الفصل الثالث والستون: توجد آثار أقدام هنا
البراري، في غابة عميقة مجهولة.
تسللت أشعة الشمس عبر أغصان الأشجار الكثيفة لتصنع بقعاً من الضوء على الأرض، ولم يكن هناك ما يقطع سكون المكان سوى حفيف الأوراق تحت وطأة الرياح الخفيفة وأصوات أقدام تسير بانتظام.
كان قارع الطبل يقود الفريق الذي يضم: العاطفة العميقة، جسد مليء بالعضلات، خطاف حديدي مستقيم، وشخص صالح يعيش حياة عادية، وهم يستكشفون الغابة بحثاً عن طعام.
خلال الأيام القليلة الماضية، لم تكن الحصيلة كبيرة؛ فمنذ أول أمس، اختفت "الذئاب السوداء" تماماً، مما أجبرهم على تسريع خطى الاستكشاف والتوغل في مناطق أبعد.
لا تزال هناك بعض المخزونات الغذائية في الحصن، لكن اللحم بدأ ينفد.
وبسبب مهارات الطبخ المحدودة للشخصيات غير لاعبة (NPCs) في الحصن، فإن أكل أشياء مثل خضار الماص و"البطيخ المجفف" لمرة أو مرتين أمر مقبول، لكن الإكثار منه يبعث على السأم.
وفي ظل نقص التوابل، تجد أمهر الطباخات صعوبة في صنع وجبة شهية دون المكونات الأساسية؛ فالطهي بالماء الصافي فقط يجعل الوجبات تبدو وكأنها "طعام دايت" ممل.
لذا، أصبح "لحم الذئب المشوي" هو الأمل الوحيد واليومي لكل سكان القرية.
"هل انقرضت الذئاب السوداء في هذه الغابة بسببنا؟ مرّت ثلاثة أيام ولم نرَ ذئباً واحداً."
تحدث العاطفة العميقة وهو يتقدم الفريق حاملاً بندقيته بملل: "من المؤكد أنها أدركت أن الغابة لم تعد آمنة ففرت بعيداً."
رد جسد مليء بالعضلات الذي كان يسير في مؤخرة الفريق بلامبالاة: "بذكائها المحدود، أشك في أنها تستطيع استيعاب ذلك."
"صحيح، تبدو ككائنات ذات تفكير خطي واحد، تشبه غزلان الـ 'باو تسي' الحمقاء في الشمال الشرقي." قال خطاف حديدي مستقيم وهو يضرب الأعشاب بعصاه.
تساءل العاطفة العميقة بحيرة: "لكن الغزلان تأكل العشب، أما هذه الذئاب الغبية فتأكل اللحم، كيف تصطاد بهذا الذكاء؟"
"إنها تفتقر للذكاء فقط، لكن غريزة المفترس لا تزال موجودة؛ تقفز وتعض بمجرد رؤية الفريسة، وبقوتها الهائلة، من المستحيل ألا تجد ما تأكله." شعرت شخص صالح يعيش حياة عادية أن ذكاء الجميع بدأ يتأثر بعدوى الغباء من الذئاب السوداء، أو ربما بسبب كثرة أكل لحمها.
كان قارع الطبل يسير جانباً، يستمع لنقاشات رفاقه دون أن ينبس ببنت شفة، لكنه لم يمنعهم. فكائنات مثل الذئاب السوداء لا تهرب بمجرد سماع حركة، بل على العكس، تنجذب نحو الصوت لترى إن كان هناك صيد محتمل.
لحسن الحظ أن هذا النوع يتكاثر بسرعة مذهلة، وإلا لكان قد انقرض منذ زمن بهذا الأسلوب في العيش.
واصلت المجموعة السير جنوباً وفقاً للخطة الموضوعة ليلة أمس، ووصلوا إلى منطقة مجهولة. وبعد عدة أيام من الاستكشاف، تضاعفت المساحة المعروفة لديهم في الغابات المحيطة بالحصن.
"انتبهوا، هناك شيء ما!"
بمجرد سماع صرخة جسد مليء بالعضلات، دبّ الحماس في الجميع.
وجود "شيء ما" يعني محتوى جديداً في اللعبة.
توتر؟ خوف؟ لا وجود لهما.
في عالم اللعبة، لا يوجد ما يثير خوفهم، وإذا وجد، فسيكون على الأرجح "إغلاق الخوادم".
"ماذا وجدت؟"
"هناك آثار أقدام هنا!"
ركض العاطفة العميقة نحوه وعيناه تلمعان، ونظر إلى حيث أشار إصبعه.
رأى عدة آثار أقدام مبعثرة على الأرض، وآثار يد ملطخة بالطين لم تجف بعد على جذع شجرة.
"يا للهول! يوجد بشر هنا!"
تجمع الجميع حول المكان. التقط قارع الطبل القليل من الطين عن جذع الشجرة وفركه بين أصابعه قائلاً: "لم يجف تماماً. بالنظر إلى حرارة ورطوبة الغابة، لا بد أن هذا الأثر ترك قبل أقل من ساعة. لا يزالون في الجوار!"
لم يستطع اللاعبون إخفاء بريق الحماس في أعينهم؛ كائنات بشرية جديدة!
لا يهم إن كانوا "وحوشاً" أو "شخصيات غير لاعبة" (NPCs)، المهم أنهم جدد.
محتوى هذه اللعبة ينزل ببطء شديد، وتكرار التعامل مع نفس الشخصيات المحدودة يبعث على الملل، حتى لو كنّ جميعاً فتيات جميلات.
"هل نبحث عنهم أم ماذا؟" سألت شخص صالح يعيش حياة عادية، رغم أن تعبير وجهها كان يحمل الإجابة بالفعل.
"كونوا حذرين. لا يهم ما يحدث لنا كبشر، لكن يجب أن نضمن سلامة البنادق؛ فخلايا الطاقة أوشكت على النفاد، ويجب الحفاظ على بنادق الطاقة من الضياع." كان قارع الطبل هو الآخر متحمساً؛ فقد حانت أخيراً فرصة لتجربة مهارة "الرمح" التي تدرب عليها مع المدرب.
علاوة على ذلك، وقت التدريب في اللعبة أطول بكثير من الواقع؛ فهو يصر على التدريب يومياً، مما جعله "ملك الالتزام".
بالطبع، هو في المركز الثاني فقط؛ فالمركز الأول يذهب لـ جسد مليء بالعضلات الذي يتدرب يومياً دون انقطاع، وأصبح جسده الآن يطابق اسمه تماماً.
ففي المعركة السابقة، وضع نقطة الخصائص التي حصل عليها في "القوة"، ليصبح لديه (4 قوة و4 بنية جسدية)، ملك الدبابات (Tank) بلا منازع.
"تفرقوا للبحث، لا تبتعدوا كثيراً، يجب أن يظل كل واحد منكم في مجال رؤية اثنين آخرين على الأقل، لتقديم المساعدة السريعة عند الخطر."
أومأ الجميع برؤوسهم، ثم تفرقوا بحذر كأنهم لصوص عثروا على كنز.
لا يمكن لأي أثر أن يخفى على لاعبين يبحثون بدقة، خاصة وهم في قمة نشاطهم.
وسرعان ما وجدوا آثاراً أخرى، وبناءً على توزيعها، استنتجوا الاتجاه وبدأوا بالتوغل في العمق.
"أشعر بشيء غريب." قالت شخص صالح يعيش حياة عادية وهي تبحث عن أدلة جديدة. حاسة "الأنثى السادسة" كـ لاعبة محترفة أخبرتها أن المشهد الحالي غريب بعض الشيء، لذا لم تستطع كتم تساؤلها.
"هذه الآثار تظهر بوضوح فقط تحت الأشجار. ورغم وجود ترابط بسيط بين الآثار المختلفة، إلا أنها تبدو 'متعمدة' جداً. لا تبدو كآثار حركة طبيعية، بل كأنها علامات موضوعة عمداً."
كان خطاف حديدي مستقيم قريباً منها، وبمجرد سماع سؤالها، أجاب دون تفكير: "لماذا يضعون علامات؟ لا يوجد طعام هنا، ولا حيوانات مستقرة، المكان خالٍ من البشر.. لا يمكن أن تكون العلامات موضوعة من أجلنا..."
لم يكمل جملته حتى تبادل الاثنان النظرات، وكأن فكرة ما خطرت ببالهما.
نعم، إنها الحيل الماكرة التي كان اللاعبون القدامى يتحدثون عنها بخصوص أبناء الأراضي القاحلة.
"هل هناك من يستدرجنا عمداً؟"
حبست شخص صالح يعيش حياة عادية أنفاسها، وأومأت برأسها بصمت، وقالت بتفكير: "قد يكون ذلك ممكناً جداً، ربما وقعنا في الفخ."
"تباً! يجب أن نخبر البقية ليحذروا."
"انتظر، لا تتسرع. بما أننا لم نرَ أحداً حتى الآن، فالأرجح أنه ليس كميناً مباشراً. في المرة السابقة قالت الأخت جيانغنان الأول في الحب إنهم عندما قاتلوا القبيلة كان هناك كشافة فوق الأشجار، قد يكونون هنا أيضاً. لا تنبههم الآن، لنبحث عنهم."
"من المحتمل أنهم يراقبوننا. إذا أخبرنا الجميع فجأة وغيرنا أسلوب البحث، فقد يفرون." ضحكت شخص صالح يعيش حياة عادية بخبث، غير قلقة بتاتاً من تعرضهم لهجوم مفاجئ، بل أوصت خطاف حديدي مستقيم:
"استمر كما أنت، واسترق النظر بطرف عينك نحو أعالي الأشجار، ربما يختبئون في مكان ما."
أومأ خطاف حديدي مستقيم بالموافقة؛ فقدرات فريقهم القتالية ليست سيئة، ولن يتم إبادتهم بهجوم مفاجئ طالما أن العدو ليس من رتبة "صائد".
في الواقع، لم تكن شخص صالح يعيش حياة عادية تعتقد حقاً أنهم سيجدون الكشافة؛ فمستوى كشافة البراري في التخفي مقارنة بتقنيات اللاعبين في كشف التسلل ليس في نفس المستوى تماماً.
لكنها قللت من شأن دقة ملاحظة خطاف حديدي مستقيم وأسلوبه الماكر.
رغم أن أداء خطاف حديدي مستقيم في المعارك المفتوحة كان عادياً، إلا أنه في بيئة كهذه حيث يتنافس الجميع في "المكر والتخفي"، كان أداؤه لا يعلى عليه.
واصل البحث وكأنه لم يتغير شيء، وتواصله مع قارع الطبل كان طبيعياً تماماً، لكن عينيه كانت تلمح دائماً الأماكن التي يستبعد وجود أحد فيها.
وبعد فترة وجيزة، اكتشف فعلاً خيطاً.
كانت هناك شجرة خلفهم تظهر عليها علامات غريبة؛ فرغم أن الرياح كانت تحرك قمم كل الأشجار، إلا أن جزءاً من الأوراق الكثيفة في منتصف تلك الشجرة كان ثابتاً تماماً.
غير خطاف حديدي مستقيم زاويته عدة مرات، وتأكد بطرف عينه: يوجد شخص مختبئ هناك بالفعل.
كان رد فعله الأول: بالفعل هناك أحد.
رد فعله الثاني: أتظنون أنفسكم أمكر مني؟
أما رد فعله الثالث فكان التفكير في كيفية إخبار الجميع للقبض عليهم.
لكنه سرعان ما تراجع عن هذه الفكرة، لأنه تذكر مهارته وقرر القيام بشيء "مبتكر".
عقد الكراهية —— يُستخدم ضد الأهداف التي تكن عدائية تجاهه؛ يضعف العدو تماماً، والثمن هو تعزيز العدو لفترة وجيزة قبل الإضعاف.
هذه هي المهارة الوحيدة التي لا تتطلب منه دفع ثمن جسدي.
أمال جسده متظاهراً بالبحث عن آثار وسط الشجيرات، وبكل هدوء وجه مهارته نحو ذلك المكان الساكن في قمة الشجرة حيث يُشتبه باختباء شخص ما. وبالفعل، شعر باستجابة المهارة التي حددت الهدف.
يوجد شخصان على الشجرة!
!!!
اليوم سأكون أنا الـ MVP.
أطلق خطاف حديدي مستقيم المهارة مرتين دون تردد، ثم بدأ يحسب الوقت في قلبه بصمت.
"يا خطاف، هل اكتشفت شيئاً؟" كانت حاسة شخص صالح يعيش حياة عادية حادة، وأدركت فوراً أن خطاف حديدي مستقيم يخطط لشيء ما من خلفهم.
هز خطاف حديدي مستقيم رأسه وقال: "لا تستعجلي، انتظري قليلاً."
"ننتظر ماذا؟"
"ننتظر المهارة حتى تأخذ مفعولها."
...
على قمة الشجرة البعيدة، كان هناك شخصان يراقبان اللاعبين دون حراك. وبصفتهما "صافرتين" (كشافة) خبيرين، كانا يثقان تماماً في قدرتهما على التخفي.
لكن الوضع اليوم كان غريباً؛ فقبل قليل، شعر كلاهما فجأة بحرارة تنفجر في بطنهما، وتدفقت حرارة دافئة في أطرافهما، مما جعل روحهما المتعبة تنتعش فجأة.
ظل الشخص الموجود على اليسار يفتح ويغلق فمه لفترة، حتى لم يعد يطيق صبراً، وسأل بصوت خافت جداً: "ديزا، أشعر وكأنني سأستيقظ."
كان هذا هو نفس شعور "ديزا"؛ فقد شعر أن حاسة السمع والبصر لديه قد تحسنت كثيراً، وتفكيره أصبح أكثر وضوحاً مقارنة بحالته المرهقة السابقة، وامتلأت أطرافه بقوة لا تنضب.
التفت ببطء شديد لينظر إلى رفيقه، محاولاً عدم إثارة أي حركة في الأغصان، ثم أومأ برأسه تمتم: "أنا أيضاً. لن نتبعهم بعد الآن؛ هؤلاء لا يبدون كتجار عبيد عاديين. لنجد مكاناً نختبئ فيه أولاً لنتأكد من حالتنا الجسدية."
تبادل الاثنان النظرات، ورأى كل منهما في عيني الآخر الدهشة والإثارة.
هل يعقل.. أن هذا هو "يوم الحظ" لكليهما؟
....