تسللت أولى خيوط الشمس عبر النوافذ المحطمة.
فتح أكاتسوكي عينيه ببطء.
لم ينم سوى ساعات قليلة، وما زالت بقايا الكابوس تثقل صدره.
جلس بصمت.
ظل للحظات ينظر إلى الأرض.
ثم أخذ حقيبته يرتب محتوياتها كعادته.
الطعام.
الماء.
الضمادات.
الخريطة.
السيف.
تأكد من كل شيء.
كان الترتيب بالنسبة إليه جزءًا من الاستعداد.
فأي خطأ صغير في هذا العالم قد يعني الموت.
استيقظت مارلين بعد دقائق.
ابتسمت فور أن سمعت صوته.
"صباح الخير."
أجاب بهدوء:
"صباح الخير."
مالت رأسها قليلًا.
"صوتك متعب."
هز كتفيه.
"لم أنم جيدًا."
ابتسمت بخبث طفولي.
"إذن سأمشي ببطء اليوم حتى لا تنام وأنت تمشي."
نظر إليها للحظة.
ثم هز رأسه بصمت.
لم يبتسم...
لكن ذلك كان كافيًا لتعرف أنها نجحت في تخفيف شيء من ثقل الليلة الماضية.
اقتربت منه.
"هل أنت بخير فعلًا؟"
توقف عن ترتيب الحقيبة.
ثم قال:
"نعم."
"متأكد؟"
"نعم."
سكتت.
ثم قالت:
"حسنًا."
لم تضغط عليه أكثر.
فهي تعلمت أن أكاتسوكي لا يحب الحديث عن الأشياء التي تؤلمه.
بعد أن غادرا المبنى، عادا إلى الشوارع الصامتة.
سيارات محترقة.
إشارات مرور مائلة.
واجهات محال مكسورة.
ولافتات تآكلت حروفها مع مرور الأيام.
كانت المدينة تبدو وكأنها توقفت عن الحياة منذ زمن.
حتى الشمس لم تستطع أن تمنحها الدفء الذي كانت تحتاجه.
كانت مارلين تمسك بطرف معطفه، بينما يقودها أكاتسوكي بخطوات ثابتة.
وفجأة...
غير اتجاهه نحو شارع جانبي.
سألت باستغراب:
"أليس الطريق المستقيم أقصر؟"
أجاب وهو يراقب أسطح المباني:
"نعم."
"إذن لماذا غيرناه؟"
قال دون أن ينظر إليها:
"لأن الطرق القصيرة غالبًا تكون الأكثر خطرًا."
وأشار بعينيه إلى النوافذ.
"في الأماكن المفتوحة يمكن أن يراك أي شيء."
ثم نظر إلى أسطح المباني.
"والأسطح مكان جيد للقناصة..."
صمت لحظة.
"...أو للناجين اليائسين."
أومأت مارلين.
"إذن أنت لا تراقب الأرض فقط."
"أراقب كل شيء."
ابتسمت.
"هذا مخيف قليلًا."
"جيد."
"لماذا؟"
"لأن الخوف يبقيكِ حية."
بعد نحو ساعة من السير...
توقف فجأة.
رفع يده أمام مارلين.
"ابقِ خلفي."
شعرت من نبرة صوته أن الأمر مختلف هذه المرة.
لم يكن مجرد تحذير.
كان قد لاحظ شيئًا.
تقدما ببطء.
كانت أمامهما شاحنة عسكرية مائلة على جانب الطريق.
حولها عشرات فوارغ الطلقات.
بقع دماء جافة.
وآثار انفجار مزق جانب المركبة.
توقف أكاتسوكي أمامها.
نظر إلى آثار العجلات.
ثم إلى الأرض.
ثم إلى المباني المحيطة.
قال بصوت منخفض:
"وقعت معركة هنا."
اقترب خطوة.
كان هناك عدد كبير من آثار الأقدام.
بعضها يعود إلى جنود.
والبعض الآخر لم يكن واضحًا.
رفع رأسه.
لاحظ ثقوب الرصاص في الجدار المقابل.
كان واضحًا أن من كان داخل الشاحنة حاول الدفاع عن نفسه.
وبينما كان يقترب...
وصل إلى سمعه صوت خافت.
وشوشة متقطعة...
كأن أحدًا يحاول الكلام.
توقف.
نظر إلى مارلين.
ثم رفع إصبعه أمام فمه.
أنصت.
"...ساعد..."
كان الصوت ضعيفًا جدًا.
ثم انقطع.
لم يكن واضحًا.
لكنه كان موجودًا.
شد قبضته على السيف.
وتقدم خطوة أخرى.
وفجأة...
صدر احتكاك من داخل المركبة.
تحرك شيء.
اقتربت مارلين من أكاتسوكي.
"هناك شيء."
أجاب:
"أعرف."
تحركت الظلال داخل المركبة.
ثم ظهر وجه مشوه من النافذة.
جندي متحول.
اندفع نحو الباب.
قبل أن يخرج الجندي المتحول بالكامل، كان أكاتسوكي قد تحرك.
ضربة واحدة سريعة.
مر السيف أمام عنقه.
وسقط الجسد بلا حراك.
ساد الصمت.
أعاد أكاتسوكي السيف إلى غمده.
ثم نظر إلى الجندي للحظات.
قال:
"لم يكن هو."
اقترب أكثر من المركبة.
فالوشوشة...
ما زالت مستمرة.
انحنى قليلًا.
أمسك الباب الحديدي.
سحبه إلى الخارج.
صدر صوت صرير حاد.
نظر إلى الداخل.
خوذة عسكرية.
خرائط ممزقة.
بقع دماء جافة.
وحقيبة صغيرة ملقاة تحت المقعد.
لكن الشيء الأهم...
كان جهازًا لاسلكيًا صغيرًا.
كان ضوءه يومض بشكل ضعيف.
اقترب أكاتسوكي.
مد يده وأمسكه.
رفع الجهاز إلى أذنه.
لم يسمع سوى تشويش متقطع.
أدار مقبض التردد ببطء.
تشويش.
ثم صمت.
أدار التردد مرة أخرى.
لا شيء.
مرة أخرى.
تشويش.
تنهد وهو يوشك على إغلاقه.
لكن فجأة...
انقطع التشويش للحظة.
وخرج صوت رجل متعب، يتخلله انقطاع مستمر.
"...هنا... الوحدة... السابعة..."
تجمد أكاتسوكي.
رفع الجهاز أكثر.
"...إذا كان... أي ناجٍ... يسمعني..."
"...توجهوا إلى... مأوى هينوكا..."
اتسعت عينا مارلين.
نظرت نحو أكاتسوكي.
"مأوى؟"
لم يجب.
كان يستمع بكل تركيز.
"...نعيد... توجهوا إلى... مأوى هينوكا..."
"...هناك... ناجون..."
"...الإمدادات... محدودة..."
"...لكن... ما زلنا..."
ثم عاد التشويش يغطي كل شيء.
انقطع الصوت.
رفع أكاتسوكي الجهاز بسرعة، وأخذ يقلب بين الترددات.
مرة...
ومرتين...
وثلاثًا...
لكن الرسالة لم تعد.
لم يبق سوى الضجيج.
ساد الصمت.
نظرت مارلين إليه باستغراب.
"هل كان شخصًا؟"
أجاب وهو ينظر إلى الجهاز في يده:
"ربما..."
ثم أضاف بعد لحظة:
"لكن الرسالة مسجلة أو قديمة."
خفض نظره إلى الخريطة المطوية داخل حقيبته.
أخرجها.
فتحها فوق غطاء الشاحنة.
بدأ يبحث عن اسم المأوى.
تحرك إصبعه فوق الورقة.
مر على عدة مناطق.
ثم توقف.
همس:
"...إذن هناك."
رفعت مارلين رأسها.
"وجدته؟"
أومأ بهدوء.
كانت عيناها تتجهان نحو صوته.
"وجدت ماذا؟"
نظر إليها.
ثم قال:
"مكانًا يمكن أن يكون فيه ناجون."
سكتت للحظة.
ثم ابتسمت.
"إذن..."
"هل وجدنا وجهتنا؟"
نظر أكاتسوكي إلى الأفق الشرقي.
ولأول مرة منذ أيام...
ارتسمت على وجهه ملامح أمل خفيفة.
لم تكن ابتسامة كاملة.
لكنها كانت كافية لتخبر مارلين أن شيئًا تغير.
طوى الخريطة بعناية.
ووضع جهاز الراديو داخل حقيبته.
ثم قال:
"نعم."
"سنتجه شرقًا."
ابتسمت مارلين ابتسامة واسعة.
ورفعت قبضتها الصغيرة بحماس.
"إذن سأبقى خلفك حتى النهاية."
نظر إليها بطرف عينه.
ثم استدار وبدأ بالسير.
وقال بنبرة هادئة:
"إذًا..."
"...لا تتأخري."
ضحكت مارلين بخفة.
ثم أسرعت تمسك بطرف معطفه كعادتها.
"لن أتأخر."
ابتسم أكاتسوكي ابتسامة خفيفة لم تدم سوى لحظة.
ثم واصل السير.
ومعه...
عاد ذلك الشعور الذي فقده منذ زمن.
الأمل.
ربما لم يكن الطريق نحو الشرق سهلًا.
وربما كان ذلك المأوى قد سقط منذ أشهر.
وربما كانت الرسالة قديمة، وربما لم يبقَ أحد هناك.
لكن لأول مرة منذ بداية رحلته...
لم يعد يسير خلف ذكرى فقط.
بل خلف دليل.
وتحت ضوء شمس الصباح...
ابتعد الاثنان بين الطرق المدمرة.
كانت مارلين تسير إلى جانبه، ممسكة بطرف معطفه.
أما أكاتسوكي فكان يحمل الخريطة في حقيبته، والجهاز اللاسلكي بجانبها.
لم يكن يعرف ما ينتظرهما في الشرق.
قد يكون مأوى.
قد يكون ناجين.
وقد يكون فخًا.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا...
كان عليهما الذهاب.
خلفهما بقيت المركبة العسكرية.
وبقيت آثار المعركة القديمة على الطريق.
وبقي صوت التشويش الخافت يتردد للمرة الأخيرة...
قبل أن ينطفئ إلى الأبد.
أما أمامهما...
فكان طريق طويل يمتد نحو الشرق.
طريق لا يعرفان نهايته.
لكن هذه المرة...
كان لديهما سبب للاستمرار.
نهايه الفصل 13