فتح هوان عينيه.
وجد نفسه واقفاً في العاصفة الثلجية، عند طائفة قمه الصقيع، للمرة الثالثة. نفس الريح تعوي، ونفس الثلج يتساقط بغزارة، ونفس البرودة تخترق رداءه الأسود وتلامس بشرته الشاحبة كأنها تذكره بأنه ما زال حياً... أو ما زال يعود للحياة.
رفع يده ونظر إليها. كانت سليمة، ليس فيها أثر للدم الذي سال منها قبل لحظات. جسده لم يكن مجروحاً، ولا يعاني من ألم السم الذي ذاقه. وقف صامتاً، وترك العاصفة تلطم وجهه، وعيناه الزرقاوان الشاحبتان تحدقان في الفراغ وهو يحاول أن يستوعب.
بدأ يفكر.
أنا مت. مت مرتين. ورجعت للزمن. رجعت إلى هنا، إلى هذه اللحظة، مرتين.
لكن كيف؟ لماذا؟ وماذا يعني هذا؟
لم يكن لديه إجابات. لكن الأسئلة بدأت تتزاحم في رأسه كالثلج المتساقط من حوله.
ليش أنا أقدر أرجع بالزمن؟ ومين صوت المرأة اللي همست لي مرتين؟ "لا تموت الحين.. أنا احتاجك.." ثم "انج هذه المره.."
وماذا قصدت بأنها تحتاجني؟ وأين هي؟ ولماذا تظهر لي فقط عندما أموت؟
ضغط على صدغيه بيديه، وشعر بصداع خفيف يبدأ بالنبض خلف عينيه. كان التفكير يؤلمه، خصوصاً أنه لم يعتد على طرح الأسئلة. كان سؤاله الوحيد: "أين الهدف؟" والباقي كان صمتاً وتنفيذاً.
لكن الموت يغير الأشياء. الموت مرتين يغير أشياء كثيرة.
تنفس بعمق، وقرر أن يوقف التفكير الآن. لم يكن لديه وقت للجلوس والتأمل في العاصفة. كان يعرف أن الحفيد سيكون نائماً في غرفته، وأن الأحداث ستعيد نفسها ما لم يفعل شيئاً مختلفاً. وهوان، رغم ارتباكه، شعر أن هذه المرة عليه أن يفعل شيئاً مختلفاً.
الحفيد قال شي... قال "توقعت ذلك" و"لا تندم بعدين"
ربما كان رونان يعرف أكثر مما يظهر. ربما كان هو المفتاح لفهم ما يحدث.
شد هوان رداءه حول جسده، وانطلق نحو الطائفة. تسلق الجدار الجليدي بنفس الخطوات السريعة، ودخل من النافذة نفسها. كل شيء كان كما هو: الغرفة المظلمة، أنفاس النوم المنتظمة، الضوء الخافت المتسرب من النافذة. لكن هذه المرة، عيناه الزرقاوان كانتا تبحثان عن شيء مختلف. كان يراقب الحفيد بعناية، ويلاحظ أن تنفسه كان منتظماً أكثر من اللازم. منتظماً بشكل مصطنع.
إنه يتظاهر بالنوم.
وقف هوان فوق السرير، والسيف القصير في يده، لكنه لم يضعه على عنق رونان هذه المرة. وقف ينظر إليه بضع ثوان، ثم قال بصوت منخفض ولكنه حاد:
"اعلم بانك مستيقظ.. كف عن التظاهر."
فتح رونان عينيه ببطء، ونظر إلى هوان. نظرته كانت هادئة، شبه مبتسمة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة. لكنه لم يتكلم. كان يراقب هوان كما يراقبه هوان، عيناه الذهبيتان تلامسان عيني هوان الزرقاوين في صمت ثقيل.
مرت ثوان. ربما أكثر من عشر. الغرفة كانت هادئة، والرياح تعوي من الخارج كذئاب جائعة، والثلج يتكاثف على النافذة.
قرر هوان أن يكسر الصمت. كان يعرف أن الوقت ليس في صالحه، وأن كل لحظة تمر قد تكون اللحظة التي يقرر فيها القادة أنه تأخر. لكنه لم يستطع أن يقتل رونان مجدداً دون أن يفهم.
قال هوان بصوت منخفض: "أنت تعرف شي؟ عن الوحده السريه Moon Blade Pavilion- جناح النصل القمر؟ كيف عرفت فيها.."
ارتفع حاجب رونان قليلاً، ونظرة الدهشة عبرت وجهه للحظة قبل أن يعود هادئاً. قعد ببطء، وسحب غطاء الفرو عنه، وجلس على حافة سريره. لاحظ هوان الحركة، وأمسك بسيفه الصغير بشكل غريزي، لكنه لم يوجهه نحوه.
نظر رونان إلى هوان، ثم قال بصوته الهادئ: "لا ما اعرف الكثير عن الوحده السريه بس.."
سكت. وقفة مطولة. في الخارج، اشتدت العاصفة فجأة، وضربت الرياح النافذة بعنف، كأنها تحاول الدخول إلى الغرفة.
أكمل رونان: "حلمت فيهم.. قبل اشهر إني بموت من قبلهم.. بالبدايه شكيت بس لان ذي خامس مره تجيني الرؤيه فأنا ما وقفت بحث إلا يوم اكتشفت إن في وحده سريه داخلهم.. الوحده السريه هي Silver Moon Sect- طائفة القمر الفضي. المشهوره بمساعدتها الفقراء والمساكين وأنها حتى ترسل تلاميذها عشان تحمي القرى.. أظن عشان كذا يبون يقتلوني.."
استمع هوان في صمت. كل كلمة قالها رونان كانت تزيد ارتباكه. خمس مرات؟ رويه؟ كيف هذا؟
واصل هوان التفكير، يحاول أن يربط الأشياء ببعضها. لم يكن يعرف رونان، ولم يثق به، لكن ما قاله كان يتطابق مع ما رآه وسمعه. أو ربما كان مجرد مصادفة. أو ربما كان رونان يكذب.
اقترب هوان خطوة من السرير، وعيناه الزرقاوان تضيقان بتركيز. "روياك.. كيف؟ قاىد العشيره قال انك ما تملك نواه داخليه.. وان جسدك ضعيف.."
ارتفع حاجب رونان مجدداً، وهذه المرة كانت الدهشة أكثر وضوحاً. نظر إلى هوان وكأنه يحاول أن يفهم لماذا يسأل، ولماذا لم يقتله بعد. ثم هز كتفيه بهدوء، وقال: "أنا بنفسي ما ادري.. ولدت بذي الطريقه.."
سكت رونان، ثم نظر إلى هوان بنظرة مختلفة. نظرة لا تحتوي على خوف، بل على فضول.
"الحين ليه ما تقتلني؟"
نظر هوان إلى السيف القصير في يده، وتذكر الألم الذي شعر به مرتين، والموت الذي ذاقه مرتين، والخيانة التي عاشها مرتين. لم يرد على سؤال رونان. بدلاً من ذلك، هز كتفيه، وجلس على حافة السرير إلى جوار رونان، لكنه بقي ممسكاً بالسيف القصير، كمن لا يزال مستعداً لأي شيء.
هوان، في العادة، لم يكن مهماً أو متردداً. كان ينفذ ويذهب، لا يسأل ولا يتوقف. لكن بعد أن مات مرتين، صار يريد أن يفهم قبل أن يخطو أي خطوة. كان يشعر أن كل خيار سيأخذه الآن قد يحدد ما إذا كان سيعيش أو يموت مجدداً.
جلَسا هكذا في صمت، والرياح تعوي بشدة، والثلج يتساقط بغزارة، والنافذة ترتجف من قوة العاصفة. الظلام يملأ الغرفة، وضوء القمر الباهت بالكاد يخترق الغيوم الكثيفة.
هل المنظمة تعرف عن قدرة الحفيد؟ عن رواياه؟
لو كانوا يعلمون، لكانوا أخبروني. أو لكانوا أرسلوا شخصاً آخر. أو ربما لم يخبروني لأنهم لا يريدونني أن أعرف. أو يمكن... يمكن أنهم لا يدرون أصلًا. يمكن أن رونان هو الوحيد الذي يعرف عن نفسه، وأن المنظمة تريد قتله لسبب آخر تماماً. أو يمكن أنهم يعلمون ويخفونه، ويريدون التخلص منه قبل أن يستخدم قدرته ضدهم.
كانت الأسئلة تتزاحم في رأسه، لكنه لم يظهر شيئاً على وجهه. بقي جالساً على حافة السرير، ممسكاً بسيفه الصغير، وعيناه نصف المغلقتين تخفيان وراءهما سرعة تفكير لا تتوقف.
ورغم انشغاله بهذه الأفكار، كانت حواسه شغالة كعادتها. كان يسمع بوضوح عواء الريح خارج النافذة، وقع الثلج المتكاثف على الزجاج، وأنفاس رونان المنتظمة إلى جانبه. كان يشعر ببرودة الغرفة تتسلل تحت ردائه، وبوزن السيف في يده، وبحركة الأرض تحت قدميه. كان مستعداً لأي طارئ، وأي حركة مفاجئة من رونان، وأي صوت غريب خارج الباب.
لكن الغرفة بقيت صامتة، ورونان لم يتحرك.
هوان كان لا يزال يفكر. يحاول أن يجد خيطاً يربط بين كل هذه الأحداث الغامضة التي تحدث له منذ أن دخل هذه الطائفة أول مرة.
وضع هوان سيفه القصير على السرير، بينه وبين رونان، وتمدد إلى الخلف قليلاً، كمن يحاول أن يسترخي رغم أن كل عضلة في جسده كانت مشدودة.
نظر رونان إلى السيف، وتحديداً إلى مقبضه. كان المقبض منحوتاً بشكل غريب، بخطوط دقيقة تبدو كأوراق شجر متجمدة. مد رونان يده ببطء ليتفحصه عن كثب.
لاحظ هوان ذلك، ومد يده ليسحب السيف قبل أن يلمسه رونان.
لكنه تأخر ثانية واحدة.
لمست أصابعهما بعضها للحظة قصيرة جداً — مجرد تلامس خفيف، لا يكاد يُحس به.
وفجأة، سمعا صوتاً.
صوت امرأة، واضحاً وقريباً، كأنها تقف بينهما، تقول:
"النجده.."
تجمد هوان مكانه. عرف هذا الصوت. كان نفس الصوت الذي همس له مرتين وهو يموت. صوت المرأة التي قالت له "لا تموت الحين" و"أنجو هذه المره"
نظر إلى رونان، ورأى الدهشة ترتسم على وجهه أيضاً.
سأل رونان بصوت خافت: "مين الي يطلب مساعده؟"
استغرب هوان، ووسع عينيه. "انت سمعت صوتها؟"
أومأ رونان برأسه ببطء. "اي وكانت تطلب المساعده.."
وقف هوان للحظة يفكر. الرابط. هناك رابط بينه وبين رونان، شيء يجعلهما يسمعان الصوت نفسه عندما يلمسان بعضهما.
قال هوان: "يوم لمست يدي سمعنا صوتها.. خل نجرب مره ثانيه!"
ومد يده بسرعة، وأمسك معصم رونان بقبضة حازمة.
مرت لحظة صمت، ثم سمعا الصوت مجدداً، لكن هذه المرة كان أوضح، وأطول، وكأنها تتحدث مباشرة إليهما:
"أنا محبوسه داخل مكان.. لا اعلم اين أنا.. النجده.. هوان.. رونان.."
ما إن نطقت اسميهما معاً، حتى سعل رونان فجأة، وخرجت قطرة دم من فمه على شفتيه السفليتين، كأن الكلمات ضربته كالصاعقة.
أطلق هوان معصمه بسرعة، ونظر إليه بصدمة. "أنت بخير؟"
مد رونان يده إلى المنضدة بجانب سريره، وتناول منديلاً من القماش الأبيض، ومسح الدم بخفة. كان وجهه شاحباً، لكنه ابتسم ابتسامة رقيقة وأجاب: "أنا بخير.. بس ما علينا.. الي صار تو.. وش كان؟"
سكت هوان. لم يرد على سؤال رونان. كان غارقاً في أفكاره، عيناه الزرقاوان الشاحبتان مثبتتان على الفراغ، يحاول أن يربط الخيوط في رأسه. الرابط بيني وبين رونان... لماذا سمع صوتها عندما لمست يده؟ لماذا نادت باسمي أنا، ثم باسمه هو؟ وما العلاقة بين صوتها وروياه التي يراها؟
كان يفكر بصوت مرتفع داخل رأسه، لكنه لم ينطق بكلمة.
نظر رونان إلى هوان، وقرأ على وجهه ذلك الصمت الثقيل، ثم قال بصوته الهادئ، وكأنه يخاطب نفسه أكثر مما يخاطب هوان: "اسمك هوان؟ هي نادت باسمك.."
رفع هوان عينيه إليه للحظة، لكنه لم يرد.
أضاف رونان بهدوء، وفي نبرته شيء من الاستسلام والفضول معاً: «شكلنا بنكون عالقين مع بعض..»
لكن رغم نبرته الهادئة، كان عقله يعمل بسرعة خلف تلك العيون الذهبية الهادئة. كان يراقب هوان بعناية، يلاحظ كل تفصيلة: طريقة جلوسه على حافة السرير، قبضته على السيف القصير، نظراته الزرقاء التي تارةً تثبت عليه وتارةً تشرّد في الفراغ.
هذا الرجل المفروض يقتلني. لكنه هنا، جالس إلى جانبي، يتحدث معي، يمسك معصمي ويسمع صوت امرأة غامضة معي.
منذ طفولته، كانت رؤى رونان تأتي صادقة. كل ما رآه في أحلامه تحقق: وفاة شيخه قبل أن يمرض، هجوم الوحوش على القرية المجاورة، قدوم غريب يطلب المساعدة. مهما كانت الرؤيا غريبة أو بعيدة، كانت تتحقق بحذافيرها، وكأن العالم كان يسير وفق خطة مرسومة مسبقاً.
لكن هذه المرة كانت مختلفة.
في رؤياي، رأيت مغتالاً يأتي في الليل ويذبحني. رأيت عينين زرقاوين شاحبتين فوقي، وشعراً أسود قصيراً، وسيفاً على عنقي. كان المشهد كاملاً، محدداً، لا غموض فيه. وكان يجب أن يحدث الآن. لكنه لم يحدث.
نظر رونان إلى هوان، ورأى الرجل الجالس إلى جانبه لا يبدو كمن يخطط لقتله. كان يبدو مرتبكاً، حائراً، كمن فقد بوصلته ولم يعد يعرف أي اتجاه يسلك.
لماذا تغيرت الرؤيا؟ ولماذا أنت مختلف، أيها المغتال؟
كان رونان يريد أن يسأل، أن يفهم، لكنه أبقى لسانه مقيداً. كان يعرف أن هذا ليس وقت الأسئلة الكثيرة. كان يعرف أن الرجل الجالس إلى جانبه قد يغير رأيه في أي لحظة ويضع السيف ضد عنقه. فاكتفى بالمراقبة والصمت، عيناه الذهبيتان لا تفارقان وجه هوان، يحاولان أن يقرآ ما وراء تلك الملامح الشاحبة.