3 - هندسة السقوط و معركة النهر السريع

(1)

وزززز!

كان "ساتومي ريو" يهبط من الجرف الصخري كالتنين الساقط، مستغلاً فيزيائية الجاذبية للعبة لزيادة سرعة اندفاعه. في الأسفل، التفت كايتو برعب، ورفع سيفه "النصل المشتعل" للأعلى محاولاً تفعيل مهارة الصد التلقائي.

بُوووم!

ارتطم نصل ريو [الفولاذي المستقيم العادي] بكتف درع كايتو بقوة هائلة. الانفجار الحركي الحاد الناتج عن ضربة الوزن طيّر بطل اليابان لعدة أمتار ليتدحرج على العشب، بينما هبط ريو بخفة على قدميه، وسيفه الرمادي الرخيص لا يزال ثابتاً في يده.

نظر كايتو بذعر إلى شاشة الـ HP الخاصة به: [HP: 21,200 / 25,000]. لقد فقد ما يقارب أربعة آلاف نقطة حياة في ضربة واحدة أمام لاعب بمستوى 1 وبفئة سياف عادي!

"أيها الحشرة اللعينة!" زأر كايتو بغضب أعمى، وقفز واقفاً بينما اندلعت النيران من درعه بالكامل. فعل مهارة النخبة المتقدمة [طور انفجار الجحيم]. تضاعفت سرعة حركته، وتحول سيفه إلى كتلة ملتهبة من الطاقة الحمراء التي أحرقت العشب المحيط بهما.

(2)

انطلق كايتو نحو ريو بسرعة جنونية، مخلفاً وراءه خطوطاً من النار. وجه سلسلة من سبع ضربات متتالية وخاطفة [الرقصة السبعة للموت]. كانت الضربات سريعة لدرجة أن الجماهير في ملعب "طوكيو دوم" لم تكن ترى سوى ومضات حمراء تتقاطع في الهواء.

تراجع ريو بخطوات سريعة ونعل حذائه يلامس حافة النهر المتدفق. لم يكن ريو يملك رفاهية تلقي ضربة واحدة; فبمستواه الأول ونقاط حياته الـ 1,200، أي احتكاك مباشر بنصل اللهب يعني نهاية المباراة فوراً.

كِلانغ! كِلانغ! كِلانغ!

استخدم ريو مهارته الميكانيكية الفائقة [إلغاء الإطار الحركي - Frame Cancellation] . بدلاً من الصد القاسي الذي قد يكسر سيفه الرمادي الرخيص، كان يضرب بجانب نصل كايتو بلمسات دقيقة وخاطفة في أجزاء من الثانية (Frame-perfect deflection)، ليجبر النظام على تحويل ضربات كايتو المشتعلة إلى هجمات منزلقة ومخترقة للهواء دون أن تلمس جسده، مستغلاً قوة اندفاع كايتو ضده!

(3)

"هذا مستحيل! كايتو يعجز عن لمس متحدي بمستوى 1!" صرخ المذيع دايسوكي عبر مكبرات الصوت، بينما كانت الجماهير في المدرجات تقف مذهولة وهي ترى بطل البلاد يُستدرج خلف حركة فتى غامض بسلاح مبتدئ.

نظر كايتو إلى عداد الوقت المتبقي: [05:30]. أدرك كايتو أن كبريائه كمصنف أول على المحك. تراجع خطوة، وضرب بسيفه المشتعل مباشرة في مياه النهر المتدفق بجانبهما، مفعلاً مهارة التدمير الشامل للخريطة [تبخير النهر العظيم].

تِك... بُوووم!

انفجرت مياه النهر نتيجة الحرارة الهائلة، وتحولت المياه إلى شلالات ضخمة من البخار الأبيض الكثيف والساخن الذي غطى الوادي بالكامل، لتنعدم الرؤية تماماً في الحلبة الافتراضية.

(4)

وسط الضباب الأبيض الكثيف، ساد صمت مرعب. اعتمد كايتو على حدسه واندفع بكامل قوته موشحاً سيفه في طعنة مستقيمة قاتلة تخترق الضباب وتستهدف المكان الذي توقع وجود ريو فيه. كانت ضربة حاسمة مصممة لإنهاء المواجهة.

شِلانغ!

اخترق السيف المشتعل الفراغ... ليتبين أن ريو لم يكن هناك! ريو لم يستخدم أي مهارة بديل رقمية لأنه ليفل 1، بل استغل انعدام الرؤية والبخار ليتحرك بفيزيائية جسدية بحتة; انزلق تحت ضفة النهر مستخدماً الصخور كغطاء طبيعي، وتسلل من خلف كايتو تماماً مستمعاً لصوت حركات قدمي البطل الثقيلة.

(5)

انقشع البخار فجأة مع هبوب رياح الوادي، ليجد كايتو نفسه ماداً سيفه في الفراغ، بينما كان ريو يقف خلفه مباشرة، و سيفه الفولاذي الرمادي العادي الرخيص موضوع بدقة حاسمة على مؤخرة رقبة كايتو العارية تماماً من الدروع.

نظر ريو ببرود إلى عداد الوقت الذي كان يشير إلى: [00:03]... [00:02]... [00:01] [النظام: انتهت الدقائق العشر! انتهاء مباراة التحدي الاستعراضية بالتعادل بانتهاء الوقت!]

توقف نصل ريو المبتدئ على بعد مليمتر واحد من قطع عنق كايتو مع انطفاء الحلبة الرقمية بالكامل. سقط كايتو على ركبتيه داخل كبسولته في "طوكيو دوم" وهو يتنفس بجنون، مدركاً أنه نجا من إهانة الموت الرقمي في الثانية الأخيرة فقط بسبب انتهاء الوقت.

أما ريو، ففصل خوذته ببرود، وسحب قبعة هوديه ليختفي وسط مخارج الطوارئ قبل أن تحاصره الكاميرات، شاقاً طريقه نحو الشوارع الخلفية لأكيخابارا بسرعة و هدوء .

(6)

بعد أن اختفى "ريو" وسط مخارج الطوارئ لملعب "طوكيو دوم" هرباً من عدسات الصحافة التي كانت تبحث عن الفتى الذي أحرج بطل اليابان، وجد نفسه يسير في الشوارع الخلفية لمنطقة "أكيخابارا" .

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل. الأنوار الساطعة للوحات النيون الضخمة بدأت تنطفئ، وحل مكانها سكون غريب يلف الأزقة الضيقة الملتوية. كان ريو يفضل هذا الجانب المظلم والهادئ من طوكيو; حيث يغيب صخب البشر وتتحرك الرياح الباردة بحرية بين المباني.

أثاء سيره، انعطف نحو زقاق فرعي ضيق للغاية، يكاد لا يتسع لشخصين. كانت أرضيته الإسمنتية مبللة ببعض قطرات المطر الخفيف، وتصطف على جانبيه مكيفات هواء قديمة تصدر طنينًا رتيباً.

في نهاية هذا الزقاق، توقف ريو أمام واجهة متجر إلكترونيات وألعاب قديم مغلق منذ سنوات. كان الخشب المحيط بالباب متأكلاً، وشعار المتجر الباهت يعود لحقبة التسعينيات. وبجانب عتبة المتجر المهجور، وسط الحطام وعلب الكرتون الممزقة الملقاة على الأرض، لمح شيئاً غريباً.

كان هناك وميض فضي دقيق وخافت جداً، ينبعث من الأرض مباشرة، كأنه نبضة رقمية تحاول البقاء على قيد الحياة.

انحنى ريو بريب، وأبعد بيده بعض الأوراق التالفة ليجد صندوقاً أسود صغيرًا مصقولاً بعناية فائقة. لم يكن الصندوق مصنوعاً من البلاستيك العادي; بل من مادة معدنية داكنة تمتص الضوء، ولا يحمل أي ملصق تجاري أو شعار لشركة ألعاب معروفة في السوق الياباني.

فتح ريو الصندوق ببطء، ليتسع بؤبؤ عينه بذهول نادٍ.

بداخله، كانت ترقد "شريحة غوص عصبوني كامل" (Neural Dive Chip) ذات تصميم ثوري ومرعب. كانت أنحف بكثير من الشرائح التجارية القياسية، وتخترق سطحها خيوط دقيقة من الكريستال الفضي المشع بنبضات ضوئية منتظمة. وفي مركز الشريحة، حُفرت كلمة واحدة بخط فضي أنيق وحاد: "Fantom" .

"شريحة ملقاة وسط النفايات؟" تمتم ريو وهو يرفعها بأصابعه، شاعراً ببرودة غريبة تسري في يده. "تصميمها معقد جداً ليكون مجرد لعبة مستقلة ورخيصة."

أعادة الصندوق إلى جيبه، وأقفل سترته الداكنة، ثم تابع خطاه السريعة والصامتة نحو شقته الصغيرة في أطراف المنطقة، شاعراً بفضول حاد بدأ يستيقظ في عقله البارد.

(7)

عندما دخل شقته، لم يقم حتى بإشعال الأنوار. توجه مباشرة نحو سريره، والتقط خوذة الغوص الشخصية العادية الخاصة به.

جلس على حافة السرير، وأخرج الشريحة السوداء من جيبه. أخرج درج المنفذ الجانبي للخوذة، ووضع الشريحة الفضية بداخلها. وبمجرد أن أغلقت اللوحة، أصدرت الخوذة رنيناً عميقاً ومرتفعاً لم يعهده من قبل، وتوهجت مؤشراتها الجانبية بنور قرمزي حاد أضاء عتمة الغرفة.

استلقى ريو على ظهره، وعدل الخوذة فوق رأسه، ثم أخذ نَفساً عميقاً وأغلق عينيه.

"غوص كامل... فانتوم."

في الأجزاء من الثانية التالية، لم يختبر ريو الانتقال الرقمي المعتاد للألعاب; بل شعر بصدمة كهربائية خفيفة ودافئة تتدفق مباشرة نحو فصه القذالي بداخل دماغه. انقطع اتصاله بجسده الحقيقي بقوة هائلة، وسقط وعيه عبر نفق مظلم بالكامل، خالٍ من الرموز التقليدية، وكأنه يغرق في وعاء من الحبر الأسود الشاسع.

عندما فتح عينيه الرقميتين، لم يجد واجهة مستخدم رخيصة أو شاشات ترحيبية. كان يقف وسط ضباب رمادي كثيف يلف مقبرة شاسعة مليئة بشواهد القبور الحجرية المتآكلة تحت قمر أحمر عملاق ومخيف يسيطر على السماء. تفاصيل الرياح الباردة التي تداعب وجهه، وملمس مقبض سيفه المبتدئ، وصوت الغراب البعيد... كل شيء كان يبدو واقعياً وحاداً لدرجة مرعبة تفوق بمراحل فيزيائية أي لعبة لعبها في حياته.

وتحت القمر الأحمر، ظهرت لافتة النظام شبه الشفافة باللون الفضي أمام عينيه: [مرحباً بك في عالم "فانتوم شاتير" (Fantom Shatter) - نسخة الوصول المبكر للمحترفين] [ID: RYU | فئة: سياف عادي | ليفل: 1]

ابتسم ريو ابتسامة حادة وسط الضباب المظلم، وهو يستمع إلى صوت تحرك العظام القادم من القبور أمامه. لم يكن يعلم أن هذه الشريحة الملقاة في الزقاق هي واحدة من 100 نسخة سرية ومقدسة يبحث عنها أباطرة الألعاب في اليابان، لكنه علم يقيناً... أن هندسة الموت في هذه اللعبة المجهولة ستكون ساحته الأسطورية الجديدة.

2026/08/28 · 6 مشاهدة · 1171 كلمة
Sanraku
نادي الروايات - 2026