الفصل مائة واثنان وأربعون: رحلة "شي هوي" العجيبة
أول شخص دفعه أعمق حب داخل المنخر العظيم كان يُدعى شي هوي.
كان في الأصل فرداً عادياً من قبيلة الصخور الجبلية. عندما عثر عليهم تجار العبيد، لم يتمكن من الفرار، فتم حزمه كبضاعة. قُبض على أكثر من عشرة من أفراد قبيلته، لكن خلال رحلة النقل الطويلة إلى مدينة الرياح الدافئة، لم يبقَ حياً سواه وخمسة آخرين.
قبل لحظة من إلقائه في المنخر، كان لا يزال يتخيل أن كل هذا زيف، وأنه مجرد حلم داخل القفص؛ حلم بارد وغريب. لكن في اللحظة التي قُذف فيها للداخل، أدرك خطأه؛ كان على وشك الموت. غلفته مجسات لا حصر لها، ثم غاب وعيه.
ربما مرت لحظة، أو دهر؛ فلا وجود للوقت في غياب الوعي. وعندما بدأ وعيه يتشكل مجدداً، رأى ضوءاً قادماً من الأمام.
هل هذا هو عالم ما بعد الموت؟ إلى أين يذهب الناس بعد موتهم؟
تساءل بذهول، ثم دفعته قوة هائلة خارج ممر اللحم والدم.
"لقد وصل! انتبهوا جميعاً!"
بمجرد هبوطه، شعر بوجع حاد في ساقه اليسرى فسقط أرضاً. رأى غرفة ضخمة، وحولها عدة حراس بأسلحة نارية، لكن ملابسهم لم تكن ملابس مرتزقة، بل بدت كملابس أهل البراري الجلدية.
أمامه طاولة خشبية عريضة يجلس خلفها ستة أشخاص غريبي الأطوار:
شاب يواصل شم الهواء بأنفه، رجل سمين يميل بجسده فوق الطاولة ليتفحصه، رجل يراقب جرح ساقه بجبين مقطب، فتاة شابة جميلة وجنتاها محمرتان، وامرأة تبدو حازمة بنظرة ثاقبة وباردة.
لم يجرؤ شي هوي على الحركة أو الكلام، ظل يحدق بهم بذهول، ثم أدرك أن ملابسه قد اختفت. كان يقف عارياً تماماً في الغرفة تحت أنظارهم. ورغم أن أهل البراري لا يتحرجون كثيراً من هذا، إلا أن التحديق فيه جعله يشعر بالخجل.
هل وصلت للإمبراطورية؟ هل هؤلاء نبلاء؟ لماذا يشبهون أهل البراري؟ ومن منهم سأكون ملكاً له؟ ولماذا لا يعطونني ملابس؟
كان عقله مشوشاً، لكنه أيقن شيئاً واحداً: لم يمت، فهذا ليس عالم الموتى. الحواس تؤكد له أن هذا عالم حقيقي.
"هذا مزعج، ألم نتفق على تجنب العنف؟ قائد الفريق الطبي يلهو في الخارج، وأنا من يضطر لتنظيف الفوضى هنا."
قال الرجل في المنتصف جملة طويلة لم يفهمها، لكنه عاد وقال للفتاة بجانبه: "الغرفة المجاورة، تضميد، علاج، بسرعة."
هذه المرة فهم؛ لقد كانت لغة البراري. يريدون علاجه.. سبحان القدر، لا يبدو أنهم أشرار.
أومأت الفتاة، وأشارت لأفراد الحرس ليحملوه. عندما اقترب منه الرجل الضخم، ارتجف قلب شي هوي وصاح: "أرجوك، لا تقتلني!"
لكن الحارس نظر إليه بغرابة، ولم يتكلم، بل أمسك بذراعه بلطف.
"مهلاً، انتظر."
التفت الرجل الذي بدا كأنه "رئيس القبيلة" للشاب الجالس عن يمينه وسأله شيئاً بصوت منخفض. لم يسمع شي هوي السؤال، لكنه رأى الشاب يرفع إبهامه للأعلى، فابتسم الرجل وأشار للحرس بالإسراع.
وهكذا حُمل شي هوي بعيداً عن الأرض إلى سرير في الغرفة المجاورة.
وبينما كان يخمن مصيره بقلق، دخلت امرأة من أهل البراري مع عدة فتيات يحملن أحواض ماء ولفافات قماش بيضاء. غسلت المرأة الجرح ووضعت مرهمًا غريب الرائحة، ثم ضمدته بمهارة وقالت بابتسامة: "انتهينا."
ثم التفتت لإحدى الفتيات وقالت: "آه تساو، سجلي: مرهم وضمادات، المجموع 40 عملة نعمة، تُقيد على حساب..."
نظرت للمريض بحيرة، فصاح بسرعة: "شي هوي، اسمي شي هوي."
"حسناً، سجليها باسم شي هوي. قال القائد إن كل علاج يجب أن يُدفع ثمنه، وإلا سنخسر."
شرحت المرأة مبادئ لم يفهمها، ثم قالت له: "يمكنك الذهاب الآن، ابحث عن الحرس عند الباب، وسيأخذونك للمكان الذي يجب أن تذهب إليه."
"أرجوكِ..."
"نحن مسؤولون عن التضميد فقط، لا نجيب على الأسئلة،" ترددت المرأة ثم أضافت: "اطمئن، مدينة الفجر آمنة جداً. المجد للنعمة."
أحنت رأسها بتقوى، ثم ساعدته على النهوض.
"اتبع الحراس، سيعطونك ملابس."
"شكراً.. شكراً." خرج وعقله مشوش. شعر بحرارة في جرحه، لكنه لم يجرؤ على لمس الضمادة؛ فقد بدت له ثمينة جداً، أغلى من حياته نفسها.
مدينة الفجر.. اسم جميل.
خرج يعرج، ليرى في الممر المحروس عشرات من أهل البراري التائهين يسيرون وفق التعليمات.
"شي فو! أنا هنا!" رأى أحد أفراد قبيلته فرفع يده بحماس، لكن حارساً بجانبه أنزل يده بلطف.
"يمكنك اللحاق به، لكن دون ضجيج." كان الحارس يبدو صارماً لكن نبرته لم تكن عدائية.
"حاضر، حاضر." سد فمه بيده وركض يعرج خلف رفيقه.
مركز المهاجرين، قاعة الاستقبال
نظر سوشوانغ (الرئيس الإداري) للأعداد المتدفقة بذهول.
"فان جوخ، كم وصل العدد؟"
"حوالي سبعمائة أو ثمانمائة. ألم يقولوا إن العدد قليل؟ السكان سيتضاعفون الآن!" قطب فان جوخ جبينه؛ فالمساحة التي خصصوها اليوم قد لا تكفي.
"ابقَ هنا، سأخرج لأبحث عن دانو. العدد كبير جداً، نحتاج لعودة فريق الاستطلاع للمساعدة."
بقيت مونا تسجل البيانات ببطء على الجهاز اللوحي الجديد. عندما سمعت "رسول الرب" ينطق اسمها، رفعت رأسها بسرعة. أشار لها فان جوخ بمواصلة العمل.
كانت مونا قد انضمت مؤخراً لـ "دورة استخدام الأجهزة اللوحية". فرغم نشأتها في البراري، إلا أنها كانت من ضمن الأغلبية الأمية. هذه الدورة مخصصة لموظفي المدينة الذين لا يجيدون القراءة والكتابة، فـ "نظام العرض الوعي" لم يُثبت بعد لكل الموظفين، لذا يعتمدون على الطرق المادية.
مُدرس هذه الدورة هو أحد "الخاضعين للإصلاح" في معسكر العمال. المثير للسخرية أن هذا المدرس ودود جداً ومؤمن مخلص، لكنه في كل اختبار يفشل في نيل لقب "مواطن جديد" ويظل في المعسكر، مما اضطره لتدريس الطلاب بصفة مزدوجة.
ربما الرسل لا يحبون هذا المدرس، هكذا كانت مونا تفكر دائماً.
"سحقاً، امرأة؟"
صيحة مفاجئة أيقظت مونا من سرحانها. رأت امرأة ترتجف رعباً وتحاول تغطية جسدها.
"بسرعة! استدعوا الفريق النسائي! كريشا، قال السيد سوشوانغ إن النساء يحتاجون لفريق نسائي. نادوا هوا غو لتحضر الملابس!"
أخرجت كريشا جميع الحراس الذكور، وأدخلت حارسات مدججات بالسلاح. خرج فان جوخ هو الآخر مغطياً عينيه احتراماً، تاركاً أبو الكلب الكفيف (المستشار الكفيف) الذي يواصل الشم بجهد.
ورغم عدم وجود نساء في قبائل "آكلات اللحوم" بالبراري، إلا أنه بناءً على أوامر السيد تشونغ (الكلب الوفي)، لا يجوز التهاون؛ يجب فحص الجميع. من يشكون في أمره يُرسل للمعسكر حتى يعود اللاعبون.
كلمات السيد تشونغ هي البوصلة التي يتحرك بها أبو الكلب!
(شم شم شم...)
_
رايكم؟