الفصل مائة وخمسة وثلاثون: هو.. هو لو كيو!
بما أن حلم عشرة مليارات فتاة قد قرر "الاستسلام للواقع" (الخَراب)، فقد تخلص من كل مخاوفه؛ هز كتفيه ببساطة تجاه ليفيس، ورسم ابتسامة عريضة كانت أقرب للبكاء منها للفرح.
أما اللاعبون فقد استسلموا هم أيضاً لليأس وبدأوا يستعدون للمعركة. دونغ هوانغ لم يضيع وقتاً، بل ألقى مهارته فوراً على ليفيس منشئاً "رابط مشاركة الضرر". كانت خطتهم واضحة كالشمس: "اقبض على الملك لتشتت الجند"، أو بالأحرى، تضحية متبادلة لقتل الزعيم (Boss) فور بدء القتال.
ولكن، ما إن رأى ليفيس هذه الحركات، حتى تبدد الضباب من عقله فجأة؛ شعر وكأنه وجد طرف الخيط في كرة صوف متشابكة، وسرت قشعريرة ارتياح في جسده بالكامل.
بدأ يبحث في أعماق ذاكرته عن صور مشوشة، ليعود به الزمن إلى ليلة مضت قبل أيام قليلة...
...
بلدة خريف الرياح، مركز المرتزقة، مكتب القائد.
"ليفيس، كيف تسير المفاوضات مع عائلة جينيغ؟" سأل لو كيو وهو يسند ظهره للكرسي، واضعاً قدميه على المكتب باستهتار.
كان ليفيس جالساً على الأريكة يتصفح آخر أخبار الإمبراطورية: "سيئة جداً، لا يزالون يفكرون في التعاون مع فرقة 'العاصفة'، فالعاصفة لديها علاقات وطيدة مع نبلاء الإمبراطورية، ويبدو أن عائلة جينيغ تراهم أكثر موثوقية."
شعر لو كيو بالانزعاج عند سماع اسم "العاصفة"، وجذب شعره بقوة كأنه يحاول رفع نفسه: "أليس لديهم اهتمام بمجموعة العبيد التي بحوزتنا؟ الحرب في الإمبراطورية لم تنتهِ بعد."
"عددهم قليل، سمعت أن 'العاصفة' استقبلت دفعة جديدة ضخمة من الجنوب، وسيقومون بإعطاء حصة منها لعائلة جينيغ."
"سحقاً، أتمنى أن يموت أولئك العبيد في الطريق!" وقف لو كيو بغضب وحطم كأساً على الحائط.
"من الواضح أنهم يخططون لذلك؛ وقوع 'حوادث' أثناء النقل أمر طبيعي، والعبيد الذين يُعلن موتهم زيفاً يمكن تقديمهم لمن يجلب لهم مصالح جديدة."
"ما رأيك أن نعترض القافلة ونسرق البضاعة؟"
"هل جننت؟ خرق ميثاق رابطة المرتزقة سيسرع في زوالنا،" قطب ليفيس حاجبيه متابعاً: "الثلج لن يخفي كل الآثار، سيكتشف أحدهم الأمر حتماً، إلا إذا ساعدك 'إله' في إخفاء الحقيقة."
"بذكر الآلهة،" تذكر لو كيو شيئاً، فجلس بجانب ليفيس ووضع يده على كتفه قائلاً: "أتتذكر ذلك الدب؟ وصاحب التجاعيد الكبيرة؟"
"بيل وهويسك؟"
"نعم، هما. بالأمس جاءا إليّ وقدما لي شرحاً ورعاً عن 'إلههما'، هاهاها! تخيل أنهما يلقبان نفسيهما بـ'أتباع الإله'." انفجر لو كيو بالضحك، متخلياً عن جديته المعتادة: "ماذا كان اسم إلههما؟ النعمة؟ نطق غريب.. يقولان إنهما هربا من ساحة المعركة تحت أنظاره. مضحك، هؤلاء الرعاع الشماليون أصاب الثلج عقولهم بالخرف."
لم يستطع ليفيس الرد؛ ففكرة وجود "أتباع إله" يبحثون عن عمل كمرتزقة كانت غير منطقية بتاتاً.
"ربما يعبدون إلهاً شريراً، فالبراري تعج بهذه الأشياء."
"حماقة مطلقة، 'الآلهة الشريرة' مجرد عذر يستخدمه الجيش لاحتقار معتقدات أهل البراري، لا وجود للآلهة أصلاً."
التفت إليه ليفيس بقلة حيلة: "نعم، أنت محق."
ضحك لو كيو ووقف يمشي بخيلاء في الغرفة: "لو كان هناك آلهة حقاً، لماذا لا يظهرون لتوحيد العالم؟ هل هم محبوسون في مكان ما؟ إذا كان الإله محدود القدرة، فما قيمته؟ هاهاها.. لكن، إذا كان بإمكانه مساعدتي في توحيد مدينة الرياح الدافئة، فلا مانع لدي من تجرب الإيمان به."
ثم توقف فجأة، وهز كتفيه تجاه ليفيس بابتسامة غريبة: "أمزح معك.. أنا ملحد."
...
عاد الواقع ليتطابق مع الذكرى؛ نفس هز الكتف، ونفس الابتسامة الغريبة.
تردد صدى تلك السخرية في أذن ليفيس: "أمزح معك.. أنا ملحد."
هه، القدر يحب السخرية؛ الملحد ألقى بنفسه أخيراً في أحضان 'إله شرير'.
إنه هو.. لو كيو.
الدماء في غرفة النوم أثبتت تعرضه لحادث. ويبدو أن محاولة الاغتيال كانت ناجحة جداً. ولكن القدر ابتسم لـ لو كيو مرة واحدة، فجعله يلتقي بهؤلاء "أتباع الإله"، وربما استخدم بيل ورفاقه طرقاً سحرية (إلهية) لإعادته للحياة.
ثمن العودة كان باهظاً؛ لقد فقد قوته، وصوته، وفقد كل شيء، ولم يستعد سوى حياة متداعية.
أوه، نعم، وذلك الوجه الذي يذوب.. يبدو أنها الطريقة الوحيدة التي يذكر بها نفسه بأنه لو كيو. من الواضح أنها آثار جانبية للبعث بطريقة سحرية.
لحسن الحظ، تذكر هذا الذكي تلك المزحة التي دارت بيننا، وأراد استخدام هذه التفاصيل التي لا يعرفها سوانا ليخبرني:
أنه هو.. لو كيو.
فرقة "خريف الرياح" لن تسقط! لقد ربطتُ كل الخيوط ببعضها، لا أزال العقل المدبر الأقوى في الفرقة.
شعر ليفيس بإثارة بالغة، بل واغرورقت عيناه بالدموع؛ لا يُعرف إن كان ذلك تأثراً لإنقاذه الفرقة، أم فرحاً بعودة لو كيو.
تقدم بسرعة ورفع يد "لو كيو" عالياً، ثم نظر للمرتزقة المحيطين بهم وصاح بنبرة قاطعة:
"يمكنني التأكيد بنسبة مائة بالمائة.. إنه لو كيو! لقد عاد قائد فرقة خريف الرياح!"
وبينما ساد الذهول الجميع للمرة الثانية، استجمع ليفيس شتات نفسه، وأومأ لـ بيل بامتنان وحذر في آن واحد: "أشكركم.. وأشكر النعمة (إلهكم) على إنقاذه."
شعر بيل (الدب) أن سعة مخه كدب لم تعد تكفي لاستيعاب ما يحدث.
إذا كان في البداية يشعر بالذهول لفشل الخطة، فهو الآن يشعر بذهول لأن العالم "قد تعطل" تماماً.
ما الذي يحدث هنا؟
ومن يقصد بـ "النعمة".. سيدي ومولاي 'النعمة'؟
ولكن بصفته دباً فطناً، حاول التظاهر بأنه على علم بكل شيء، وأجاب بوقار وهدوء: "اممم (نعم)."
ماذا عساي أن أقول غير ذلك؟ كلمة 'نعم' استهلكت كل طاقة عقلي!
عندما سمع ليفيس هذا التأكيد، صرخ بجنون "رائع! رائع!"، ثم استدار ليوضح للأتباع:
"لقد أخبرني لو كيو من قبل أن بيل حاول دعوته للإيمان بإله.. وها قد حدث..."
باختصار، كان شرحه مفصلاً، وتوقيت الأحداث متطابقاً تماماً، وبما أنه "نائب القائد"، فقد أظهر الجميع تصديقهم المطلق.
في الحقيقة، معظم المرتزقة من الطبقات الدنيا لم يصدقوا الأمر حقاً؛ فكل شيء كان يفوق الخيال، ويتعلق بإله لم يسمعوا به من قبل، ولا يوجد شهود آخرون.
لكنهم اختاروا التصديق.
لأنهم سواء كان نائب القائد يمثل بتمثيلية ليحكم من وراء الستار، أو أن القائد لو كيو قد عاد فعلاً، فالأمر لا يهمهم؛ طالما أن هناك عملاً ولن يموتوا جوعاً، فليكن ما يكون.
فرقة "خريف الرياح"، وفي اللحظة الأخيرة قبل السقوط في الهاوية، تمكنت من الوقوف على قدميها.
شعر ليفيس بالارتياح؛ فالفرقة الآن تمتلك "عموداً فقرياً" ولن تتفكك. الخطوة التالية هي تحديد مدى تورط لو كيو مع هذا "الإله الشرير"، وهل يمكن للفرقة الحفاظ على استقلاليتها؟
يبدو أن عليّ القلق أكثر من أجل لو كيو، ومن أجل الجميع.
_