأسه ببطء.«لكن السوشيال ميديا لا تصدق.» تابعَت. «خرجت شهادات. ناس عاديون. موظفون. سائقو تاكسي. أمهات يحملن أطفالهن. كلهم يتحدثون عن أشياء لا يمكن تفسيرها. مخلوقات مرعبة تجوب الشوارع. سرعوف ضخم يحطم المباني. جبل ينشق كأن يد عملاقة قطّعته. صراخ وحشي يصل إلى المدن المجاورة. أضواء مشعة تغطي السماء ليلاً. وبعضهم... بعضهم قال إن الشمس انطفأت لجزء من الثانية في كل أنحاء العالم. في نفس اللحظة.»بليك تنهد ببطء.«والناس يصدقون؟»جو يون أدارت وجهها نحوه قليلاً.«بعضهم يصدق. بعضهم يضحك. وبعضهم... بدأ يصنع نظريات. هناك من يقول إن العالم كله تجربة، وأن الشمس مجرد مصباح ضخم يتحكمون به. فلكيون خرجوا يقولون إن نجماً اختفى فجأة من السماء، وأن هناك ثقباً أسود تحرك من مكانه بسرعة غير طبيعية. وآخرون يتحدثون عن عطارد... يقولون إن مئة بركان نشطت في لحظة واحدة دون سبب واضح. كل هذا... بسبب ما حدث هنا.»
بليك نظر إلى يده اليسرى، ثم إلى الجبيرة التي تحيط بكتفه وصدره الأيمن.«والحكومة... ماذا تفعل بهؤلاء الشهود؟»جو يون تنهدت.«على الأغلب... الماسحون.» قالت الكلمة بهدوء، كأنها تحمل وزناً ثقيلاً. «أشخاص متخصصون. يجعلون الناس ينسون. يزرعون ذكريات بديلة. يحذفون ما رأوه. أو يجعلونهم يعتقدون أنه حلم. أو هلوسة. أو كذبة اختلقها شخص ما.»بليك صمت طويلاً.«كم عدد القتلى؟» سأل أخيراً.جو يون أطرقت برأسها.«أربعة عشر ألفاً. وأربعة وخمسون ألف مصاب. هذه الأرقام الرسمية. لكن الجميع يعرف أن العدد أكبر. كثيرون اختفوا. كثيرون لم يُسجلوا أصلاً.»الصمت عاد.ثم سمعا خطوات خفيفة خلفهما. التفتا. كانت هاي يونغ تقترب. وجهها شاحب، لكن عينيها كانتا واضحتين. توقفت على بعد خطوتين، ثم قالت بهدوء:«بليك... هناك شخص يريد مقابلتك.»بليك رفع حاجباً.«من؟»هاي يونغ ترددت للحظة.«لا أعرف اسمه. لكنه قال إنه يعرفك. وإنه يحمل رسالة... من مكان بعيد.»بليك نظر إلى جو يون، ثم إلى المدينة البعيدة.ثم نهض ببطء، متكئاً على ركبته اليسرى ليساعد جسده على الوقوف.«حسناً.» قال. «لنذهب.»لم يكن هناك تردد في صوته. لكن في عينيه كان هناك شيء آخر. ليس خوفاً. بل استعداداً. استعداداً لما سيأتي بعد ذلك.
بليك تقدم بخطوات بطيئة نحو المزرعة، الأرض تحت قدميه ترتفع وتنخفض بلطف، حشائش يابسة تلامس ساقيه. الهواء كان بارداً، يحمل رائحة التراب الرطب بعد مطر خفيف، ومن بعيد يأتي صوت بقرة تثير الغبار بذيلها. الشمس كانت منخفضة، تضرب التلال بضوء برتقالي باهت، فتُطيل الظلال وتجعل كل شيء يبدو أكثر واقعية وأقل واقعية في الوقت ذاته.عندما وصل إلى السياج الخشبي المتآكل، توقف.كان هناك رجل يقف عند البوابة الصغيرة. جسده منحنٍ قليلاً، يداه الاثنتان ملفوفتان بجبائر بيضاء سميكة،
مربوطة بشرائط قماشية قديمة. شعره الأشيب مختلط، ووجهه يحمل آثار التعب العميق، لكن عينيه – تلك العينان اللتين كانتا دائماً تحملان نظرة بعيدة – لم تتغيرا.فيرتشايلد.بليك توقف تماماً. للحظة، لم يتحرك. ثم تقدم خطوة واحدة، ثم أخرى، حتى أصبحا وجهاً لوجه.لم يتكلما فوراً.فيرتشايلد رفع ذراعيه المجبورتين ببطء، كأنه يخشى أن يؤذي نفسه. بليك فعل الشيء نفسه، رفع ذراعه اليسرى، وضم الرجل إليه بحركة بطيئة، حذرة. الاحتضان كان غريباً، محدوداً بسبب الجبائر، لكنه كان حقيقياً. كان فيه دفء الجسد، ورائحة الخشب والدخان والعرق القديم. ظلا هكذا لثوانٍ طويلة، دون كلام.ثم ابتعد فيرتشايلد قليلاً، نظر إلى بليك بعيون متعبتين.«استأجرت هذا المكان.» قال بصوت خشن. «للجميع. كان يجب أن يكون مكاناً نرتاح فيه. بعد كل ما حدث... كان يجب أن يكون هناك مكان واحد على الأقل لا يحمل رائحة الموت.»بليك نظر إلى المزرعة خلفه، ثم عاد بنظره إلى فيرتشايلد.«شكراً.» قال بهدوء. «لم أكن أعرف أنك... لا تزال هنا.»فيرتشايلد ابتسم ابتسامة صغيرة، حزينة.«لم أكن أعرف أنا أيضاً. لكن بعد أن... بعد هانا... لم أجد مكاناً آخر أذهب إليه. هنا... هادئ. الناس لا يسألون كثيراً. يعملون، يأكلون، ينامون. هذا يكفي.»بليك أومأ ببطء.«سمعتُ... عنك.» قال. «عن ما حدث. عن يديك.»فيرتشايلد رفع يديه المجبورتين قليلاً، كأنه يعرضهما.«كسرتا. سلابي... لم يكن لطيفاً.» تنهد. «لكن الألم... الألم تذكير جيد. تذكير بأنني السبب. بأن كل ما حدث... بدأ من قلمي.»بليك نظر إليه طويلاً.«أنا أيضاً... آسف.» قال. «على هانا. على كل ما فقدته.»فيرتشايلد هز رأسه ببطء.«لا تلم نفسك. هانا... اختارت. هي من قررت أن تكتب النهاية. هي من قررت أن تكون النهاية. لكن...» توقف، ثم ابتسم ابتسامة خافتة، كأنها تحمل سراً. «لكن في هذا الأسبوع... كتبتُ.»بليك رفع حاجباً.«كتبتَ؟»فيرتشايلد أومأ.«نعم. كتبتُ كتاباً جديداً. كتاب هانا فيرتشايلد.»بليك تجمد.فيرتشايلد استمر، صوته هادئ لكنه ثابت.«هذه المرة... أحسنتُ. لم أكتبها كشخصية في قصتي.
كتبتها ككائن مستقل. حرة تماماً. لا قيود. لا نهاية مفروضة. لا ارتباط بالكتاب الأول. أعطيتها الحرية المطلقة... أن تفعل ما تريد، أن تكون ما تريد. أن تعيش... كما تشاء.»بليك لم يتكلم. كان ينظر إلى فيرتشايلد كأنه لا يصدق.فيرتشايلد أخرج من جيبه كتاباً صغيراً، جلده أسود بسيط، بدون عنوان.«هذا هو.» قال. «النسخة الأصلية.»ثم، دون تردد، وضع الكتاب على الأرض أمامه. أخرج من جيبه ولاعة قديمة، أشعلها، وألقى اللهب على الكتاب.الورق اشتعل بسرعة. النار التقطت الحواف، ثم انتشرت، تحولت الصفحات إلى رماد يتطاير مع النسيم الخفيف.فيرتشايلد رفع عينيه إلى بليك.«الآن... لا عودة. لن تعود إلى الكتاب أبداً. لن تكون جزءاً من قصة أحد. ستكون... هي.»وفجأة، من بين أشجار التفاح القريبة، خرجت فتاة.هانا.شعرها الأسود الطويل يتمايل مع الريح، عيناها الداكنتان تلمعان تحت ضوء الشمس الغاربة. كانت ترتدي معطفاً بسيطاً، وابتسامة صغيرة، هادئة، على شفتيها.بليك تجمد.لم يتنفس.هانا تقدمت بخطوات هادئة، حتى وصلت إليه. توقفت أمامه مباشرة، ثم رفعت ذراعيها وضمته إليها بحنان.بليك لم يتحرك أولاً. ثم، ببطء شديد، رفع ذراعه اليسرى وضمها إليه. أغلق عينيه، وتنفس بعمق، كأنه يحاول أن يتأكد أنها حقيقية.«هانا...» همس.هي ابتسمت في صدره.«أنا هنا.» قالت بهدوء. «أنا حقاً هنا.»فيرتشايلد وقف على بعد خطوات، ينظر إليهما، عيناه تلمعان بالدموع التي لم تسقط.«الآن... هي حرة.» قال بصوت خافت. «حرة تماماً.»بليك ظل يحتضنها.لم يكن هناك كلام بعد ذلك.فقط الصمت، والدفء، والشمس التي كانت تغرب ببطء خلف التلال.
بينما كان بليك يبتعد بخطواته الثقيلة نحو المزرعة، بقيت جو يون جالسة على الحشائش اليابسة، ركبتاها مرفوعتان قليلاً، يداها متشابكتان أمامها. الهواء كان بارداً، يحمل رائحة التراب الرطب والدخان البعيد الذي لا يزال يتصاعد من أنقاض شنغهاي. الشمس كانت تغرب ببطء، تضرب التلال بضوء برتقالي خافت يُطيل الظلال ويجعل كل شيء يبدو أكثر هدوءاً مما هو عليه.جلس هاي يونغ بجانبها بعد لحظات. لم يتكلم فوراً. وضع يديه على ركبتيه، نظر إلى الأفق نفسه الذي كانت تنظر إليه هي. كان صامتاً، لكن صمته لم يكن ثقيلاً. كان صمت من يبحث عن الكلمات المناسبة.مرت دقائق قبل أن يبدأ.«المدينة... تبدو أفضل قليلاً كل يوم.» قال بهدوء، صوته منخفض كأنه يخشى أن يزعج السكون. «الرافعات لا تتوقف. الناس يعودون. الحياة... تستمر.»جو يون أومأت برأسها ببطء، دون أن تنظر إليه.«نعم. لكنها لن تعود كما كانت. بعض الأشياء... لا تُصلح.»هاي يونغ تنهد، نظر إلى يديه المرتجفتين قليلاً.«أعرف. أنا... أفكر كثيراً في ما حدث. في كل ما رأيناه. في كل ما فقدناه. أحياناً أشعر أنني لا أزال أسمع الأصوات... الصراخ، الانفجارات، الرعد الذي لم يكن رعدًا.»جو يون أدارت وجهها نحوه قليلاً.«كلنا نسمعها. لكننا لا نتكلم عنها. ربما لأن الكلام... لن يغير شيئاً.»صمتا مرة أخرى.ثم رفع هاي يونغ رأسه، نظر إليها مباشرة هذه المرة. عيناه كانتا واضحتين، لكنهما تحملان شيئاً جديداً: تردداً، وخوفاً خفيفاً، وشيئاً أعمق.«جو يون...» بدأ، صوته أكثر انخفاضاً. «أنا... أحبك.»تجمدت.للحظة، لم تتحرك. ثم احمرّ وجهها بشدة، احمراراً سريعاً انتشر من خديها إلى أذنيها. أدارت وجهها بعيداً، نظرت إلى الأرض، يداها تضغطان على بعضهما بقوة.هاي يونغ لم يتراجع.
«أعرف أن الوقت... غريب.» تابع، صوته يرتجف قليلاً. «أعرف أننا مررنا بأشياء... لا يمكن لأحد أن يفهمها. لكنني... أفكر فيكِ كثيراً. منذ الأيام الأولى في أمبريلا. منذ أن كنتِ تجلسين في الزاوية، تقرئين تلك المانغا المخفية تحت المكتب. منذ أن بدأنا نتحدث... عن كل شيء وعن لا شيء. أنتِ... أنتِ الشيء الوحيد الذي جعلني أشعر أن هناك معنى في كل هذا الجنون.»جو يون لم ترفع رأسها. كانت لا تزال تحمرّ، أصابعها متشابكة بقوة حتى ابيضّت مفاصلها.«أنا...» بدأت، ثم توقفت. صوتها كان خافتاً، متردداً. «أنا... لا أعرف ماذا أقول.»هاي يونغ ابتسم ابتسامة صغيرة، حزينة قليلاً.«لا بأس. لا أطلب منكِ جواباً الآن. أردت فقط... أن تعرفي. لأنني... لا أريد أن أخسر الفرصة مرة أخرى. خسرنا الكثير. لكنني لا أريد أن أخسركِ أنتِ أيضاً.»صمتت جو يون طويلاً.ثم، ببطء شديد، رفعت رأسها. عيناها تلمعان، ليس بالدموع، بل بشيء آخر. نظرت إليه مباشرة.«هاي يونغ...» قالت، صوتها هادئ لكنه ثابت. «أنا... أحبك أيضاً.»توقف تنفسه للحظة.ثم ابتسم، ابتسامة واسعة، حقيقية، أول ابتسامة صادقة منذ أسابيع.«هل... تقبلين مواعدتي؟» سأل، صوته يحمل مزيجاً من الخوف والأمل.جو يون نظرت إليه لثوانٍ طويلة.ثم أومأت برأسها، ببطء، لكن بثبات.«نعم.» قالت. «أقبل.»لم يتحركا فوراً. ظلا جالسين هناك، على الحشائش اليابسة، ينظران إلى المدينة التي تحاول أن تعود إلى الحياة. الشمس كانت تغرب تماماً الآن، والسماء تتحول إلى أرجواني عميق. لم يكن هناك حاجة للكلام بعد ذلك. كان الصمت كافياً. كان الوجود معاً... كافياً.في تلك اللحظة، بدا العالم، رغم كل ما حدث، يحمل شيئاً صغيراً، هشاً، لكنه حقيقي: بداية.
بعد أن انطفأت آخر خيوط الدخان من الكتاب المحترق، وقف الثلاثة في صمت طويل. الريح الباردة كانت تهب من بين أشجار التفاح، تحمل معها رائحة الرماد والتراب الرطب. فيرتشايلد رفع يديه المجبورتين ببطء، كأنه يودع شيئاً لم يعد موجوداً، ثم التفت إلى بليك وهانا.«حان وقت الوداع.» قال بهدوء، صوته خشن من التعب والدخان الذي لا يزال عالقاً في حلقه. «عليكم العودة. بيتكم في شنغهاي... رغم كل ما حدث له، هو لا يزال ينتظركم.»بليك نظر إلى الأفق، حيث كانت المدينة تبدو ككتلة ضبابية بعيدة، أضواء خافتة تتحرك بين الأنقاض كنجوم مريضة.«ربما لا نرى بعضنا مجدداً.» قال بليك، ليس بحزن، بل ببساطة واقعية. «الطرق تتفرق. والحياة... لا تعيد الجميع إلى نفس المكان.»فيرتشايلد ابتسم ابتسامة صغيرة، حزينة.«إن أردتَ إيجادي يوماً... ستجدني في الثانوية القديمة. قررتُ أن أعود إلى التدريس. أدب. أريد أن أعلم الأطفال كيف تقرأ الكلمات... لا كيف تُكتب القصص التي تدمرهم.»نظر إلى هانا، التي كانت تقف بجانبه، يدها ممسكة بكم معطفه بخفة.«سأكون هناك... إن احتجتُم إليّ.»هانا لم تتكلم. فقط ضغطت على يده بلطف، ثم استدارت نحو السيارة القديمة المتوقفة على جانب الطريق الترابي. فيرتشايلد تبعها، خطواته بطيئة، ثقيلة. فتح الباب لها، ثم صعد هو الآخر بصعوبة بسبب جبائره.محرك السيارة أطلق همهمة خافتة عندما دارت المفتاح.
بدأت الإطارات تتحرك على التراب، تثير غباراً خفيفاً. بليك وقف مكانه، رفع يده اليسرى، لوّح بها ببطء. السيارة ابتعدت، صغرت، حتى أصبحت نقطة صغيرة في نهاية الطريق، ثم اختفت خلف التلال.ظل بليك واقفاً لدقائق طويلة، ينظر إلى المكان الذي كانت السيارة فيه. ثم استدار، وبدأ يسير عشوائياً بين أرجاء المزرعة. مرّ بين أشجار التفاح العجوزة، خطواته بطيئة، كأنه لا يبحث عن شيء، بل يحاول أن يشعر بالأرض تحت قدميه مرة أخرى. الهواء كان بارداً على وجهه، والصمت كان عميقاً، يقطعه فقط صوت خطواته والريح في الأوراق.وصل أخيراً إلى مكان منعزل في آخر الحقل، حيث كان هناك قبر صغير، بسيط، مصنوع من حجر خشن منحوت بيد غير محترفة. عليه اسم واحد فقط: «لين».وأمام القبر، جلس ني يان.كان قد عاد إلى هيئته الطبيعية. لا ضباب أزرق، لا عضلات متضخمة، لا أوردة سوداء. مجرد رجل، نحيل، متعب، يرتدي معطفاً قديماً ممزقاً. شعره أطول مما كان، ووجهه يحمل آثاراً جديدة: تجاعيد حول العينين، ندبة رفيعة على خده الأيسر. كان يحدق في القبر، لا يتحرك.بليك توقف على بعد خطوات.«ني يان.» قال بهدوء.ني يان رفع رأسه ببطء، نظر إليه. عيناه كانتا فارغتين، لكن ليسا بالغضب الذي كان يملؤهما من قبل. كان فيهما حزن عميق، هادئ.«بليك.» أجاب بنبرة خافتة. «لم أتوقع أن أراك هنا.»بليك تقدم، جلس بجانبه على الأرض، متكئاً على ركبتيه. نظر إلى القبر.«أنا آسف.» قال. «على خسارة لين.»ني يان لم يرد فوراً. ظل ينظر إلى الحجر، كأنه يقرأ الاسم مرة بعد أخرى.«وأنا... آسف.»
قال أخيراً. «على ما فعلته. على الدمار في المدينة. على كل ما حطمته وأنا... لست أنا.»بليك هز رأسه ببطء.«لا تقلق. لولاك... لكان كليب رثيأ قد أنهى كل شيء. لقد أوقفته. أوقفتَ شيئاً لا يمكن لأحد غيرك إيقافه.»ني يان ابتسم ابتسامة خافتة، مريرة.«لكن الثمن... كان كبيراً. كثيراً.»صمتا.ثم بدأ ني يان يتكلم، صوته منخفض، كأنه يتحدث إلى نفسه أكثر من بليك.«أفكر كثيراً في الموت. فيما بعد الموت. هل هناك جنة؟ جحيم؟ تناسخ؟ أم... لا شيء؟ مجرد فراغ أسود، كالذي كنت فيه وأنا... لست أنا؟»بليك نظر إلى القبر.«لا أحد يعرف.» قال. «كل واحد يقول شيئاً مختلفاً. البعض يقول إن الروح تذهب إلى مكان أفضل. آخرون يقولون إنها تعود، تحيا مرة أخرى في جسد جديد. وآخرون... يقولون إن لا شيء يبقى. فقط الذكريات التي يحملها الآخرون.»ني يان أومأ ببطء.«لين... كانت تؤمن بالجنة. كانت تقول دائماً إن أمنا تنتظرها هناك. كانت تضحك وتقول: "عندما أموت، سأذهب إليها، وسنجلس معاً تحت شجرة كبيرة، وسنأكل التفاح الذي كنا نسرقه من حديقة الجيران."»
توقف. صوته بدأ يرتجف.«لكنني... لم أستطع حمايتها. لم أستطع حتى أن أغلق عينيها. رأيت كل شيء... ولم أفعل شيئاً.»بليك لم يتكلم. فقط وضع يده اليسرى على كتف ني يان، ضغط عليه بلطف.ني يان رفع رأسه، نظر إلى السماء التي بدأت تتحول إلى أرجواني عميق.«هل تعتقد... أنها في مكان أفضل الآن؟»بليك تنهد.«أتمنى ذلك. أتمنى أن تكون تحت تلك الشجرة... تأكل التفاح... وتضحك.»ني يان أغلق عينيه. بقي صامتاً للحظات طويلة.ثم، فجأة، انفجر بكاءً عميقاً، صرخة مكتومة خرجت من صدره، كأنها محبوسة منذ أسابيع. انحنى إلى الأمام، قبضتاه تضربان الأرض، دموعه تسقط على التراب.«لين...!» صرخ، صوته مكسور. «أنا آسف... آسف...»بليك لم يحاول إسكاته. فقط اقترب أكثر، وضع ذراعه حول كتفيه، ضمه إليه بقوة. لم يقل شيئاً. لم يكن هناك كلام يصلح. فقط الوجود، والصمت، والدموع التي تسقط على الأرض بينهما.ني يان ظل يبكي، جسده يرتجف، صوته يتحول إلى أنين طويل. بليك ظل يمسكه، يده اليسرى تضغط على كتفه، كأنه يقول: أنا هنا. لن أتركك.والشمس، في الخلفية، غربت تماماً، تاركة السماء سوداء، والنجوم تبدأ بالظهور واحدة تلو الأخرى، كأنها تحاول أن تقول شيئاً لم يفهمه أحد بعد.
حلّ الليل على المزرعة بهدوء ثقيل، كأن السماء قررت أن تغطي كل شيء بستار أسود رقيق. الريح توقفت تقريباً، ولم يبقَ سوى صوت خافت لأوراق التفاح الجافة تتمايل بين الفروع.
داخل المنزل، كانت الأضواء خافتة، مصابيح زيتية قديمة تُلقي ظلالاً طويلة على الجدران الخشبية المتشققة. بليك مشى في الممر الضيق بخطوات بطيئة، حذاءه يصدر صريراً خفيفاً على الألواح. لم يكن يريد أن يوقظ أحداً، لكنه لم يكن قادراً على النوم أيضاً.دفع باب غرفة نيرو ببطء.الغرفة كانت مظلمة تقريباً، مضاءة فقط بشمعة صغيرة على الطاولة الجانبية، اللهب يرتجف قليلاً مع كل نسمة هواء تتسلل من النافذة المواربة. نيرو كانت لا تزال مستلقية على السرير، وجهها شاحب، عيناها مغلقتان، تنفسها منتظم لكنه خفيف جداً، كأنها تتنفس من مكان بعيد. الجبيرة على صدرها كانت لا تزال موجودة، الأختام الزرقاء تبدو كأنها ترسم خريطة معقدة على جسدها.بليك جلس على الكرسي الخشبي أمام السرير، الكرسي أصدر صوتاً خافتاً عندما تحرك. مد يده اليسرى ببطء، وضعها على رأسها. شعرها الأسود القصير كان ناعماً تحت أصابعه، خصلاته الصغيرة تتحرك مع حركة يده. كان دائماً يستغرب تلك القرون الصغيرة السوداء التي تبرز من بين شعرها، قرنين صغيرين، منحنيين قليلاً، كأنهما جزء منها وغريبان عنها في الوقت ذاته. لم يسألها قط عنهما. لم يكن يريد أن يعرف. كان يكفيه أنها هي.ظل يربت على رأسها بهدوء، أصابعه تتحرك بحنان، كأنه يحاول أن ينقل إليها بعض الدفء الذي لم يعد يشعر به داخل نفسه. وهو يفعل ذلك، بدأت الذكريات تتسلل إليه، بطيئة، كأنها قطرات ماء تتساقط على حجر.في البداية... لم يثق بها.كان يظنها مثل الآخرين: واحدة من الذين يطاردون الكتاب. كان يراها كتهديد، كشخص ينتظر اللحظة المناسبة ليطعنه في الظهر. كان يراقبها دائماً، يحسب خطواتها، ينتظر أي إشارة. لكن مع الوقت... تغيرت نظرته.بدأ يلاحظ الأشياء الصغيرة: كيف كانت تتأخر لتحرس الجميع أثناء نومهم. كيف كانت تضع يدها على كتفه في اللحظات الصعبة، دون أن تتكلم. كيف كانت تحميهم، حتى عندما كان الجميع يعتقدون أنها لا تهتم. كانت تريد حمايتهم فعلاً. لم تكن تبحث عن الكتاب. كانت تبحث عنهم.قرر، في تلك اللحظة، أن لا يشك بها مجدداً. أن يرد لها الجميل. أن يحميها كما حمته.نظر إليها الآن، وهي نائمة، وجهها هادئ، كأنها في سلام عميق لا يصل إليه أحد. شعر بشيء يعتصر صدره.«أسف يا نيرو.» قال بصوت عالٍ، فجأة، كأن الكلمات خرجت منه دون إذن.بدأت الدموع تنزل على خديه، بطيئة، صامتة. لم يحاول مسحها. فقط ظل يربت على رأسها، أصابعه ترتجف قليلاً.
«أسف... على كل شيء.»مسح دموعه بكم معطفه، تنهد بعمق، ثم نهض. استدار نحو الباب، دفع الباب بهدوء.في الممر، كان بابادوك الطفل يقف، متكئاً على الحائط، ذراعاه متقاطعتان، عيناه تلمعان بسخرية خفيفة.«يبدو أنك أصبحت حساساً فعلاً.» قال بابادوك بنبرة ساخرة.بليك تجمد للحظة، ثم مسح وجهه بخجل سريع.«لماذا تتجسس أيها الغبي؟» سأل، صوته خشن.بابادوك رفع كتفيه الصغيرتين.«ظننتُ أنك دخلت أميرة في الليل لتفعل معها أموراً... غير أخلاقية.»غضب بليك فجأة. رفع يده اليسرى وضرب بابادوك على رأسه ضربة خفيفة، لكن قوية بما يكفي ليجعله يترنح.«لا تتفوه بمثل هذا الكلام!» قال بغضب.بابادوك فرك رأسه، عبس بشدة.«آه! ما هذا! أنا طفل! لا تضرب الأطفال!»بليك تنهد، هز رأسه.«أين جوست رايدر؟» سأل، محاولاً تغيير الموضوع. «وماذا حدث لكابتن مارفل؟»بابادوك توقف عن الفرك، نظر إليه بجدية مفاجئة.«جوست رايدر... رحل منذ ثلاثة أيام. ودّعنا بكلمات قليلة، ثم اختفى. لم يقل إلى أين. لكنه قال إنه يجب أن يذهب... ليجد شيئاً. مكان مجهول.»بليك أومأ ببطء.«وكابتن مارفل؟»بابادوك هز كتفيه.«لا نعرف. اختفت بعد المعركة. ربما عادت إلى مكانها... أو ربما لا تزال تبحث عن شيء. لا أحد يعرف.»بليك نظر إلى الظلام في نهاية الممر.«حسناً.» قال بهدوء. «سنرى.»لم يتكلما أكثر. كل منهما استدار، عاد إلى غرفته، تاركاً الظلام والصمت يملآن المكان من جديد.
في الصباح التالي، تجمع الجميع أمام المزرعة. الشمس كانت قد بدأت تطلع للتو، تضرب التلال بضوء ذهبي خافت يُبرز قطرات الندى على الحشائش. الهواء بارد، رطب، يحمل رائحة التراب والعشب المقطوع حديثاً. السيارة القديمة متوقفة على جانب الطريق الترابي، محركها مغلق، والباب الخلفي مفتوح كأنه ينتظر. الجميع وقفوا في دائرة غير منتظمة،
لا أحد يريد أن يكون أول من يتحرك.ني يان كان يقف على بعد خطوتين من الآخرين، حقيبة صغيرة على كتفه، معطفه القديم ممزقاً عند الأكمام. نظر إلى الجميع، ثم إلى الأرض.«سأكمل طريقي.» قال بهدوء. «هناك أشياء... لا تزال تحتاج إلى إنهاء. لين... لم تذهب عبثاً. سأجد طريقي.»بليك نظر إليه طويلاً.«كن حذراً.» قال فقط.ني يان أومأ برأسه، ثم استدار، مشى بخطوات ثابتة نحو الطريق. لم ينظر خلفه. جسده الصغير تقلّص تدريجياً حتى أصبح نقطة في الأفق، ثم اختفى خلف التلال.جو يون وهاي يونغ وقفا جنباً إلى جنب. كانا يحملان حقيبتين صغيرتين، ملابسهما بسيطة، عملية. جو يون نظرت إلى الجميع، ابتسمت ابتسامة خجولة.«نعود إلى كوريا الجنوبية.» قالت. «إلى البيت. ربما... نجد هناك شيئاً يشبه الحياة الطبيعية.»هاي يونغ وضع يده على كتفها بلطف.«سنكون بخير.» أضاف. «ونحن ننتظر أخباركم.»ليون تقدم خطوة، يداه في جيبيه.«نحن... سنذهب إلى أمريكا.» قال. «لا يزال لدينا أدلة. وثائق. تسجيلات. أمبريلا لم تنتهِ تماماً. هناك فروع. أشخاص. يجب أن نُسقط ما تبقى منها.»ريبيكا أومأت بجانبه.«لن نتركهم يبدؤون من جديد.» قالت.جيل وقفت صامتة، لكن عينيها كانتا تقولان الشيء نفسه.ميليوداس وإليزابيث كانا يقفان معاً، يديهما متشابكتان. ميليوداس نظر إلى بليك، ابتسم ابتسامة عريضة.«أما نحن... فنعود إلى عالمنا.» قال.بليك رفع حاجباً.«عالمكما؟» سأل، صوته يحمل استغراباً حقيقياً.ميليوداس تنهد، ثم بدأ يشرح بهدوء.«الأكوان... ليست واحدة. هي طبقات. مثل البصلة. بصلة واحدة، لكنها متعددة الطبقات. كون واحد، لكنه يحتوي على طبقات عديدة. كل طبقة... عالم مختلف. عالم البشر هو الطبقة التي تعيشون فيها أنتم. ثم طبقة الجنة. طبقة الجحيم. طبقة العالم السفلي. وطبقة... عالم السحر. هذا هو عالمنا. عالم حيث السحر والمخلوقات السحرية معروفة للجميع. لا أحد يخفيها. لذلك... لم يتطور. بقي في العصور الوسطى. السيوف، التنانين، القلاع. لا تقنية. لا مدن حديثة. فقط السحر... والتوازن.»بليك استمع بصمت.«إذاً... كيف عدتما إلى هنا؟» سأل.إليزابيث أجابت هذه المرة.«هناك بوابات. ممرات. نقاط ضعف بين الطبقات. بعضها طبيعي، وبعضها... يُفتح بالقوة. نحن... وجدنا طريقاً. لكن الآن... حان وقت العودة.»ميليوداس نظر إلى بليك مباشرة.«وماذا ستفعل أنت الآن؟»بليك تنهد، نظر إلى الأرض.«لا أدري.» قال. «الأمنية التي تمناها كاكيوين... تجعل من المستحيل إيجاد ليو تشنغ. حتى لو وقفنا أمامه الآن... لن نراه. هو... في مكان آخر. بعيد.»ميليوداس أومأ ببطء.«لكن... يمكنك الذهاب معنا.» قال. «إلى عالمنا. ثم... من هناك، يمكنك الوصول إلى التبت. الطبقات متصلة. الطرق موجودة. وعندما تعبر... الظروف التي ستمر بها..
ستؤثر على جسدك وعقلك. ستجعلك... أقوى. قادر على رؤية ما لا يُرى. قادر على إيجاد ليو تشنغ... مهما اختبأ.»بليك صمت طويلاً.نظر إلى جسده: الجبيرة على كتفه وصدره، الذراع الذي لا يزال يؤلمه، غياب كتاب شمس المعارف. نظر إلى بابادوك الطفل الواقف بجانبه، ضعيف، صغير. نيرو لا تزال نائمة، مونو غائبة.«لكن... لا أستطيع القتال الآن.» قال. «أنا مصاب. مجبّس. بدون الكتاب. وبابادوك... طفل. كيف...»
أكيهيكو تقدم فجأة.«سأذهب معك.» قال، صوته حاسم.بليك نظر إليه.أكيهيكو استمر.«أنا... أشعر بالذنب. فشلتُ في أخذ الكتاب من ليو تشنغ. فشلتُ في حمايته. دعني... أكفر عن ذنبي. دعني أحميك. حتى لو كنتَ لا تستطيع القتال الآن... سأكون أنا سيفك.»بليك نظر إليه طويلاً.ثم تنهد، أومأ برأسه.«حسناً.» قال. «سأذهب.»ميليوداس ابتسم.رفع يده اليمنى، بدأ يرسم في الهواء خطوطاً من ضوء أزرق خافت. الخطوط تشابكت، تشكلت دائرة، ثم توسعت حتى أصبحت بوابة دائرية، داخلها دوامة من الضوء والظلام.«هذه... بوابة العودة.» قال. «عندما تعبران... ستكونان في عالمنا. ثم... ابحثا عن الطريق إلى التبت. ستجدانه.»بليك نظر إلى الجميع.«سنعود.» قال. «أعدكم.»ليون أومأ.«سنكون ننتظر.»ريبيكا ابتسمت ابتسامة صغيرة.«احرص على نفسك.»جيل رفعت يدها تحية صامتة.جو يون وهاي يونغ تقدما، عانقا بليك بحذر بسبب جبيرته.«سنلتقي مجدداً.» قالت جو يون.بليك أومأ.ثم استدار نحو البوابة. أكيهيكو بجانبه. بابادوك الطفل تبعهما، يمسك بطرف معطف بليك.ميليوداس وإليزابيث وقفا على جانبي البوابة.«حان الوقت.» قال ميليوداس.بليك تنفس بعمق.ثم خطا الخطوة الأولى نحو الضوء.البوابة ابتلعته. ثم أكيهيكو. ثم بابادوك.اختفت البوابة فجأة، كأنها لم تكن موجودة أبداً.بقي الجميع في صمت، ينظرون إلى المكان الذي كانوا فيه.الريح هبت مرة أخرى، خفيفة، تحمل رائحة التفاح والتراب.والشمس، في السماء، بدأت ترتفع ببطء.
نهاية المجلد الثامن