1 - وهج طوكيو دوم و الاختيار العشوائي

(1)

إذا كان هناك مكان واحد في العالم يمكنه اختصار معنى "المستقبل"، فهو ملعب "طوكيو دوم" في هذه الليلة.

كان الملعب يضج بصخب لا يمكن لوصف بشرّي أن ينصفه. خمسون ألف حنجرة كانت تصرخ في وقت واحد، ممتزجة مع هتافات الجماهير الافتراضية التي تتابع البث المباشر عبر الإنترنت من مختلف قارات العالم. الأضواء الليزرية الزرقاء والقرمزية كانت تتقاطع في سماء الملعب المغلق، صانعة شاشات هولوغرامية عملاقة ثلاثية الأبعاد تعرض لقطات سينمائية لأشهر المعارك الرقمية.

كانت هذه ليلة افتتاح البطولة السنوية الكبرى للعبة الواقع الافتراضي الأكثر نجاحاً في التاريخ: "أساطير نيرفانا" (Legends of Nirvana) .

لم تكن "نيرفانا" مجرد لعبة فيديو؛ بل كانت عالماً بديلًا متكاملاً يعتمد على خوذات الغوص العصبوني الكامل (Full-Dive VR)، حيث ينتقل وعي اللاعب بالكامل إلى داخل البيئة الرقمية، ليشعر بكل نسمة هواء، وبكل ثقل لسلاحه، وبكل نبضة أدرينالين كأنها واقع حقيقي.

وفي وسط هذا الهياج الجماهيري الأسطوري، كان "ساتومي ريو" يجلس هادئاً في المقعد رقم 204 بالصف الأوسط للمدرجات.

كان ريو يرتدي هوديي داكناً يغطي رأسه جزئياً، واضعاً يديه في جيوب سترته. على عكس الجميع من حوله الذين كانوا يقفون ويقذفون بعصي الإضاءة الملونة في الهواء، كان ريو يراقب العرض بنظرات ساكنة ومحايدة. لم يكن صخب الأضواء يثيره، بل كانت عيناه تلاحقان المؤشرات الفنية المعروضة على شاشات الهولوغرام؛ كان يحلل سرعة إطارات الحركات المتوقعة، ويدرس ثغرات الدفاع في اللقطات المعروضة للاعبين المحترفين بآلية تلقائية غريبة، كأن عقله مبرمج على تفكيك القتالات بدقة متناهية.

(2)

"مرحباً بكم يا شعب نيرفانا العظيم!"

انطلق صوت المذيع الداخلي عبر مكبرات الصوت العملاقة، ليتسبب في موجة هتاف جديدة هزت أركان الملعب. انبعثت منصة هيدروليكية من وسط الحلبة الرئيسية، ليظهر فوقها رجل يرتدي بدلة بيضاء أنيقة ونظارات رقمية متطورة. إنه "دايسوكي"، رئيس اللجنة المنظمة للبطولة العالمية وأحد كبار المسؤولين في شركة الألعاب المطورة.

"الليلة، لا نحتفل فقط ببدء الموسم الجديد،" تابع دايسوكي بابتسامة واثقة، ملوحاً بيده للشاشات. "بل نحتفل بالروح التنافسية التي تجمعنا. وكما عودناكم في كل افتتاح... حان وقت 'تحدي النجم' الاستعراضي الشائع!"

بمجرد أن نطق بكلمة "تحدي النجم"، أظلمت أنوار الملعب بالكامل لثوانٍ، قبل أن تشتعل شاشة الهولوغرام المركزية لتعرض صورة شاب وسيم ذي شعر فضي مصفف بعناية، يرتدي درعاً جلدياً أسود ويحمل سيفاً طويلاً يشتعل بنيران رقمية حمراء.

"المصنف الأول في اليابان... بطل الهجوم السريع ولقب 'النصل المشتعل'... كايتووو!"

انفجر الملعب بالصراخ مع دخول "كايتو" إلى الحلبة الحقيقية، مرتدياً خوذة الغوص العصبوني الذهبية الخاصة به، وهو يبتسم بثقة مفرطة ونرجسية واضحة للكاميرات التي تحيط به. بالنسبة لكايتو، هذا التحدي الاستعراضي كان مجرد فقرة ترويجية إضافية يستعرض فيها مهاراته ويسحق مبارزاً هاوياً ليزيد من شعبيته أمام ملايين المتابعين.

(3)

وقف دايسوكي بجانب كايتو، وأمسك بجهاز تحكم لوحي مشع: "قوانين التحدي هذا العام ستكون مختلفة وأكثر إثارة! خريطتنا الليلة هي 'وادي التنانين الخضراء'... أرض عشبية شاسعة، يشقها نهر سريع وجبال صخرية شاهقة. والوقت المحدد للمواجهة هو 10 دقائق فقط كحد أقصى! إذا صمد المتحدي لـ 10 دقائق دون أن يموت، أو إذا تمكن من هزيمة كايتو... فسينال جائزة قدرها مليون ين ياباني!"

تلهف الجمهور لسماع قيمة الجائزة الضخمة لمباراة استعراضية مدتها عشر دقائق فقط.

"والآن..." رفع دايسوكي يده إلى الأعلى، وبدأت كشافات الإضاءة العملاقة (Spotlights) تتحرك بشكل عشوائي وسريع فوق المدرجات الشاسعة، وسط حبس الأنفاس من آلاف المشجعين الذين يتمنون أن يقع الاختيار عليهم. "دعونا نختار ضحيتنا... أقصد متحدينا الليلة من بين الجمهور!"

كانت الأضواء تتنقل بين المقاعد بسرعة خاطفة، والعداد التنازلي على الشاشة الكبرى يتحرك: 5... 4... 3... 2... 1...

تِك!

توقفت حركة الكشافات فجأة، وانطلق شعاع ضوئي أبيض مكثف وعمودي من سقف الملعب، ليسقط مباشرة وفوق مقعد محدد، محولاً الظلام المحيط به إلى نهار ساطع.

(4)

تراجع الطلاب والمشجعون الجالسون في المقاعد المجاورة إلى الخلف بنظرات مليئة بالحسد والذهول، بينما ظل الشخص المستهدف جالساً في مكانه دون حركة.

كان الشعاع يسقط على المقعد رقم 204. على ساتومي ريو .

رمش ريو ببطء، وشعر بالضوء القوي يخترق قبعة هوديبه المظلمة. التفت يميناً ويساراً ليجد أن آلاف العيون في الملعب، بالإضافة إلى الكاميرات الهولوغرامية الطائرة، قد صوبت عدساتها نحو وجهه مباشرة. ظهرت صورته على الشاشة العملاقة؛ فتى هادئ الملامح، ذو عينين سوداوين عميقتين لا تظهران أي أثر للخوف أو الارتباك، بل يبدو عليهما البرود التام.

"أوه! لدينا فتى هادئ في المدرجات الوسطى!" صرخ المذيع دايسوكي عبر الميكروفون وهو يشير نحو شاشة العرض. "صاحب المقعد 204... أنت هو المختار الليلة لمواجهة المصنف الأول! تفضل بالنزول إلى منصة الغوص العصبوني!"

تنهد ريو بعمق داخل نفسه. لم يكن يخطط للعب الليلة، ولم يكن يبحث عن الأضواء. لكن القدر يملك طريقة غريبة في سحب الأشخاص من زوايا عُزلتهم.

نهض ريو من مقعده ببطء، وأدخل يديه في جيوب سترته، وبدأ في الهبوط عبر السلالم المؤدية إلى أرض الملعب بخطوات ثابتة ومستقرة، تحت نظرات كايتو الساخرة والمستخفة التي تراقبه من الأسفل. لم يكن أحد في هذا الملعب، ولا حتى كايتو نفسه، يعلم أن هذا الفتى الهادئ الذي يسير نحو منصة اللعبة، يملك أصابع وسرعة رد فعل جينية ستغير تاريخ ألعاب الواقع الافتراضي إلى الأبد خلال الدقائق العشر القادمة.

2026/08/28 · 9 مشاهدة · 781 كلمة
Sanraku
نادي الروايات - 2026