الدماء كانت لا تزال تتسرب من الشقوق في الجدران الفولاذية، كأن المخبأ نفسه ينزف. رائحة الحديد المحترق واللحم الممزق تملأ الأجواء، ممزوجة برائحة الدخان الكثيف الذي يتصاعد من الأنقاض. في القاعة الرئيسية، حيث كان المليارديرات الثمانية يجلسون منذ ساعات قليلة كأنهم آلهة، لم يبقَ سوى جثث مشوهة وكراسي مقلوبة وشاشات محطمة تُصدر أزيزاً متقطعاً.ني يان وقف وسط هذا الخراب، جسده مشدود كسلك فولاذي مشدود إلى حد التمزق. الضباب الأزرق الذي يحيط به لم يعد مجرد هالة، بل صار كائناً حياً يتنفس معه. عيناه، اللتين كانتا في السابق تحملان بريق التحدي والسخرية، أصبحتا الآن حفرتين سوداوين لا تعكسان شيئاً سوى الفراغ. لم يعد يتنفس بصعوبة، لم يعد يرتجف. كان الهدوء الذي يحيط به أكثر رعباً من أي صراخ.في الأسفل، وسط الركام والجدران المتصدعة، تجمع الآخرون. ميليوداس كان يقف متكئاً على سيفه، يمسح الدم عن وجهه بظهر يده. ليون جالس على الأرض، يضغط على جرح عميق في كتفه، وجهه شاحب لكنه لا يزال متماسكاً. جيل وريبيكا كانتا تقفان بجانبه، عيونهما تبحثان في الظلام عن أي حركة. جو يون وهاي يونغ متكئان على بعضهما، يتنفسان بصعوبة، وغوست رايدر يقف صامتاً، النار في عينيه الجمجمتين لا تزال مشتعلة لكنها خافتة.ليون رفع رأسه ببطء، صوته خشن من الغبار والإرهاق:
«أين أكيهيكو؟»ميليوداس أجاب دون أن ينظر إليه، عيناه مثبتتان على السلالم المحطمة في الأعلى:
«رأيته يركض بعد الانفجار. لم يقل شيئاً. ذهب مسرعاً إلى مكان ما.»صمت ثقيل. الجميع يعرفون أن أكيهيكو لا يركض إلا إذا كان الخطر حقيقياً، وأن الخطر الوحيد الذي يستحق هذه السرعة هو بليك.فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهم. لم يكن اهتزازاً عادياً، بل كان كأن شيئاً ثقيلاً جداً هبط من السماء. غبار كثيف تصاعد من السلالم المحطمة، ثم ظهرت ظلية سوداء تقفز من الطابق العلوي إلى الأسفل في قفزة واحدة هائلة. الظلية استقرت على الأرض بصوت ثقيل، كأنها سقطت من ارتفاع شاهق.كان كليب رثيأ.جسد بليك، لكنه لم يعد بليك. الشعر أبيض كالثلج، العيون فضية بلا بؤبؤ، الجلد مشقق كالأرض اليابسة، والذراع اليمنى المبتورة قد استُبدلت بطرف ظلالي يتحرك كأفعى حية. ابتسامة باردة مشقوقة على وجهه، ابتسامة لا تحمل أي دفء أو إنسانية.نظر إليهم جميعاً ببطء، كأنه يقيم ذبائحاً في سوق.«من الأقوى هنا؟» سأل بهدوء، صوته عميق ومتعدد الطبقات، كأنه يخرج من عدة أفواه في وقت واحد.ميليوداس شد قبضته على مقبض سيفه، لكن لم يتحرك. ليون حاول الوقوف، لكنه ترنح. جيل رفعت مسدسها بيد مرتجفة، ريبيكا أمسكت بذراعها لتهدئتها. غوست رايدر تقدم خطوة، النار في عينيه تشتعل بقوة أكبر.كليب رثيأ أماله رأسه، كأنه يتأمل المشهد.
«أنتم... مثيرون للشفقة. كنت أظن أنكم ستقدمون شيئاً أكثر... تسلية.»فجأة، اهتز الحطام من خلفه. انفجر سقف الممر العلوي، وخرجت كابتن مارفل من وسط الغبار، جسدها مضيء بالطاقة الكونية، عيناها تلمعان بالغضب المكبوت.
«أنا الأقوى هنا.»لم تقل المزيد. رفعت يدها، وانطلقت موجة طاقة مدمرة نحو كليب رثيأ، موجة كافية لمحو مبنى كامل. لكن كليب لم يتحرك. رفع يده اليسرى ببطء، كأنه يدفع ستارة خفيفة، فانقسمت الموجة إلى نصفين وانحرفت بعيداً عنه، محطمة الجدران الجانبية بدلاً منه.ابتسم أكثر.
«جميل. لكن بطيء.»ثم اختفى.في غمضة عين، ظهر خلفها. لم يكن انتقالاً سحرياً، بل كان كأن الواقع نفسه انحنى ليسمح له بالمرور. قبض على كتفها بقوة، ثم ضربها بضربة واحدة في الظهر. الصوت كان كصوت كسر جبل. طارت كابتن مارفل إلى الأمام بقوة هائلة، جسدها يخترق عدة جدران ثم يسقط خارج المخبأ، متجهاً نحو أواخر الغابة البعيدة. سقطت على الأرض بقوة، ذراعها اليمنى مشوهة تماماً، عظامها مكسورة، وفقدت الوعي قبل أن تستقر.الجميع تجمدوا.ليون همس:
«ما هذا...؟»ميليوداس شد قبضته حتى أبيضت مفاصله.
«هذا ليس بليك.»كليب رثيأ التفت إليهم ببطء، ابتسامته لا تزال معلقة على وجهه.
«أخيراً... وجدت من يستحق أن ألعب معه.»فجأة، انشق الهواء أمامه. ظهر ني يان من الظلام، خنجره الأسود المزرق في يده، عيناه فارغتان تماماً. لم يتكلم. لم يهدد. لم يصرخ. ضرب بخنجره مباشرة نحو صدر كليب رثيأ.الخنجر لم يخترق. ارتطم بجسد كليب كأنه اصطدم بجدار من الظلال الصلبة. لكن كليب لم يتحرك. نظر إلى ني يان بعيون فضية باردة، ثم قال بهدوء مخيف:
«أخيراً... وجدت من يضاهيني قوة.»ثم انطلقا.الضربة الأولى كانت صامتة. خنجر ني يان يقطع الهواء، كليب يتفادى بأقل حركة ممكنة، ثم يرد بقبضة ظلالية تصطدم بصدر ني يان. ارتطم ني يان بالجدار الخلفي، لكنه لم يسقط. قفز مرة أخرى، أسرع من الضوء تقريباً، وهوى بخنجره نحو رأس كليب. هذه المرة، أمسك كليب بالشفرة بيده العارية، والدم الأسود يتساقط من بين أصابعه.«جيد.» قال كليب، صوته لا يزال هادئاً. «لكن ليس كافياً.»دفع ني يان إلى الخلف بقوة، ثم انطلق نحوه بسرعة لم يرها أحد من قبل. تبادل الاثنان عشرات الضربات في ثوانٍ. كل ضربة من ني يان تقطع الهواء بصوت يشبه الرعد، وكل رد من كليب يحمل قوة تكفي لسحق جبل. الجدران تتصدع، الأرض تتشقق، والسقف يبدأ بالانهيار.ليون صرخ:
«ابتعدوا! هذا ليس قتالاً يمكننا التدخل فيه!»ميليوداس أمسك بذراع ليون وسحبه إلى الخلف.
«إذا اقتربنا، سنموت.»القتال استمر. ني يان يضرب بلا هوادة، كل لكمة تحمل غضباً متراكماً من سنوات الفقر والظلم والخسارة. كليب يتفادى ويرد بضربات محسوبة، كأنه يلعب لعبة شطرنج مع خصم يعرف كل حركاته مسبقاً. لكن مع كل تبادل، بدأ التوازن يميل. ني يان أسرع، أقوى، أكثر جنوناً. كليب يبتسم، لكن الابتسامة بدأت تتلاشى.فجأة، توقف ني يان. وقف ساكناً، يتنفس ببطء. نظر إلى كليب بعيون لا تعبر عن شيء سوى الفراغ.«أنت... لست بليك.»كليب أمال رأسه.
«أنا أفضل منه.»ني يان رفع خنجره ببطء.
«سأقتلك... ثم أقتله.»ثم انطلقا مرة أخرى، وهذه المرة لم يكن هناك مجال للعب. كان القتال حقيقياً، خاماً، دامياً. كل ضربة تحمل وزن الخسارة، كل رد يحمل برودة الفراغ. الجدران تتساقط، الأرض تتشقق، والعالم نفسه يبدو وكأنه على وشك الانكسار.والجميع يشاهدون، عاجزين، يعرفون أن هذه المعركة ليست بين اثنين، بل بين غضب مطلق وفراغ مطلق. وأن الفائز... لن يترك شيئاً خلفه.
الأرض تحت أقدامهما لم تعد أرضاً. كانت مجرد صدفة هشة تتفتت تحت وطأة ما يحدث. ني يان وقف ثابتاً كتمثال من الظلام المتصلب، خنجره الأسود المزرق يرجف في يده لا من خوف، بل من طاقة متراكمة لا تجد مخرجاً. كليب رثيأ، أو ما تبقى من بليك، مال رأسه قليلاً، ابتسامته الفضية لا تزال معلقة كجرح مفتوح.«أنت... مثير للاهتمام.» قال كليب بهدوء يشبه همس الريح قبل العاصفة. «لكن الاهتمام لا يعني البقاء.»لم يرد ني يان. لم يكن هناك حاجة للكلام. رفع خنجره ببطء، والضباب الأزرق حوله تكثف حتى صار سائلاً يتدفق كحبر حي. ثم انطلق.الضربة الأولى كانت صامتة. خط أسود رفيع قطع الهواء، شق الأفق نفسه، ووصل إلى صدر كليب في أقل من جزء من الثانية. لم يتفادَ كليب. رفع يده اليسرى، والشفرة ارتطمت بكفه كأنها اصطدمت بجدار من الفراغ المطلق. انفجر التصادم موجة صدمية دائرية، مزقت الأرض في دائرة نصف قطرها مئات الأمتار، حطمت أعمدة المخبأ المتبقية، ورفعت سحابة غبار كثيفة وصلت إلى السماء.كليب لم يتراجع خطوة واحدة.«هذا كل شيء؟» سأل، صوته لا يزال هادئاً.في اللحظة التالية، انطلق ني يان مرة أخرى. هذه المرة لم يكن خطاً واحداً. صار عشرات الخطوط السوداء تتقاطع في الهواء كشبكة عنكبوت عملاقة، كل خط يحمل قوة كافية لشطر جبل. كليب رفع ذراعيه، والظلال حوله تشكلت كدرع دوّار، يصد كل خط بضربة دقيقة. كل تصادم كان يولد انفجاراً يهز الأرض، يشق الجدران، يرفع ألسنة اللهب والغبار إلى السماء.ثم قفز كليب.لم يكن قفزة عادية. كان انتقالاً يشبه تمزق الواقع نفسه. ظهر فجأة فوق ني يان، قبضته الظلالية تهوي كمطرقة إلهية. ضرب الأرض التي كان ني يان يقف عليها، فانشقت الأرض إلى قسمين، وانحدرت شقوق هائلة تمتد لكيلومترات، تبتلع المباني المحيطة وتفتح فجوات في الأرض كأن الكوكب نفسه يتمزق.ني يان لم يسقط. قفز إلى الخلف،
جسده يتحرك بسرعة تكاد تكون غير مرئية، وهوى بخنجره مرة أخرى. هذه المرة كانت الضربة موجة طاقة زرقاء مزرقة، عريضة كجدار، شقت السماء نفسها. الغيوم انشطرت إلى نصفين، والضوء الذي تسرب من الشق كان أزرق كئيباً، كأن النهار نفسه أصيب بالنزيف.كليب رفع يده، والظلال تشكلت كقبة سوداء هائلة، امتصت الموجة كلها. لكن الضغط كان هائلاً. الأرض تحت قدميه انهارت، وهوى هو نفسه إلى الأسفل، يتبع ذلك انهيار كامل للجزء الشرقي من المخبأ، يسقط آلاف الأطنان من الصخور والمعادن في هاوية جديدة تشكلت في ثوانٍ.لم يتوقفا.ني يان قفز إلى الأعلى، جسده يطير كسهم أسود، وهوى بضربة أفقية شقت الأفق نفسه. كليب تفادى بقفزة جانبية، ثم رد بضربة كف مفتوحة. الموجة الصدمية الناتجة حملت ني يان عبر السماء، عبرت به فوق المدينة كلها، حتى سقط في ضواحيها الجنوبية، محطماً مبنى شاهقاً كاملاً، ثم استمر في الانزلاق لكيلومترات، يحفر خندقاً في الأرض.كليب لم يتبعه بالقفز. رفع يده، والظلال تشكلت كأجنحة هائلة، ثم طار. لم يكن طيراناً عادياً، بل كان تمزقاً للفضاء نفسه. ظهر فوقه مباشرة، وهوى بقبضته. ني يان رفع خنجره في اللحظة الأخيرة، والتصادم أحدث انفجاراً هائلاً، رفع سحابة غبار وصلت إلى طبقة الستراتوسفير، شقت الغيوم إلى نصفين، وأحدثت رعدة سمعها كل من في شنغهاي.المدينة بدأت تنهار.مبانٍ كاملة انهارت تحت تأثير الموجات الصدمية. جسور انشطرت. الأرض تشققت كأنها قشرة بيضة عملاقة. السماء صارت رمادية، مليئة بالغبار والدخان، والشمس بالكاد مرئية.ني يان نهض من وسط الحطام، جسده مليء بالجروح، لكن عينيه لا تزالان فارغتين. رفع خنجره مرة أخرى، والضباب الأزرق حوله تشكل كعاصفة دوامية.
«لن... أتوقف.» قال بصوت منخفض، كأنه يتحدث إلى نفسه أكثر من كليب. «حتى لو... دُمرت الدنيا... لن أتوقف.»كليب هبط أمامه ببطء، أجنحته الظلالية تذوب خلفه. ابتسم.
«هذا... هو ما أردت سماعه.»ثم اندفعا مرة أخرى.الضربات لم تعد مرئية. كانت مجرد انفجارات متتالية تهز الكوكب. ني يان يقطع الأفق بخنجره، كليب يصد بقبضة ظلالية، ثم يرد بضربة هوائية تشق الأرض إلى أعماقها. كل تصادم يولد موجة صدمية تدمر أحياء كاملة، تُسقط ناطحات سحاب، تُشعل حرائق هائلة تمتد لكيلومترات.في لحظة، قفز ني يان إلى الأعلى، عابراً الغلاف الجوي في ثوانٍ، ثم هبط من السماء كشهاب أزرق، خنجره يشق الغيوم إلى نصفين. كليب رفع يديه، والظلال تشكلت كقبة هائلة، امتصت الضربة، لكن القوة كانت كافية لإحداث صدع في الغلاف الجوي نفسه، فتحررت طاقة هائلة أضاءت السماء كأنها شروق شمس ثانٍ.عاد الاثنان إلى الأرض، واصطدما في وسط مدينة كانت مزدهرة قبل ساعات. الآن لم يبقَ منها سوى حفرة هائلة، والمباني المحيطة تتهاوى كأوراق الخريف.ني يان وقف في وسط الحفرة، جسده ينزف، لكنه لا يزال يقف. رفع خنجره ببطء، والطاقة الزرقاء تتجمع في مقدمته ككرة نارية مظلمة.كليب وقف على الجانب الآخر، ابتسامته لا تزال موجودة، لكنها أصبحت أكثر حدة.
«أخيراً... بدأت تُظهر ما أنت عليه حقاً.»ني يان لم يرد. نظر إليه بعيون فارغة، ثم همس:
«هذا... لأجلها.»ثم أطلق الكرة.كرة الطاقة الزرقاء المظلمة انطلقت كشهاب، لكنها لم تكن مجرد طاقة. كانت كتلة من الغضب المكثف، تحمل كل ذكرى، كل ألم، كل خسارة. شقت السماء، مزقت الغيوم، ووصلت إلى كليب في لحظة.كليب رفع يديه ليصد. التصادم كان... صامتاً للحظة. ثم انفجر العالم.موجة الصدمة امتدت في كل الاتجاهات، محطمة ما تبقى من المدينة، رافعة سحابة غبار وصلت إلى الفضاء. الأرض اهتزت بعنف، وتشكلت فجوات هائلة تمتد لعشرات الكيلومترات. السماء صارت سوداء، والرياح صارت عواصف.عندما تبدد الغبار، وقف ني يان في وسط الحفرة الجديدة، جسده ممزق، ذراعه اليسرى مفقودة، صدره مفتوح، لكنه لا يزال واقفاً. أمامه، كليب رثيأ... لم يسقط. جسده مشقق، الظلال تتساقط منه كدخان، لكنه لا يزال يقف، ابتسامته أوسع من أي وقت مضى.«جميل.» قال كليب، صوته يحمل إعجاباً حقيقياً لأول مرة. «لكن... لم ينتهِ بعد.»ني يان رفع ما تبقى من خنجره بيد واحدة. الدم يتساقط منه، لكنه لم يهتم.«لم... ينتهِ.»ثم اندفعا مرة أخرى، والعالم من حولهما ينهار، والسماء تتشقق، والأرض تصرخ تحت وطأة قوتين لا يمكن للكون نفسه أن يتحملهما.
الأرض تحت قدميهما لم تعد موجودة. كانت مجرد ذكرى بعيدة، حفرة سوداء متسعة تبتلع ما تبقى من شنغهاي، جدرانها المنهارة تتساقط ببطء كأنها دموع متجمدة. ني يان وقف في الوسط، الدم يتساقط من ذراعه المبتورة كشلال أسود، لكنه لا ينزف. الضباب الأزرق حوله صار كتلة متماسكة، تتحرك مع تنفسه ككائن حي. كليب رثيأ وقف على الجانب الآخر، جسده المشقق ينزف ظلالاً تتساقط كدخان، لكن ابتسامته لم تتلاشَ.توقفا للحظة.كليب رفع يده اليسرى ببطء، نظر إلى الجرح الذي يمتد عبر صدره وكتفه الأيمن. لم يكن جرحاً عادياً. كان شبكة من الخيوط السوداء المتوهجة، كأنها أوردة من الفراغ نفسه، تنبض بضوء خافت أسود-أزرق. الخيوط كانت تتحرك، تتلوى، تتغذى على الجسد الذي يستخدمه. رفع عينيه إلى ني يان، وكأنه يرى شيئاً لم ينتبه له من قبل.ثم انطلقا.لم يكن هناك خطوات تمهيدية، لا تقدم، لا تراجع. ني يان اندفع أولاً، جسده يتحول إلى خط أزرق مظلم، قطع المسافة بينهما في جزء من الثانية. خنجره يشق الفضاء نفسه، يترك أثراً من التشققات السوداء في الهواء. كليب لم يتفادَ. رفع ذراعه الظلالية، والخنجر ارتطم بها كأنه اصطدم بجدار من اللا شيء. الانفجار الناتج لم يكن صوتياً فقط؛ كان موجة صدمية دائرية هزت الأرض كلها، رفعت عموداً من الغبار والحطام يصل إلى الغيوم، وشق السماء نفسها إلى شقوق متفرعة.كليب دفع بكف مفتوحة. الموجة التي خرجت من راحته لم تكن هوائية، بل كانت فراغاً متجسداً، كتلة من العدم تمتص الضوء والصوت. ضربت ني يان في صدره، فطار إلى الخلف بسرعة تفوق سرعة الصوت. جسده اخترق جداراً من الحديد المقوى، ثم مبنى كاملاً، ثم ثلاثة مبانٍ أخرى، قبل أن يرتطم بالأرض خارج المدينة، محطماً تلة صخرية كاملة. الأرض انشقت تحت تأثير الاصطدام، وتشكلت فجوة عميقة تمتد لكيلومترات.ني يان نهض من وسط الحطام، الدم يغطي وجهه، لكنه لم يتوقف.
قفز إلى الأعلى، جسده يتحول إلى قذيفة زرقاء، عابراً الغلاف الجوي في ثوانٍ. الغيوم انشطرت تحت مروره، والرياح صارت عواصف. هبط من السماء كشهاب أزرق، خنجره موجه نحو كليب الذي كان يقف في وسط الحفرة. التصادم أحدث انفجاراً نووياً صغيراً، رفع سحابة فطرية من الغبار والنار، وشقت الأرض إلى عمق مئات الأمتار.لم يتوقفا.كليب قفز إلى الأعلى، أجنحته الظلالية تتشكل خلفه كظل عملاق، ثم طار. لم يكن طيراناً. كان تمزقاً للواقع. ظهر فوق ني يان فجأة، قبضته تهوي كمطرقة إلهية. ني يان رفع خنجره ليصد، والتصادم أحدث موجة صدمية هائلة، شقت الغيوم إلى نصفين، وأحدثت رعدة سمعها نصف الكوكب. الأرض تحت قدميهما انهارت، فهويا معاً إلى الأسفل، يتبادلان الضربات أثناء السقوط. كل لكمة، كل طعنة، كانت تولد انفجاراً يدمر ما تبقى من المدينة.وصلا إلى طبقة الستراتوسفير.القتال لم يتوقف. ني يان يضرب بخنجره بسرعة تفوق الضوء، كليب يصد بظلاله، يرد بقبضات تمزق الفضاء. الغلاف الجوي نفسه بدأ يتشقق، خطوط سوداء وزرقاء تمتد كشقوق في زجاج عملاق. الضوء الشمسي تحطم، والسماء صارت مزيجاً من الأسود والأزرق والرمادي. الاثنان يدوران حول بعضهما في مدار مؤقت، يتبادلان ضربات تجعل الغلاف الجوي يهتز، والأرض تحتها تتأرجح.ثم هبطا.الهبوط لم يكن هبوطاً. كان سقوطاً مدمرًا. جسداهما اخترقا الغلاف الجوي كشهابين، محترقين، محطمين، لكنهما لا يتوقفان. اصطدما في صحراء شاسعة بعيدة عن شنغهاي، الأرض انشقت تحت تأثير الاصطدام، وتشكلت فوهة قطرها عشرات الكيلومترات. الرمال ذابت، الصخور تبخرت، والسماء فوق المكان صارت سوداء كالليل.لكنهما نهضا.ني يان رفع خنجره، الدم يتساقط منه كشلال أسود. كليب وقف أمامه، جسده المشقق ينزف ظلالاً، لكنه لا يزال يبتسم.الضربة التالية كانت مجنونة.ني يان اندفع، جسده يتحول إلى خط أزرق يقطع الفضاء، خنجره يشق الأفق. كليب رد بقبضة ظلالية هائلة، والتصادم أحدث موجة صدمية دائرية امتدت لآلاف الكيلومترات، شقت القارات،
رفعت موجات بحرية في المحيطات، وأحدثت رعدة شعر بها نصف الكوكب.لم يتوقفا.الاثنان طارا إلى السماء مرة أخرى، يتبادلان الضربات في الفضاء الخارجي. ني يان يضرب بخنجره، كليب يصد بظلاله، كل تصادم يولد انفجاراً من الطاقة يضيء الفضاء كنجم جديد. الجاذبية نفسها بدأت تتشوه، والأرض تحتها تتأرجح في مدارها.ثم هبطا مرة أخرى.هذه المرة لم يهبطا على الأرض.هبطا على عطارد.السطح الرمادي المتشقق تحت قدميهما تفجر فور وصولهما. ني يان هبط أولاً، جسده يحفر حفرة عميقة في الصخور البركانية. كليب هبط بعده، والاصطدام أحدث موجة صدمية هزت الكوكب بأكمله، شقت سطحه، وأطلقت عموداً من الغبار والصهارة يصل إلى الفضاء.الاثنان وقفا في وسط الحفرة الجديدة، الجاذبية المنخفضة تجعل حركاتهما أسرع، أكثر عنفاً. ني يان اندفع، خنجره يقطع الفراغ، كليب رد بقبضة ظلالية. التصادم أحدث انفجاراً من الطاقة رفع سحابة من الغبار الرمادي، وشق سطح عطارد إلى عمق مئات الكيلومترات.لم يتوقفا.الضربات استمرت، كل واحدة أقوى من سابقتها. ني يان يضرب بخنجره، يشق الصخور، يمزق الفضاء. كليب يرد بقبضاته الظلالية، يحطم الكوكب نفسه. السطح يتشقق، البراكين تنفجر، والغبار يملأ السماء السوداء.كلاهما ينزف، كلاهما يتألم، كلاهما يستمر.القتال لم ينتهِ.لم يكن هناك منتصر.فقط الغضب، والفراغ، والدمار الذي لا يتوقف.
على سطح عطارد، حيث لا هواء يحمل الصوت ولا غيوم تحجب الرؤية، لم يعد هناك ما يُخفى. الجاذبية الضعيفة جعلت كل حركة تبدو بطيئة وثقيلة في آنٍ واحد، كأن الزمن نفسه يتباطأ ليشهد ما سيحدث. ني يان وقف في وسط حفرة قطرها مئات الكيلومترات، جسده ينزف ضباباً أزرق كثيفاً يتجمد فوراً في الفراغ ويتحول إلى بلورات دقيقة تتساقط ببطء كالثلج الأسود. كليب رثيأ وقف على الجانب الآخر، جسده المشقق يتساقط منه ظلال متجمدة كقطع زجاج مكسور، عيناه الفضيتان لا تعكسان الشمس بل تمتصان ضوءها.لم يتبادلا كلمة واحدة.ني يان اندفع أولاً.جسده تحول إلى خط أزرق مظلم،
قطع المسافة بينهما في لحظة واحدة، خنجره يشق الفضاء نفسه كأنه يمزق قماش الواقع. الشفرة لم تكن تتحرك في خط مستقيم؛ كانت تترك أثراً من الشقوق السوداء التي تمتص الضوء، وكأنها تفتح أبواباً صغيرة إلى العدم. كليب لم يتحرك. رفع يده اليسرى، والظلال حوله تشكلت كدرع دوّار من الفراغ المطلق. الخنجر ارتطم بالدرع، والتصادم لم يُحدث صوتاً في الفراغ، لكنه أحدث موجة طاقة هائلة انطلقت في كل الاتجاهات.سطح عطارد انشق.شقوق هائلة امتدت من نقطة التصادم، كأن الكوكب بأكمله يُفتح ككتاب قديم. الصخور البركانية المتجمدة انفجرت إلى الخارج، وتشكلت سحب من الغبار والجزيئات المشتعلة امتدت لآلاف الكيلومترات، محولة السماء إلى ستارة رمادية كثيفة. الموجة الصدمية واصلت انتشارها، محطمة التلال والفوهات القديمة، رافعة عموداً من المادة المنصهرة يصل إلى الفضاء الخارجي.كليب رد.قبضته الظلالية هوت كمطرقة عملاقة، لكنها لم تكن قبضة مادية. كانت فراغاً متكثفاً، كتلة من العدم تحمل وزن جاذبية صغيرة. ني يان رفع خنجره ليصد، والتصادم أحدث انفجاراً آخر، رفع سحابة من الغبار البركاني غطت نصف الكوكب. الأرض اهتزت بعنف، وتشكلت فوهة جديدة قطرها يفوق مئات الكيلومترات، وانشقت قشرة عطارد إلى عمق مئات الكيلومترات، كاشفة طبقات الصهارة الحمراء المتوهجة تحت السطح.لم يتوقفا.ني يان قفز إلى الأعلى، جسده يتحول إلى قذيفة زرقاء، عابراً الغلاف الجوي الرقيق لعطارد في ثوانٍ. هبط من السماء كشهاب أزرق، خنجره موجه نحو كليب. كليب رفع يديه، والظلال تشكلت كقبة سوداء هائلة، امتصت الضربة، لكن القوة كانت كافية لتشقق القبة نفسها، وانفجرت الطاقة إلى الخارج، محطمة سطح الكوكب في دائرة نصف قطرها ألف كيلومتر، رافعة أعمدة من الصهارة والغبار إلى الفضاء.الكوكب بدأ يتفكك.شقوق هائلة امتدت من نقطة التصادم، كأن عطارد يُقطع إلى نصفين. البراكين القديمة استيقظت فجأة، وانفجرت في وقت واحد، محولة السطح إلى بحر من الحمم البركانية.
الغبار والجزيئات المشتعلة ملأت السماء، محجبة الشمس، وتحولت السماء إلى ستارة سوداء متوهجة باللون الأحمر الداكن.الاثنان لم يهتما.كليب اندفع أولاً هذه المرة. جسده تحول إلى ظل هائل، يمتد كأفعى عملاقة عبر الفضاء. ني يان قفز ليلتقيه، خنجره يشق الفراغ. التصادم حدث في الفضاء الخارجي، فوق سطح عطارد مباشرة. الموجة الصدمية الناتجة كانت مرئية من الأرض: وميض أزرق-فضي هائل أضاء السماء لثوانٍ، كأن نجماً جديداً ولد ثم مات فجأة.الاثنان استمرا في القتال داخل الفضاء.جسداهما يدوران حول بعضهما في مدار مؤقت، يتبادلان الضربات بسرعة تفوق الخيال. ني يان يضرب بخنجره، كل طعنة تترك أثراً من الشقوق السوداء في الفضاء نفسه. كليب يرد بقبضات ظلالية، كل ضربة تمزق الفراغ وتخلق فجوات صغيرة تمتص الضوء. كل تصادم يولد انفجاراً من الطاقة يدفع الاثنين بعيداً، فيتطايران عبر الفضاء، يخترقان حزام الكويكبات، يمرّان بجانب المريخ، ثم يستمران في الابتعاد عن الشمس.القتال لم يتوقف.وصلا إلى حافة المجموعة الشمسية، حيث الجاذبية تضعف والظلام يصبح مطلقاً. ني يان هاجم بضربة أفقية هائلة، خنجره يشق الفضاء كشفرة عملاقة. كليب صد الضربة بكلتا يديه، والتصادم أحدث موجة صدمية امتدت لمليارات الكيلومترات، شقت حزام الكويكبات، وحطمت كويكبات كاملة إلى غبار.ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.ني يان رفع خنجره عالياً، والطاقة الزرقاء تجمعت في مقدمته ككرة نارية مظلمة، لكنها لم تكن كرة طاقة عادية. كانت كتلة من الغضب المكثف، تحمل كل ذكرى، كل ألم، كل خسارة. أطلقها نحو كليب، والكرة انطلقت كشهاب أزرق، قطع الفضاء بسرعة تفوق الضوء، شقت الفراغ نفسه، ووصلت إلى كليب في لحظة.كليب رفع يديه ليصد.التصادم لم يكن انفجاراً.
كان تمزقاً.الكرة اخترقت دفاع كليب، ووصلت إلى صدره. الخيوط السوداء الملعونة التي كانت تنبض في جسده تفجرت فجأة، وانتشرت كشبكة من الفراغ المطلق، تمتص الضوء والطاقة والمادة. كليب صرخ لأول مرة، صرخة لم تكن بشرية، بل كانت كصوت تمزق الواقع نفسه.الموجة الناتجة امتدت في كل الاتجاهات.شقت الشمس.للحظة واحدة، بدت الشمس كأنها تُقطع إلى نصفين، شق أسود هائل يمتد من مركزها إلى حافتها، يبتلع الضوء، يمتص اللهب. الشق لم يدم طويلاً، لكنه كان كافياً ليُحدث اضطراباً هائلاً في الجاذبية، يُغير مدار الكواكب للحظات، يرفع موجات هائلة في الغلاف الجوي للأرض، ويُحدث رعدة كونية شعر بها كل كائن حي في المجموعة الشمسية.لكن القتال لم ينتهِ.الاثنان طارا بعيداً عن الشمس، جسداهما يدوران في الفضاء ككرات نارية، يتبادلان الضربات التي تهز الفراغ نفسه. ني يان يضرب بخنجره، كليب يرد بقبضاته الظلالية. كل تصادم يولد موجة صدمية تمتد لمليارات الكيلومترات، تحطم الكويكبات، تشق المدارات، وتُحدث اضطرابات في الجاذبية.وصلا إلى حافة مجرة درب التبانة.لم يعودا يشعران بالمسافات. القتال أصبح مجرد تبادل للقوة المطلقة، ضربات تدمر النجوم البعيدة، انفجارات تضيء أذرع المجرة، شقوق سوداء تمتد عبر ملايين السنين الضوئية. ني يان يهاجم بغضب لا نهائي، كليب يرد ببرودة الفراغ نفسه.الاثنان استمرا.لم يتوقفا.لم يكن هناك منتصر.فقط الدمار، والغضب، والفراغ، يمتدان إلى ما لا نهاية.
الفراغ بين النجوم لم يعد فارغاً. كان يرتجف. كل ضربة بينهما كانت تُحدث تمزقاً في النسيج الذي يربط المادة بالزمن، فتتشقق النجوم البعيدة، وتنحني أشعتها كأنها ألياف تحت ضغط هائل. ني يان لم يعد يقاتل بجسد. كان الغضب نفسه قد صار جسداً، عضلاته تتضخم بكل نبضة، أوردته الزرقاء المظلمة تنبض كأنها أنهار من البرق المجمد. كليب رثيأ، رغم الخيوط السوداء التي تأكل جسده من الداخل، لم يتراجع. عيناه الفضيتان لا تزالان تحملان تلك الابتسامة الباردة، كأنكان يرتجف. كل ضربة بينهما كانت تُحدث تمزقاً في النسيج الذي يربط المادة بالزمن، فتتشقق النجوم البعيدة، وتنحني أشعتها كأنها ألياف تحت ضغط هائل. ني يان لم يعد يقاتل بجسد. كان الغضب نفسه قد صار جسداً، عضلاته تتضخم بكل نبضة، أوردته الزرقاء المظلمة تنبض كأنها أنهار من البرق المجمد. كليب رثيأ، رغم الخيوط السوداء التي تأكل جسده من الداخل، لم يتراجع. عيناه الفضيتان لا تزالان تحملان تلك الابتسامة الباردة، كأنه يرى في كل هذا الدمار مجرد مرحلة أخيرة في لعبة لم يشعر بالملل منها بعد.الاثنان لم يعودا يحسبان المسافات. كانا يتحركان بسرعة تجعل الضوء نفسه يبدو بطيئاً. ني يان اندفع أولاً، خنجره يقطع الفضاء كشفرة سوداء لا ترحم، يترك خلفه شقوقاً تمتص النجوم البعيدة. كليب صد الضربة بكف ظلالية، لكن هذه المرة لم يصمد. الشفرة اخترقت الدفاع، شقت كتفه الأيسر، وقطعت جزءاً من الظلال التي تشكل ذراعه. الدم الظلالي تساقط كقطرات حبر في الفراغ، لكنه لم يتألم. ضحك. ضحكة صامتة، لكنها هزت المجال المغناطيسي حوله حتى انحنت أشعة النجوم القريبة.ني يان لم يعطِ فرصة. قفز نحوه مرة أخرى، جسده يتحول إلى خط أزرق يقطع الفراغ، خنجره يهوي كسكين عملاقة. كليب تفادى بقفزة جانبية، لكن الضربة الجانبية التي تلتها كانت أسرع. الشفرة شقت صدره، مزقت الخيوط السوداء الملعونة، وأحدثت جرحاً عميقاً ينزف ظلالاً كثيفة. كليب تراجع لأول مرة، لكنه لم يسقط. رفع رأسه، والابتسامة على وجهه أصبحت أكثر حدة، كأن الألم يغذيه.الآن بدأ التفوق يميل بوضوح.ني يان لم يعد يضرب بغضب فقط. كان يضرب بإصرار مطلق، كل لكمة تحمل وزن كل لحظة عاشها بدون أخته، كل ليلة نام فيها جائعاً، كل مرة رأى فيها الظلم ولم يستطع فعل شيء. خنجره أصبح امتداداً لإرادته، كل طعنة تقطع ليس جسد كليب فقط، بل الفراغ نفسه. الضربات أصبحت أسرع، أقوى، أكثر دقة. كليب يصد، لكنه يتراجع. كل صد يُكلفه جزءاً من جسده الظلالي، كل تفادٍ يجعله يفقد جزءاً من سرعته.
الاثنان انطلقا عبر الفضاء مرة أخرى، يدوران حول بعضهما في دوامة جنونية. ني يان يضرب بخنجره في خطوط متشابكة، كأنه ينسج شبكة من الشقوق السوداء. كليب يرد بقبضات ظلالية هائلة، كل ضربة تولد فراغاً يبتلع الضوء. التصادمات أحدثت انفجارات من الطاقة أضاءت أذرع المجرة، حطمت نجوماً بعيدة، شقت سدمات، وأحدثت اضطرابات جاذبية هزت مدارات الكواكب البعيدة.وصلا إلى منطقة أكثر كثافة. ثقب أسود حقيقي ظهر أمامهما، ليس بعيداً، بل قريباً جداً. الجاذبية الهائلة بدأت تسحبهما، الضوء حولهما ينحني، الزمن يتباطأ. ني يان لم يهتم. قفز نحوه، خنجره يشق الفراغ المحيط بالثقب. كليب تبعه، ظلاله تتشكل كأجنحة عملاقة ليحارب الجاذبية. الاثنان دارا حول الثقب في مدار محموم، يتبادلان الضربات بينما الجاذبية تحاول سحقهما. كل ضربة كانت تُحدث تمزقاً في الأفق الحدثي، كأن الثقب نفسه ينزف.لكنهما لم يُسحبا. قفزا بعيداً في لحظة واحدة، كأن الجاذبية نفسها استسلمت لهما.الآن لم يعودا في مجرة درب التبانة.كانا في مكان آخر. كوكب مجهول، عملاق، يدور حول نجم أزرق غريب. السطح كان مغطى بمحيطات من المعادن السائلة، والسماء مليئة بأقمار متعددة تتحرك بسرعات غير طبيعية. الجاذبية هنا كانت ثقيلة، لكنها لم تؤثر عليهما. ني يان هبط أولاً، جسده يحفر حفرة عميقة في المعدن السائل. كليب هبط بعده، والاصطدام أحدث موجة صدمية رفعت أمواجاً معدنية هائلة امتدت لآلاف الكيلومترات.القتال استمر.ني يان اندفع، خنجره يشق المعدن السائل كأنه ورق. كليب رد بقبضة ظلالية هائلة، حطم الموجة، لكنه تراجع خطوة. ني يان استغل الفرصة، هاجم بسرعة جنونية، كل ضربة أقوى من سابقتها. كليب يصد، لكنه يتراجع أكثر. الضربات أصبحت أعنف، الأرض تتشقق، المحيطات المعدنية تغلي، والأقمار في السماء تبدأ بالتفكك تحت تأثير الموجات الصدمية.كليب رفع يديه، والظلال تشكلت كأسلحة هائلة بحجم كواكب. سيوف ظلالية، مطارق عملاقة، أجنحة سوداء تمتد لآلاف الكيلومترات. أطلقها كلها دفعة واحدة نحو ني يان. السماء امتلأت بالظلام، والكوكب بدأ ينهار تحت الضغط.
لكن ني يان لم يتراجع.رفع خنجره عالياً. الطاقة الزرقاء تجمعت في مقدمته، لكنها لم تكن كرة. كانت شفرة هائلة، طويلة كالكوكب نفسه، ممتدة عبر الفضاء. أطلقها في ضربة واحدة.السلاش.الشفرة الزرقاء قطعت كل شيء. قطعت أسلحة كليب الظلالية كأنها ورق. قطعت جسد كليب نفسه، شقت صدره، ذراعيه، رأسه. الشفرة لم تتوقف. واصلت طريقها، شقت الكوكب العملاق إلى نصفين، ثم شقت الأقمار، ثم امتدت إلى المجرة نفسها. انفجر الكوكب في انفجار هائل، أضاء الفراغ بضوء أبيض ساطع، ثم تبخرت المجرة بأكملها في موجة من الطاقة والعدم.عندما تبدد الضوء، وقف ني يان وحيداً.جسده ممزق، ذراعه اليسرى مفقودة، صدره مفتوح، لكنه واقف. أمامه، كليب رثيأ... لم يعد موجوداً. الظلال التي كانت تشكل جسده تفتتت، تبددت في الفراغ كدخان. الخيوط السوداء الملعونة تلاشت أخيراً، والفراغ حول ني يان صار ساكناً.لم يكن هناك صوت. لا رعد، لا انفجار. فقط الصمت المطلق.ني يان نظر إلى يده التي لا تزال تمسك بالخنجر. ثم رفع رأسه إلى الفراغ الأسود الذي كان يحيط به. لم يعد هناك كوكب، لا مجرة، لا نجوم. فقط العدم.لكنه كان لا يزال واقفاً.الفائز... ني يان.
نيرو فتحت عينيها ببطء، وأول ما شعرت به كان الألم. ليس الألم الحاد الذي يُصيب الجسد فحسب، بل ألم عميق، كأن شيئاً داخلها قد انكسر ولم يعد يُصلح. ذراعها اليسرى مكسورة، عظمة الكعبرة بارزة تحت الجلد، والدم يتسرب ببطء من جرح عميق في فخذها. لكنها لم تصرخ. لم تتحرك حتى. فقط رفعت رأسها قليلاً، نظرت إلى السماء الرمادية المغبرة، ثم أغمضت عينيها مرة أخرى، كأنها تتأكد من أنها لا تزال على قيد الحياة.ثم تذكرت.بليك.نهضت فجأة، متجاهلة الألم الذي صرخ في عظامها. وقفت على قدم واحدة، متكئة على جدار مبنى محطم، تنظر حولها بذعر. المدينة التي كانت تعرفها لم تعد موجودة. ناطحات السحاب التي كانت تخترق الغيوم أصبحت أكواماً من الحديد المعوج والزجاج المتناثر. الشوارع اختفت تحت طبقة من الركام، والدخان الكثيف يغطي كل شيء، يجعل الرؤية ضبابية. رائحة الحريق والمعدن المحترق تملأ الهواء، ممزوجة برائحة الدم والغبار.«ما الذي... حدث هنا؟» همست لنفسها، صوتها خشن، مكسور. نظرت إلى يديها المرتجفتين، ثم إلى السماء مرة أخرى. «بينما كنت فاقدة للوعي... ما الذي حدث بحق الجحيم؟»لم تجب السماء. فقط صمت ثقيل، متقطع بأصوات بعيدة من انهيارات متأخرة وصراخ خافت لناجين في الضباب.بدأت تتحرك. رغم الألم، رغم الكسر، رغم الدم الذي يتساقط من فخذها، بدأت تمشي. ثم ركضت. كل خطوة كانت تُرسل موجة ألم في جسدها، لكنها لم تتوقف. كانت تعرف الاتجاه. المخبأ. المكان الذي كانوا يقاتلون فيه. المكان الذي كان بليك فيه.عندما وصلت إلى ما كان يُعرف بالمخبأ، توقفت مذهولة. الجبل نفسه لم يعد جبلاً. كان مشطوراً إلى نصفين، كأن سكيناً عملاقاً قطعَه طولياً. الشق كان عميقاً، يمتد من القمة إلى القاعدة، والحطام يتساقط ببطء من الجدارين المتشققين. المبنى الرئيسي اختفى تماماً، تحول إلى كومة من الفولاذ المعوج والخرسانة المحطمة. الدخان لا يزال يتصاعد من الأنقاض، والنار تشتعل في أماكن متفرقة.ثم سمعت أصواتاً. أصوات بشرية.
حية.ركضت نحو المصدر. وجدتهم في ساحة صغيرة بين الأنقاض، محاطين بحطام الجدران والمعادن. ميليوداس كان جالساً على الأرض، إليزابيث متشبثة به، رأسها مدفون في صدره، كتفاه ترتجفان قليلاً. أكيهيكو مستلقٍ على ظهره، يتنفس بصعوبة، وجهه شاحب ومغطى بالغبار والدم. جو يون وهاي يونغ جالسان جنباً إلى جنب، متكئين على بعضهما، يدا واحدة لكل منهما تمسك بيد الآخر. غوست رايدر كان واقفاً، النار في عينيه خافتة، يربط كابتن مارفل المغمى عليها بسلاسل نارية خفيفة حول معصميها. ليون وريبيكا وجيل جالسون في دائرة صغيرة، ينظرون إلى السماء الملبدة بالغيوم السوداء. رأس بابادوك موضوع على صخرة قريبة، عيناه مفتوحتان، وقط الكذب ممدد بجانبه، ينظر إليه بصمت.نيرو توقفت على بعد خطوات، تنظر إليهم جميعاً، ثم صرخت بصوت مكسور:
«ما الذي حدث؟»رفع الجميع رؤوسهم نحوها. الصمت استمر لحظة، ثم تحدث ميليوداس أولاً، صوته منخفض، متعب:
«لقد استيقظتِ أخيراً.»تقدمت نيرو خطوة، صوتها يرتجف:
«أين بليك؟ ما الذي فعله كليب رثيأ؟ لماذا... لماذا المدينة هكذا؟»نظر ليون إليها، عيناه مملوءتان بالإرهاق:
«كليب رثيأ... لم يعد بليك. استولى على جسده تماماً. لقد رأيناه يخرج من الحطام، شعره أبيض، عيناه فضيتان... لم يكن هو. بدأ يسخر منا، يسأل من الأقوى هنا. ثم هاجمته كابتن مارفل عندما استيقظت، لكنه... صدها بيد واحدة، ثم ضربها ضربة ألقتها خارج المخبأ. لم نرَ مثل هذه القوة من قبل.»أكملت جيل، صوتها خافت:
«ثم جاء ني يان. لم يتكلم. لم يهدد. ضرب كليب بخنجره مباشرة. لم يؤثر، لكن كليب قال شيئاً... "أخيراً وجدت من يضاهيني قوة". ثم بدأ القتال.»تدخل ريبيكا، عيناها مفتوحتان على وسعهما:
«لم نرَ شيئاً مثله. كانا يضربان بعضهما بقوة تجعل الأرض تهتز. في البداية كانا هنا، في المخبأ، لكن بعد دقائق قليلة... طارا إلى السماء. رأينا انفجارات هائلة، موجات صدمية تهز المدينة بأكملها. المباني انهارت، الأرض تشققت، السماء انشطرت. ثم... للحظة واحدة، انطفأت الشمس. كأن شيئاً قطعها. ثم عادت. لم تدم الظلمة أكثر من جزء من الثانية، لكننا شعرنا بها جميعاً.»نظرت نيرو إلى السماء، ثم عادت تنظر إليهم:
«ني يان... فعل ذلك؟»أومأ ميليوداس:
«نعم. لقد عرفنا لماذا صار هكذا. أخته... لين... ماتت. لم تمت بسرعة. الحراس... فعلوا بها ما لا يُوصف. رأينا الجثة. غوست رايدر جمعها، وضعها في مكان منفصل بعيداً عن بقية الجثث. لم نستطع حتى أن ننظر إليها طويلاً. ني يان رآها أمامه، ولم يستطع فعل شيء. هذا ما كسره. هذا ما جعله... ما هو عليه الآن.»نظرت نيرو إلى إليزابيث، التي كانت لا تزال متشبثة بميليوداس، وجهها شاحب، جسدها يرتجف قليلاً:
«وأنتِ... لماذا تبدين هكذا؟»رفعت إليزابيث رأسها ببطء، صوتها ضعيف:
«بعد أن رحل الريف فجأة... انشق الجبل الذي بجانبنا إلى نصفين. سقطت علينا كتل هائلة من الحجارة. كنا سنُسحق، لكن قط الكذب... سحبنا بعيداً بسرعته. أنقذنا في اللحظة الأخيرة. لولاه... لما كنتُ هنا.»نظرت نيرو إلى الرأس الموضوع على الصخرة. بابادوك كان لا يزال ينظر إليها بعيون مفتوحة، لكنه لم يتكلم. فقط نظرة صامتة، ثقيلة.«وبابادوك... لماذا هو هكذا؟»تنهد ليون، ثم أجاب:
«قصة طويلة. لقد ضحى بنفسه لينقذ الكتاب من سلابي. قطع سلابي رأسه، لكنه لم يمت. هو جني... لا يموت بسهولة. لكنه الآن... مجرد رأس. يحتاج وقتاً طويلاً ليعود.»نظرت نيرو إلى أكيهيكو، الذي كان جالساً على الأرض، رأسه بين يديه، جسده يرتجف. لم يكن ينظر إليها. كان صامتاً تماماً.تقدمت نحوه، جلست بجانبه رغم الألم:
«أكيهيكو...»رفع رأسه ببطء. عيناه حمراء، مليئة بالدموع. صوته كان مكسوراً، بالكاد يُسمع:
«ليو تشنغ... هرب. مع الكتاب. شمس المعارف. كاكيوين... ضحى بنفسه لينقله بعيداً. استخدم تعويذة الأموات. اختفيا. لم أستطع إيقافه. حاولت... لكن... فشلت. الكتاب... ضاع. بليك... لا نعرف حتى أين هو. كل شيء... ضاع.»بدأ يبكي. لم يكن بكاءً صاخباً. كان بكاءً صامتاً، مريراً، كأن كل ذرة في جسده تنهار.وضعت نيرو يدها على كتفه، رغم الألم الذي يعتصر ذراعها:
«أنا... لست غاضبة منك. لقد فعلتَ ما استطعتَ. نحن جميعاً... فعلنا ما استطعنا.»رفع أكيهيكو رأسه، نظر إليها بعيون دامعة:
«لكن... ماذا سنفعل الآن؟»لم تجب نيرو فوراً. نظرت إلى الجميع، إلى الحطام من حولهم، إلى السماء الملبدة، إلى الرأس الموضوع على الصخرة.ثم فجأة... اهتز الهواء.فتحت بوابة سوداء صغيرة في الفراغ أمامهم، كأن الواقع نفسه انشق. خرج منها ني يان.جسده ممزق، ذراعه اليسرى مفقودة، صدره مفتوح، الدم يغطيه من الرأس إلى القدمين. لكنه كان يحمل شيئاً. بليك إيثر. الجسد الحقيقي لبليك، فاقداً للوعي، وجهه شاحب، ذراعه اليمنى مفقودة، لكنه لا يزال يتنفس.وضع ني يان بليك على الأرض برفق غريب، ثم وقف صامتاً، ينظر إليهم جميعاً بعيون فارغة.الجميع تجمدوا.نيرو نهضت ببطء، رغم الألم، وتقدمت نحوه خطوة واحدة.«ني يان...»لم يرد. فقط وقف هناك، صامتاً، كأن كل ما تبقى منه هو الصمت نفسه.