مرّت عدة أيام منذ غادر أكاتسوكي ومارلين تلك المدينة.

لم تعد خطواتهما مترددة كما كانت في البداية.

فمع مرور الأيام، بدأت الرحلة تتحول إلى روتين قاسٍ.

مع شروق الشمس يسيران.

وعند حلول المساء يبحثان عن مكان آمن للمبيت.

لم تكن المسافة بين مكان وآخر سهلة.

كانت الطرق مليئة بالسيارات المتروكة، والحطام، والزجاج المتناثر، وأحيانًا آثار معارك قديمة لم يعرفا شيئًا عنها.

كان أكاتسوكي يسير دائمًا في المقدمة.

عيناه تتحركان باستمرار.

يراقب النوافذ.

الأسطح.

الأزقة.

وحتى السيارات المتوقفة على جانبي الطريق.

أما مارلين فكانت تسير خلفه، ممسكة بطرف معطفه.

لم تعد تسأله في كل مرة إلى أين يذهبان.

كانت قد اعتادت على طريقته.

إذا توقف، توقفت.

إذا تحرك، تحركت.

وإذا قال لها أن تختبئ، لم تجادله.

ومع ذلك...

كانت أحيانًا تكسر ذلك الصمت بأسئلة صغيرة.

"أكاتسوكي..."

"همم؟"

"كم مشينا اليوم؟"

كان ينظر إلى الطريق قبل أن يجيب:

"لا أعرف."

"كيف لا تعرف؟"

"لأنني لا أعد الخطوات."

كانت تنفخ خديها.

"إذن كيف تعرف أننا لم نضل الطريق؟"

ينظر إليها للحظة.

"لأنني لا أضيع."

وكان ذلك الجواب كافيًا بالنسبة إليها.

فقد بدأت تثق به أكثر مما تثق بنفسها.

وكان أكاتسوكي يعرف ذلك.

لكنه لم يكن يتحدث عنه.

مع شروق الشمس يسيران.

وعند حلول المساء يبحثان عن مكان آمن للمبيت.

وكان أكاتسوكي، في كل ليلة، يرسم على ورقة صغيرة طريق اليوم التالي، مستعينًا بخريطة قديمة وجدها داخل محطة وقود مهجورة.

كانت الخريطة ممزقة من أحد أطرافها، وبعض الأسماء بالكاد يمكن قراءتها.

لكنها كانت أفضل من لا شيء.

جلس فوق أرضية مبنى نصف منهار، بينما كانت مارلين تجلس إلى جانبه تستمع إلى صوت احتكاك القلم بالورق.

خربشة...

خربشة...

ثم توقف.

ابتسمت.

"هل ترسم؟"

رفع رأسه قليلًا.

"لا."

"إذن ماذا تفعل؟"

"أحدد الطريق."

اقتربت منه قليلًا.

كانت تحاول معرفة ما يرسمه، رغم أنها لا تستطيع رؤية الورقة.

"إلى أين سنذهب؟"

ظل ينظر إلى الخريطة لثوانٍ.

ثم حرك إصبعه فوقها.

"سنواصل السير شرقًا."

سألت بفضول:

"ولماذا الشرق؟"

أجاب بهدوء:

"لأن احتمالية وجود ناجين هناك أكبر."

سكت لحظة.

ثم أضاف:

"كلما اتجهنا بعيدًا عن المدن الكبيرة، تقل كثافة الزومبي."

"والأماكن الريفية أكثر احتمالًا لوجود مؤن وملاجئ."

ابتسمت مارلين.

"إذن أنت تعرف كل شيء."

نظر إليها.

"لا."

"لكنني أحاول ألا أموت."

ضحكت.

"هذا شيء جيد."

طوى الخريطة ووضعها داخل حقيبته.

نهض.

"يكفي لهذا اليوم."

حل الليل سريعًا.

أغلق أكاتسوكي الباب بإحكام، ثم وضع بعض الأثاث خلفه تحسبًا لأي طارئ.

جرّ طاولة صغيرة ووضعها خلف الباب.

ثم تأكد من النوافذ.

كانت إحدى النوافذ محطمة، لذلك وضع قطعة خشب كبيرة أمامها.

بعد أن اطمأن إلى أن المكان لن يسمح بدخول أحد بسهولة، عاد إلى الغرفة.

أما مارلين فتمددت فوق بطانية قديمة.

وضعت يديها تحت رأسها.

ثم ابتسمت وهي تتثاءب.

"تصبح على خير."

أجاب دون أن ينظر إليها:

"وأنتِ أيضًا."

أطفأ المصباح الصغير.

ولم يمض وقت طويل...

حتى غرق المكان في الصمت.

لم يكن هناك سوى صوت الرياح وهي تمر من بين الأبنية.

وصوت شيء معدني يتحرك أحيانًا في الخارج.

ثم هدأ كل شيء.

لكن النوم...

لم يكن رحيمًا بأكاتسوكي.

وجد نفسه واقفًا وسط منزله القديم.

كان كل شيء كما يتذكره.

الجدران.

النافذة.

الأثاث.

رائحة الطعام.

حتى صوت الرياح خارج المنزل.

كان المكان دافئًا.

هادئًا.

كما لو أن العالم لم ينتهِ.

كما لو أن السنوات الماضية لم تحدث.

تقدم أكاتسوكي خطوة.

نظر حوله.

"أين أنا؟"

ثم سمع صوتًا يعرفه جيدًا.

"أكاتسوكي..."

استدار بسرعة.

كانت والدته تقف أمامه.

تبتسم.

تجمد للحظة.

ثم ابتسم دون شعور.

"أمي..."

اقترب منها.

كانت ملامحها كما يتذكرها.

نفس الشعر.

نفس العينين.

نفس الابتسامة.

مد يده نحوها.

لكن عندما اقتربت أصابعه من يدها...

اختفت ابتسامتها.

تحول وجهها إلى حزن عميق.

وقالت بصوت خافت:

"لماذا تركتنا؟"

تراجع خطوة.

"أنا..."

لم يعرف ماذا يقول.

ظهر والده خلفها.

كانت ثيابه مغطاة بالدم.

وجهه شاحب.

وعيناه فارغتين.

نظر إليه مباشرة.

"كنت تستطيع العودة."

"لكنك تأخرت."

اتسعت عينا أكاتسوكي.

"لم أكن أستطيع..."

لكن صوته بدأ يضعف.

"كنت أحاول..."

اقترب والده خطوة.

"أنت السبب."

تراجع أكاتسوكي.

"لا."

"أنت السبب."

ظهر صوت آخر.

ثم آخر.

ثم عشرات الأصوات.

"أنت السبب."

"أنت السبب."

"أنت السبب."

بدأت الأرض من حوله تتشقق.

حاول أن يتحرك.

لكن قدميه أصبحتا أثقل من الصخور.

نظر إلى والديه.

ثم إلى المنزل.

بدأ كل شيء يتحطم أمامه.

النوافذ.

الجدران.

الطاولة.

حتى الوجوه التي يعرفها.

حاول الصراخ.

لكن صوته لم يخرج.

وفجأة...

فتح عينيه بعنف.

جلس بسرعة.

كان يتنفس بسرعة.

والعرق يغطي وجهه بالكامل.

وضع يده فوق صدره محاولًا تهدئة أنفاسه.

نظر حوله.

لم يكن في المنزل.

لم تكن والدته هناك.

ولا والده.

كان في المبنى المهجور.

كان الليل لا يزال قائمًا.

لكن صوتًا ناعسًا بجانبه جعله يلتفت.

"أكاتسوكي...؟"

جلست مارلين وهي تفرك عينيها.

"هل أنت بخير؟"

نظر إليها.

وأجبر نفسه على الهدوء.

"مجرد حلم."

"عودي للنوم."

ظلت صامتة لحظة.

ثم قالت:

"إذا كنت لا تريد الحديث عنه..."

"...فلا بأس."

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

"لكن لا تبق وحدك طويلًا."

لم يجب.

وقف بهدوء.

أخذ معطفه وخرج من الغرفة.

صعد إلى سطح المبنى.

كانت السماء صافية.

والقمر يضيء المدينة المهجورة بنور بارد.

وقف عند الحافة.

كانت الرياح تمر فوق وجهه وتحرك شعره قليلًا.

أخرج من إحدى جيوبه سيجارة وجدها قبل أيام بين المؤن.

ظل ينظر إليها طويلًا.

لم يكن يعرف لماذا احتفظ بها.

ربما لأنه أراد شيئًا يشغل يديه.

أو ربما لأنه كان يبحث عن أي شيء يستطيع من خلاله إسكات أفكاره.

تنهد.

"عدت إليها..."

أشعلها.

أخذ نفسًا واحدًا فقط.

فسعل بقوة.

ابتسم بسخرية من نفسه.

"حتى التدخين... نسيت كيف أفعله."

أبعد السيجارة قليلًا.

ثم رفع رأسه نحو القمر.

وبقي واقفًا بصمت.

لم يكن يدخن لأنه يستمتع بذلك.

بل لأنه كان يحاول إسكات الضجيج داخل رأسه...

ولو لدقائق قليلة.

تذكر وجه والدته.

ثم والده.

ثم المنزل.

ثم صرختهم.

أغمض عينيه.

وقال لنفسه:

"كان حلمًا فقط."

فتح عينيه.

"مجرد حلم.

مجرد كابوس.

لكن آثار الكابوس بقيت في قلب أكاتسوكي حتى مع طلوع الفجر.

2026/08/20 · 1 مشاهدة · 905 كلمة
Bond
نادي الروايات - 2026