حلّ الليل فوق جبال القمة المتجمدة، والرياح تعوي بين القمم الشاهقة، حاملة معها رذاذاً من الثلج الناعم اللاذع. كان الجو شديد البرودة، والعاصفة تشتد بين الحين والآخر، فتغطي السماء بستائر بيضاء متحركة تكاد تحجب الرؤية تماماً. هنا، في أعماق فروست بيك، لم يكن هناك سوى البياض والرمادي، وكأن العالم كله تقلص إلى جليد وريح.
تحرك هوان بين الصخور المتجمدة بخطوات خفيفة لا تكاد تترك أثراً. شعره الأسود القصير، الذي يصل إلى عنقه، كان مربوطاً خلف رأسه بشريط جلدي ضيق استعداداً للقتال، وخصلاته المبللة بالثلج تتطاير مع كل حركة سريعة. بشرته الشاحبة كانت تكاد تندمج مع بياض الثلج المحيط، وكأنه جزء من هذا العالم المتجمد لا روح بشرية تختبئ خلف ملامحه. جسده الطويل، الذي يقارب المئة والثمانية والثمانين سنتيمتراً، كان ينحني بين الصخور كشبح مرن، يخفض قامته ليتلاشى في الظلال.
العاصفة كانت تخفي تحركاته، لكنها في الوقت نفسه كانت تعيق نظره، فاعتمد على ذاكرته أكثر من عينيه وهو يتسلق المنحدرات نحو الطائفة. كانت عيناه الزرقاوان الشاحبتان، كقطعتين من جليدٍ مذاب، تلمعان في العتمة بوهج خافت، وتركيزهما لا يتشتت رغم الريح التي تلسع وجهه.
طائفة Frost Peak Sect-طائفة قمه الصقيع. بدت كقلعة منحوتة من الجليد والظل. أسوارها تختلط بالجبال، بحيث لا تستطيع من بعيد أن تميز أين ينتهي الجبل وتبدأ القلعة. كان أبيض وبارداً، وكأن الحياة نفسها تتجمد في هذا المكان.
دخل هوان إلى الغرفة بصمت تام. أمامه، كان حفيد قائد الطائفة نائماً على سريره، غطاؤه من الفرو الأبيض، وشعره الذهبي المنتشر على الوسادة يبدو كالنقطة الوحيدة الدافئة في تلك العتمة. الشاب كان في العشرينات من عمره، أصغر من هوان بثماني سنوات تقريباً. لم يكن هوان يعرف لماذا أرسلته المنظمة إلى هنا، ولم يسأل. عنده مهمة، ومهمة المغتال أن يخلص شغله وينتهي.
وقف فوق السرير، وأخرج سيفه القصير، ووضعه على عنق رونان.
لكن الحفيد فتح عينيه على الفور. لم يتحرك بشكل مفاجئ، لكنه نهض بحركة بسيطة حين شعر بتغير الجو. كان رونان ذكياً للغاية، ورغم أن هوان مغتال ماهر استطاع قتل أشخاص أقوى من حفيد الطائفة بمراحل، إلا أن رونان أحس بوجوده. رفع رأسه بهدوء، ونظر إلى عيني هوان والسيف مرسوم على عنقه.
قال هوان بصوت خافت وثابت: "لا تتحرك."
لكن رونان لم يتحرك، ولم يحاول الهرب. هو ببساطة تقبل المصير، ورمق هوان بنظرة غريبة، وكأنه مستوعب لكل شيء.
قال رونان بصوت منخفض لكنه واضح: "حتى الآن… ما زلت تنفذ أوامرهم دون أن تسأل؟"
لم يرد هوان. بقي واقفاً، وسيفه القصير عند رقبة رونان، حتى هو لم يدرِ لماذا توقف ليسمع كلامه.
أضاف رونان: "توقعت ذلك.. لا تندم لاحقا.."
لم يكن هناك وقت للتفكير. ضغط هوان على السيف القصير، وأنهى المهمة في صمت، ثم انزلق خارج الغرفة وغادر الطائفة قبل أن ينتبه إليه أحد.
استغرق الطريق من Frost Peak Sect إلى مدينتهم يوماً كاملاً. سافر بين السهول المغطاة بالثلوج أولاً، ثم نزل تدريجياً إلى المناطق الأدفأ حيث تتحول الأرض إلى تراب وأعشاب جافة، وتخف الغيوم. عالم الموريم واسع، وكل منطقة لها طابعها، لكن السفر هنا كان شاقاً، خصوصاً لمن يسافر بمفرده ولا يريد أن يترك أثراً. يوم كامل من الصمت، من الريح، ومن التفكير الفارغ. لم يكن هناك ما يشغل بال هوان سوى الطريق أمامه.
وصل إلى المدينة عند الغروب. كانت صاخبة، مليئة بحركة التجار وأصوات الباعة، لكن هوان لم يلتفت إليهم، ومضى مباشرة إلى المنظمة.
حالما وصل، رأى أحد المغتالين الذين تدرب معهم، فقال له ذاك الشخص: "هم بحاجه اليك في غرفه الاجتماعات."
توجه هوان إلى هناك دون أن يسأل.
دخل غرفة الاجتماعات، فوجد القادة مجتمعين حول الطاولة المستديرة: الشيخ هارون على رأسهم، شعره الأبيض ولحيته الطويلة تلامس صدره، وعيناه الغائمتان تخفيان وراءهما حدّة نادرة. إلى يمينه جلس القائد يون، رجل في الأربعين، جسمه ممشوق ووجهه كالصخر. إلى اليسار كانت القائدة سيرين، شعرها الأسود الكثيف ينسدل على كتفيها، وملامحها المنحوتة كتمثال لا يُقرأ. أما الكرسي الرابع فكان يشغله القائد جين، الضخم الجثة ذو اللحية غير المرتبة، وعضلاته تكاد تمزق ثوبه.
استغرب هوان قليلاً، لأن اجتماعات القادة نادراً ما تضمهم جميعاً، لكنه لم يشك في شيء، وتوقع أنهم سيكافئونه أو يعطونه شيئاً لقاء آخر مهمة.
تحدث الشيخ هارون بصوته الهادئ العميق: "أنت انتهيت آخر مهمه.. الحين راح تترقى وتصير معلم.."
ثم نظر الشيخ هارون إلى القائد جين، وأعطاه إشارة بسيطة. نهض جين من مقعده، واقترب من هوان بخطواته الثقيلة التي جعلت الأرض تهتز قليلاً، وبيده صندوق خشبي صغير منقوش بزهور فضية. سلمه الصندوق إلى هوان، ثم عاد إلى مكانه.
شعر هوان ببعض الارتياح، لأنه أخيراً سيتوقف عن كونه مغتالاً، ويصير معلماً.
لكنه ما إن فتح الصندوق، حتى انبعث منه دخان سمّي لزج، شلّ جسده بسرعة لم يتوقعها. انصدم هوان، لأنه يمتلك مقاومة لأكثر من مئتي نوع من السموم، فلم يفهم ما حدث. بدأ جسده يرتجف، وسقط على ركبتيه، وعجز عن التنفس.
نظر إلى من في الغرفة، فرأى بعضهم يبدون مستأنسين، وآخرين لا تظهر على وجوههم أي ردة فعل. ركز نظره على قائد المنظمة، فرآه يضحك.
قال قائد المنظمة بصوت بارد: "هذي هديه الوداع.."
ثم سقط هوان بالكامل، ولم يتوقف عن النضال. كان يحاول أن يفهم لماذا فعلوا به هذا، وهو الذي سمع طلبهم ونفذه. لكن لم تكن هناك إجابات لأسئلته. أغلقت عيناه.
وقبل أن يموت تماماً، سمع صوت امرأة تقول: "لا تموت الحين.. أنا احتاجك.."
لكنه لم يستوعب، وأغمض عينيه ومات ـ أو هكذا ظن.
لكنه فتح عينيه.
وجد نفسه في طائفة Frost Peak Sect مرة أخرى، تحت نفس العاصفة، ونفس الثلج، ونفس الرؤية المشوشة.
استغرب وقال: "ليه أنا هنا؟ أنا كنت بالقاعه عند القاده الباقين قبل يقتلوني.."
أصابه صداع خفيف، فأخذ يتأمل المكان.
'معقوله حلم؟ او رويه؟'
تردد قليلاً، ثم قال في نفسه: 'شكله حلم او شي..' وقرر أن يكمل كما لو أن شيئاً لم يحدث.
ذهب إلى الطائفة، وتسلق الجدار الجليدي بنفس الخطوات، ودخل من نفس النافذة، ورأى رونان نائماً على سريره من الفرو الأبيض، وشعره الذهبي المنتشر كأشعة الشمس الضائعة في الليل.
وقف فوقه، وأخرج سيفه القصير، ووضعه على عنقه.
هذه المرة، وهو يرى المشهد يتكرر أمامه حرفياً، شعر بشيء غريب يتملك صدره. لم يكن خوفاً، ولم يكن تردداً، بل شعور غامض كأنه يعيش حلماً وهو مستيقظ، كأن الزمن عالق في دائرة لا تنتهي. كل زاوية في الغرفة كانت كما يتذكرها، حتى طريقة سقوط الضوء من النافذة كانت متطابقة. كان يعرف بالضبط متى سيتحرك رونان، وماذا سيقول، وكيف ستنظر عيناه إليه.
فتح رونان عينيه كما حدث من قبل.
قال هوان بصوت خافت: "لا تتحرك."
لكن هذه المرة، في داخله، كان يتساءل: لماذا أنا هنا؟ لقد رأيت هذا من قبل. عشت هذا الموت. فلماذا أعود لأفعله مجدداً؟
قال رونان بصوته المنخفض الواضح: "حتى الآن… ما زلت تنفذ أوامرهم دون أن تسأل؟"
صمت هوان. بقي واقفاً، والسيف القصير عند رقبة رونان، والنظرات الجامدة ترنو إلى عينيه. كان يعرف ماذا سيأتي بعد ذلك. كان يعرف الجملة التالية قبل أن يقولها رونان. وهذا ما زاد ارتباكه.
أضاف رونان: "توقعت ذلك.. لا تندم لاحقا.."
ضغط هوان على السيف القصير. لكنه وهو يفعل، لاحظ أن يده كانت ترتجف قليلاً هذه المرة. لم يحدث من قبل. لم تكن يده ترتجف أبداً. لكنه الآن كان يشعر بأنه مجرد ممثل في مسرحية كتبها شخص آخر، وأن كل ما يفعله لا يغير شيئاً، كأنه عالق في تكرار أعمى.
أنهى المهمة بصمت، وغادر الطائفة. وفي طريقه إلى الأسفل، بين العاصفة الثلجية التي تعوي من حوله، وقف للحظة وتأمل السماء الملبدة بالغيوم، محاولاً أن يستوعب ما يحدث. كان يعرف أن هذا ليس حلماً. الأحلام لا تكون بهذه التفاصيل، ولا تحمل هذا الألم الحقيقي. كان شيئاً آخر، شيئاً لا يفهمه بعد.
لكنه أكمل الطريق، لأنه لم يكن لديه خيار آخر. أين يذهب؟ كيف يهرب من شيء لا يفهمه؟
بعدها عاد إلى منظمته، وعندما وصل، رأى المغتال نفسه الذي تدرب معه، فقال له: "هم بحاجه اليك في غرفه الاجتماعات..."
توجه إلى الغرفة. وفي طريقه، كان كل شيء يحدث تماماً كما في الحلم، من دون أي اختلاف. نفس الممرات، نفس الإضاءة الخافتة، حتى رائحة الهواء كانت متطابقة. هذا الشعور كان يضغط على صدره، يجعله يتنفس بصعوبة، وهو يحاول أن يقنع نفسه أنه ربما كان مجرد حلم غريب، أو رؤيا عابرة ليس لها معنى.
لكن مع كل خطوة، كان الحلم يتحول إلى واقع. الأبواب بنفس الزوايا، الأصوات بنفس النغمات البعيدة، حتى درجة حرارة الجو كانت كما يتذكرها.
دخل غرفة الاجتماعات، فوجد المجلس نفسه: الشيخ هارون على رأس الطاولة، القائد يون إلى يمينه بوجهه الصخري، القائدة سيرين إلى اليسار بعينيها المعلقتين على الأرض، والقائد جين في كرسيه الضخم.
تكلم الشيخ هارون بنفس الكلام: "أنت انتهيت آخر مهمه.. الحين راح تترقى وتصير معلم.."
نظر الشيخ هارون إلى القائد جين، وأعطاه الإشارة نفسها. نهض جين، واقترب بالصندوق نفسه، بنفس الخطوات الثقيلة التي هزت الأرض.
وقف جين أمام هوان، والصندوق ممدود بين يديه.
تردد هوان. هذه المرة، لم يكن تردداً عابراً. وقف ينظر إلى الصندوق كمن ينظر إلى فم ثعبان، وعيناه تتسعان قليلاً، ويداه تبقى معلقة في الهواء دون أن تتحرك لتناوله. في رأسه، كانت الأحداث تتزاحم: الدخان الأزرق، الألم في رئتيه، سقوطه على ركبتيه، صوت المرأة التي قال له "لا تموت الحين". هل كان حلماً؟ هل كانت مجرد كابوس؟ لكنه تذكر الألم بوضوح، تذكر طعم السم في حلقه، تذكر البرودة التي تسللت إلى جسده وهو يموت. لا يمكن أن يكون حلماً بهذه التفاصيل. لا يمكن للذهن أن يخلق هذا الواقع المتقن.
لكن إن لم يكن حلماً... فما هو؟ كيف عاد؟
لاحظ الشيخ هارون تردده، وراح ينظر إليه بعينيه الغائمتين، ثم قال بصوته الهادئ الذي يخفي خلفه برودةً معدنية: "في مشكله؟"
هز هوان رأسه بسرعة، وحاول أن يبتسم ابتسامةً تخفي ارتباكه، لكنها كانت متوترة، ويداه ما زالتا مرتفعتين دون أن تلمسا الصندوق: "أنا بخير بس مصدوم شوي لان ما توقعت هديه مع ترقيه.."
مد يده ببطء، وتناول الصندوق. كان أخف مما توقع، لكنه في داخله كان ثقيلاً كالجبل. نظر إلى النقوش الفضية على غطائه، ورأى انعكاس وجهه المشوه عليها. تنفس بعمق، ثم قرر أن يختبر حلمه.
فتح الصندوق، لكنه هذه المرة كتم نفسه احتياطاً، وأدار وجهه قليلاً إلى الجانب.
انبعث نفس الدخان الأزرق الكثيف، تصاعد منه كسحابةٍ سامة، وبدأ ينتشر في الهواء أمامه.
وهنا، في هذه اللحظة، توقف كل شيء في داخله.
كان يعرف هذا الدخان. كان يعرفه لأنه استنشقه من قبل، وتذوق موته من بعده. لم يكن حلماً. لم تكن رؤيا. كل ما رآه، كل ما شعر به، كان حقيقياً. الموت كان حقيقياً. السم كان حقيقياً. والخيانة كانت حقيقية.
تحركت يداه بأسرع مما توقع، ورمى الصندوق على الأرض بقوة، فارتطم بخشبه وانكسر، وتناثر الدخان في الهواء وبقي يذوب ببطء في الغرفة.
ثم رفع هوان عينيه ونظر إلى القادة.
نظرة مرتبكة، ممزوجة بالأذى. لم يكن يعرف لماذا، لم يكن يعرف كيف، لكنه كان يعرف الآن أنهم قتلوه. وأنه عاد ليرى ذلك بأم عينيه. كان ينظر إليهم كمن رأى الموت ثم عاد ليسأل القتلة لماذا فعلوا به ذلك.
وجهه كان شاحباً، وجبينه يقطر عرقاً، وعيناه تتسعان وهو يحاول أن يستوعب: هم الذين قتلوه. وهؤلاء هم الذين يضحكون عليه الآن. وهو واقف أمامهم، حياً، بعد أن كان ميتاً بين أيديهم.
لم يقل شيئاً. فقط وقف ينظر، والصدمة ترتسم على ملامحه كالقناع، بينما الدخان الأزرق لا يزال يتلاشى في الهواء من حوله.
هنا انصدم الحاضرون. التفت الشايب إلى الرجل الضخم وصاح: "ماذا تنتظر؟ اقتله قبل ما يستخدم تلك القدره!"
اندفع الرجل الضخم كالصاعقة، وسيفه العريض انشق الهواء بقوة هائلة. هوان رفع سيفه القصير ليتصدى، لكنه ما إن تلامست الشفرتان حتى شعر بموجة من الضغط تسللت من نصل الخصم إلى ذراعه، وكأن ألف كيلوغرام من الجليد سقطت على كتفه. لم تكن مجرد قوة بدنية؛ كانت قوة داخلية هائلة، تتدفق من جوف الرجل الضخم كالنهر الجارف، تضغط على هوان من كل اتجاه وتجعل تنفسه أثقل.
تراجع هوان بضع خطوات، وهو يحاول تعديل وقفته. الرجل الضخم لم يمنحه فرصة؛ اندفع مجدداً، وسيفه نزل كالمطرقة، وهوان اضطر إلى المراوغة بدلاً من التصدي المباشر. لكن الضغط الداخلي للخصم كان يحيط به كالقفص، يحد من حركته ويجعل كل خطوة أثقل من التي قبلها. كلما اقترب السيف، شعر هوان وكأن الهواء نفسه يزداد كثافة ويضغط على رئتيه.
لم يكن أمامه خيار. أغمض عينيه للحظة، وركز طاقته الداخلية، ثم فتحهما وحدقة عينه اليسرى تحمل علامة هلالٍ أسود صغير، يتلألأ كظلمةٍ حية. فن وريد القمر — الفصل الأول: قمر جديد. زادت سرعته فجأة، وأصبحت تحركاته أخف، كأن جسده أصبح ظلاً ينزلق بين ضربات الخصم. تمكن من المراوغة تحت ذراع الرجل، وسيفه القصير خطف نحو جنبه، لكن الضخم كان أسرع مما بدا، وأدار جسده بثقلٍ مفاجئ، وتصدى للضربة بقوة دفعت هوان إلى الوراء مجدداً.
القادة كانوا يراقبون من خلف الطاولة المستديرة. الشيخ هارون جالس بظهرٍ مستقيم، عيناه الغائمتان تتابعان كل حركة بهدوء نادر، وابتسامة باردة مرسومة على شفتيه، كمن يشاهد شيئاً متوقعاً. أما القائد يون، فكانت قبضته مشدودة على ذراع الكرسي، وعيناه تضيقان بتركيز، وكأنه يعد الضربات في رأسه ويحسب متى سينتهي الأمر. القائدة سيرين، بالمقابل، كانت تنظر إلى الأرض، وأصابعها تعبث بطرف ردائها بحركة عصبية، ولم ترفع عينها إلى القتال ولو لمرة واحدة.
أما القائد جين — الرجل الضخم نفسه — فكان وجهه متجمداً كالحجر، لا يعبر عن جهد أو تعب، رغم أن عرقه بدأ يتصبب من جبينه. كان يضغط على هوان بكل هجوم، وسيفه الثقيل ينزل كالسوط، يحاول أن يحصر هوان في زاوية الغرفة.
هوان حاول أن يستغل خفته، أن يدور حول الخصم ويراوغ، لكن القوة الداخلية للضخم كانت تغطي المكان كالشبكة، تضغط على مفاصله وعلى صدره، وتجعل كل خطوة أشبه بالجري في الوحل. مع كل تصادم بين السيفين، كانت رجلا هوان تغوصان في الأرض، وكأن الضغط يدفعه للأسفل.
ثم جاءت اللحظة. انشغل هوان بمحاولة المراوغة إلى اليسار، لكن الخصم كان ينتظر ذلك. انعطف السيف العريض فجأة بزاوية لم يتوقعها هوان، واخترق جنبه الأيمن، ومضى النصل عميقاً قبل أن ينسحب بسرعة.
سقط هوان على ركبتيه، ويده اليسرى ضغطت على الجرح النازف، بينما اليمنى ما زالت ممسكة بالسيف الذي بدأ يرتجف. الدم تسرب بين أصابعه، ودبّر الأرض تحته بلونٍ أحمر قاتم.
استلقى على الأرض، وبدأت عيناه تترفرف. كان يعلم أنه لن يستطيع النهوض. الجرح عميق، والخصم لا يزال واقفاً فوقه كالجبل، ينتظر الإشارة النهائية.
رفع هوان بصره إلى القادة. الشيخ هارون كان الآن يبتسم ابتسامة عريضة، ويداه تتشابكان على الطاولة كمن أنهى جلسة عمل راضية. القائد يون أرخى قبضته واستند إلى ظهر الكرسي، وارتفع طرف شفته بعلامة ارتياح. أما سيرين، فرفعت عينها للحظة، نظرت إلى الجسد الممدد على الأرض، ثم حولت بصرها إلى الحائط، ووجهها لا يعبر عن شيء.
حس هوان بأن شيئاً كهذا حدث من قبل. نفس الألم، نفس السقوط، نفس الوجوه الباردة من حوله.
رفرفت عيناه وهما تنغلقان، وقبل أن يسلم روحه، سمع صوت المرأة مرة أخرى، أقرب هذه المرة، أوضح، كأنها تقف فوقه تمامًا.
قالت: “انجُ هذه المرة.”
ثم أغلقت عيناه.
السلام عليكم.
هذا أول فصل من الرواية، وأبي آراءكم بصراحة. هل أسلوب الكتابة مناسب، أو يحتاج تعديل؟ وإذا فيه ملاحظات على السرد، الحوارات، القتال، أو سرعة الأحداث، أتمنى تكتبونها. أي نقد يساعدني أطور الرواية
وعندي سؤال ثاني: بالنسبة لأسماء الطوائف، هل تفضلون تكون بالإنجليزية (مثل Frost Peak Sect ) أو بالعربية (مثل طائفة قمة الصقيع )؟ أو الأفضل أكتب الاسمين معًا؟