ما زلتُ… لا أستطيع التصديق.
الفكرة نفسها اصطدمت بعقلي مرارًا، وارتدت كما لو أنها ترفض أن تُحتوى.
نوكس…
هو المافيا.
هو…
مَن كان يسير بيننا، يتحدث معنا، ينظر إلينا بعينيه الخاويتين…
بينما يحمل في داخله ذلك الدور الذي يبتلع الأرواح.
هو… من عاش داخل غرفةٍ مغلقة، تُحاصرها القواعد، وتُغذّيها الشكوك…
غرفةٍ لا يخرج منها إلا من تلطخت يداه أو كُتبت له النجاة على حساب الآخرين.
ارتجفت يدي دون وعي.
نظرتُ إلى أصابعي… كانت ترتعش بخفة، كأنها لا تنتمي إليّ.
برودةٌ خفية تسللت عبر أطرافي، زحفت ببطءٍ نحو صدري، حتى شعرتُ وكأن قلبي نفسه أصبح قطعة جليدٍ صامتة.
إذاً…
هل أصبح القتل أسهل بالنسبة إليه الآن؟
هل تلك الخطوة الأولى… هي الأصعب فقط؟
وبعدها… كل شيءٍ ينهار؟
وفجأة—
انبعث ذلك الصوت.
ليس من الخارج، بل من الداخل.
من عمقٍ بعيد، مظلم… لكنه واضح، حاد، لا يقبل التجاهل:
《مهلاً يا نيلوت… لماذا تستسلم لهذا السواد؟》
توقفت أنفاسي.
…ها؟
《لماذا تحاكمه الآن… وكأنك كنت ستفعل أفضل منه؟》
شعرتُ وكأن شيئًا شدّني من الداخل، كأن عقلي نفسه انقسم إلى نصفين… أحدهما يتهم، والآخر يدافع.
《أي شخصٍ في مكان نوكس… داخل تلك الغرفة… تحت ذلك الضغط…》
توقف الصوت لجزءٍ من الثانية، ثم أكمل بهدوءٍ بارد:
《كان سيفعل الشيء ذاته.》
ابتلعتُ ريقي.
ربما…
ربما معك حق.
لكن—
《فكّر.》
جاءت الكلمة حادة.
《حين تضيق الجدران… حين يتحول الهواء إلى سكين… حين يصبح كل من حولك تهديدًا…》
تسارعت دقات قلبي.
《ألن تفعل المستحيل… لتبقى؟》
لا!
صرختُ داخليًا.
أنا… لن أستطيع.
لن أستطيع القتل.
مهما حدث.
مهما اشتدّ الخناق.
لن أكون تلك اليد.
لن أكون الشخص الذي يُطفئ حياةً… فقط ليحيا هو.
《أوه… حقًا؟》
ضحكة خافتة، باردة، ترددت في أعماقي.
《سنرى… ما يفعله الجوع… والخوف… بيقينك هذا.》
اختنق الصوت.
أو ربما… أنا من هرب منه.
قبل أن أغرق أكثر في تلك الدوامة، جاء صوت صاحب العمل، كطوق نجاةٍ قاسٍ:
"هل أنت… من قتلها؟"
تجمّد كل شيء داخلي.
السؤال—
لم يكن موجهاً لي... بل لنوكس.
بدا كطعنة مباشرة.
انقبض صدري بعنف، وشعرتُ بأن الهواء قد اختفى فجأة من القاعة.
رجاءً…
رجاءً يا نوكس…
قل لا.
قل إنك لستَ من فعلها.
قل إن هناك حدًا لم تتجاوزه.
سقط الصمت.
صمتٌ كثيف… خانق… يمكنك أن تسمع فيه ارتطام القلوب داخل الصدور.
حتى الأنفاس…أصبحت حذرة، وبطيئة.
ثم—
تحركت شفتا نوكس.
وصوته خرج…منخفضًا… متعبًا… كزفير إنسانٍ فقد القدرة على المقاومة:
"لا…"
انفلت الهواء من صدري دفعةً واحدة.
زفرة طويلة، عميقة، شعرتُ معها بأن رئتيّ تعودان للحياة بعد اختناقٍ طويل.
لم يفعلها.
لم يكن هو.
لم يكن من أطفأ حياة روزي بيده.
لكن—
هل يغيّر هذا شيئًا؟
تساءلتُ بصمت، وعيناي ما زالتا معلقتين به.
القتل… يبقى قتلًا.
حتى لو لم تكن الضربة الأخيرة من يده.
حتى لو كان مجرد ترسٍ داخل آلةٍ أكبر.
أليست النتيجة واحدة؟
…الموت.
نهض كايرو ببطء، كأن جسده يتحرك دون إذنٍ منه، وكأن عقله لا يزال عالقًا في تلك اللحظة.
ملامحه مشدودة، عينيه غارقتين في شيءٍ رمادي…
ليس غضبًا خالصًا.
ولا حزنًا كاملًا… بل خليطٌ ثقيل من الاثنين.
"إذاً…"
قالها بصوتٍ جاف.
"كيف… رحلت؟"
لم يتردد نوكس.
لم يفكر، كأن الإجابة… لا تعنيه.
"تم إقصاؤها."
قالها ببساطة، وببرود.
"اشتبه الجميع بأنها القاتلة."
شعرتُ بشيءٍ ينقبض في داخلي.
بهذه السهولة؟
حياة إنسان…تُختصر في شك؟
في تصويت؟
في قرار جماعي… قد يكون خاطئًا؟
"وأنت؟"
سأل كايرو، وصوته بدأ ينهار عند الحواف.
"ألم… تدافع عنها؟"
صمت نوكس لحظة.
لحظة قصيرة…لكنها بدت أطول من اللازم.
"حاولت."
قالها أخيرًا بصوتٍ أخفض.
"لكن… لم يكن هناك فائدة."
سقطت الكلمات، وبقيت آثارها.
عاد كايرو إلى كرسيه، كما لو أن خيطًا ما انقطع داخله.
جلس بصمت.
بلا مقاومة.
بلا تعليق.
ربما—
فهم.
أو ربما…استسلم.
ساد السكون من جديد، لكنه لم يكن السكون نفسه.
كان أثقل.
أبطأ.
كأن القاعة كلها أصبحت مغمورة بشيءٍ غير مرئي.
راقبتُ من حولي.
صاحب العمل وريغان… انغمسا في حديثٍ منخفض، كلمات تقنية تتسرب بينهما كهمساتٍ لا تنتمي لهذا الجو.
لوكسيان، كايرو، زايروس… كلٌّ منهم غارقٌ بطريقته الخاصة.
صمتٌ يحاول أن يهضم الحقيقة.
سيريون—
واقفٌ كما هو.
عيناه تتحركان ببطء، تلتقطان التفاصيل، تحللان كل حركة، كل نفس… كأنه لا يرى أشخاصًا، بل حالاتٍ تُدرس.
كالستير—
غارق في نومه الغريب، كأن هذا العالم… لا يعنيه.
ونوكس…ما زال ينظر إلى الأرض، كأنه يقرأ… نهاية نفسه.
وفجأة—
"طــــق."
الصوت.
ذلك الصوت المعدني البارد… الذي أصبح كجرس إنذارٍ داخل أرواحنا.
ارتفعت رؤوسنا جميعًا في نفس اللحظة كأننا جسدٌ واحد.
الباب—
بدأ ينفتح ببطء، بصوتٍ ثقيل… كأن الزمن نفسه يُسحب معه.
انحبست أنفاسي.
هل—
من سيخرج هذه المرة؟
ظلال.
واحدة…
اثنتان…
ثم—
أكثر.
ثمانية.
ثمانية أشخاص.
بدأت ملامحهم تتشكل تحت الضوء الباهت.
فيسبر—
بابتسامته التي تتحدى هذا المكان، كأنه يرفض أن ينكسر.
فيلور—
بهدوئه المعتاد، عيناه ثابتتان، كأن شيئًا داخله لم يتزعزع.
فروند… ماركوس… كيم سانغ…
وجوههم مغطاة بطبقةٍ من الحزن، صامتة… لكنها واضحة.
كولديش—
غموضه يلتف حوله كوشاحٍ لا يُنزع.
تيروس—
بعينيه الحادتين، كأنهما لا تزالان تقاتلان.
ويندليس—
ترتجف… كغصنٍ ضعيف في مهب ريحٍ لا ترحم.
وفي تلك اللحظة—
شعرتُ بشيءٍ ينهار داخلي.
لكن—
ليس ألمًا، بل…ثقل.
جبلٌ كامل من القلق… انزاح فجأة عن صدري.
تنفست بعمق، لأول مرة… منذ وقتٍ طويل.
قدماي تحركتا من تلقاء نفسيهما.
ركضت دون تفكير، دون حساب.
فقط—
نحوهم.
نحو الحياة.
لمحني فيسبر، وابتسم، ثم لوّح بيده، بصخبٍ مألوف، وكأن شيئًا لم يتغير:
"يا رجل!"
صوته اخترق كل شيء.
"يبدو أنك ما زلت تعاند القبر… ولم تمت بعد!"
توقفت أمامه، ونظرت إليه.
ثم—
ابتسمت ابتسامة…لم تكن مجاملة.
لم تكن هروبًا.
بل—
حقيقية.
"وكيف أموت؟"
قلتُ بهدوء، وصوتي هذه المرة… لم يرتجف.
"ما زال لديّ… الكثير لأفعله."
...
تبادلنا التحايا… لكنها لم تكن تحايا عادية.
كانت سريعة، مقتضبة، كأن كل واحدٍ منا يخشى أن يُطيل النظر في وجه الآخر… فيرى فيه شيئًا لا يريد رؤيته.
أيدٍ تُصافح ببرودٍ خفيف، عيونٌ تلتقي لثوانٍ ثم تهرب، وابتساماتٌ وُلدت متعبة… بالكاد استطاعت أن تعيش.
كان في الجو شيءٌ غريب—
ارتياحٌ ممزوج بالحذر.
كأننا سعداء… لكننا لا نثق بهذا الشعور.
أما كولديش…
فلم يكن جزءًا من هذا المشهد منذ البداية.
انسحب من بيننا بصمتٍ بارد، دون كلمة، دون حتى نظرة وداع.
خطواته كانت هادئة، ثابتة، كأن الأرض لا تصدر صوتًا تحت قدميه.
اتجه نحو أحد المقاعد البعيدة، في أطراف القاعة، حيث الظلال أثقل… والوجوه أقل.
جلس هناك وحده.
كالعادة.
كأنه يرفض الانتماء، أو ربما… لم يعد يرى فائدةً منه.
راقبته للحظة.
تساءلت—
هل العزلة… خيار؟
أم… نتيجة؟
تلاه كيم سانغ، لكن بخفةٍ مختلفة.
اقترب مني قليلًا، وانحنى برأسه نحوي، وهمس بنبرةٍ خافتة، تحمل ضحكةً مكبوتة:
"هاهاها… انظر إليه."
أشار بعينيه نحو كولديش.
"عاد ليغرق في عالمه الخاص."
تنهد بخفة، ثم أضاف:
"ما الذي عساي فعله معه؟"
هززت رأسي بصمت.
لم أجد إجابة.
لأن الحقيقة…أن بعض الأشخاص، مهما تغيرت الظروف، ومهما اشتدت الأهوال…
يبقون كما هم.
وكأن العالم كله قد ينهار… لكنهم لا يتحركون.
العزلة—
كانت الشيء الوحيد الذي لم تكسره هذه اللعبة.
قطع ذلك المشهد تقدمُ صاحب العمل.
خطواته—
هادئة.
لكنها تحمل وزنًا.
كل خطوةٍ منه أحدثت صدىً خافتًا فوق الأرضية، صدىً يشبه إعلانًا غير مباشر…
أن شيئًا مهمًا على وشك أن يُقال.
توقف أمام العائدين.
نظر إليهم.
نظرة طويلة، فاحصة، كأن عينيه لا تكتفيان برؤية وجوههم…
بل تغوصان في أعماقهم، تبحثان عن الشقوق التي خلّفتها تلك الغرف.
ثم قال:
"من الجيد… أن رؤوسكم لا تزال فوق أكتافكم."
نبرة صوته كانت هادئة… لكنها تحمل ما هو أكثر من مجرد ترحيب.
ارتياحًا مخفيًا… لكنه موجود.
أردف ريغان، دون أن يرفع صوته:
"صحيح."
عقد ذراعيه، ونظر إليهم بنظرةٍ جافة، أقرب إلى التوبيخ منها إلى التهنئة.
"ما زلتم في مقتبل العمر."
توقف لحظة.
"أطفال… لا يليق بكم الموت بعد."
كلماته—
بدت دافئة.
لكنها لم تكن خالية من شيءٍ آخر.
شيءٍ يشبه…الحرص.
أومأ تيروس برأسه، لكن ملامحه لم تهدأ.
وكأن هناك شيءٌ داخله… لم يُغلق بعد.
قال بحدةٍ خفيفة:
"أنا بخير."
رفع ذقنه قليلًا.
"لا داعي للقلق."
لكن صوته لم يكن واثقًا كما أراد.
أما ماركوس…فتنهد، تنهيدة عميقة خرجت من صدره كأنها تحمل أيامًا كاملة من الضغط.
مرر يده على وجهه، ثم قال بصوتٍ متعب، متقطع عند الحواف:
"لقد كان… مرهقًا."
توقف، وكأن الكلمات تثقل عليه.
"لم يخطر ببالي… قط… أنه هو المافيا."
خفض نظره، والصمت الذي تبع كلماته… قال الباقي.
أومأ فيسبر إلى جانبه.
لم يتكلم.
لكن عينيه—
عكستا شيئًا لم أره فيه من قبل.
تعب حقيقي، وعميق، كأن الابتسامة التي يحملها دائمًا… لم تعد تكفي.
رفعت بصري نحوهم، وشعرتُ بشيءٍ يتحرك داخلي.
سؤال.
سؤال لم يعد يحتمل التأجيل.
ابتلعت ريقي، ثم قلت، محاولًا تثبيت صوتي:
"تذكرت…"
توقفت لثانية.
"من كان… المافيا الثاني في فريقكم؟"
عم الصمت، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا.
بل—
لزجًا.
ثقيلاً.
كأنه التصق بالهواء نفسه.
تحولت بعض النظرات نحو الأرض، نحو الفراغ، نحو أي مكان… إلا نحوي.
شعرتُ بأنني…لم أسأل فقط، بل… فتحت جرحًا.
وأخيرًا—
تحدث فيلور.
صوته خرج هادئًا… رخيمًا… لكنه مشبع بشيءٍ أثقل من التعب.
"كان… تشاست."
تشاست؟
توقفت أفكاري.
توقفت تمامًا، كأن الزمن نفسه… تعثر مرةً أخرى.
ذلك الاسم—
لم يكن مجرد اسم، بل ذكرى.
صوت.
ابتسامة.
كلمات كانت تُبنى عليها آمالنا كل يوم.
تشاست…ذلك الذي وقف معنا، رفع معنوياتنا، رسم لنا مخرجًا من هذا المكان بكلماته الدافئة…
هو نفسه…مَن حمل النصل؟
شعرتُ ببرودةٍ حادة تسري في جسدي.
ليس خوفًا.
بل…خذلان.
طعنة صامتة من الخلف.
ألمٌ غريب، لا يصرخ… لكنه يبقى.
ابتلعتُ غصةً مرة، وأجبرت نفسي على الكلام:
"هكذا إذًا…"
خفضت بصري.
"كان هو."
لكن داخلي…لم يكن هادئًا.
كان يعجّ بسؤالٍ واحد:
كم واحدًا آخر…يبتسم لنا الآن…ويخفي خلف ابتسامته… شيئًا آخر؟
وفي تلك اللحظة—
اقترب البقية.
سيريون.
لوكسيان.
زايروس.
وميليسا، وبرفقتها الآخرون.
توقفت الحركة.
تغير الجو قليلًا.
قال سيريون، وهو يتفحص الوجوه بعينيه الباردتين:
"هذا… مثير للاهتمام."
توقف، كأن الفكرة تترتب في ذهنه.
"كنت أتوقع… أن نخسر واحدًا منا على الأقل."
انتفض تيروس فورًا.
"لا تقل هذا!"
قالها بحدة، ونبرته لم تخفِ ضيقه.
"لماذا كل هذا التشاؤم؟!"
اقترب خطوة.
"ألا يكفي ما مررنا به؟!"
ابتسمت ميليسا.
لكن ابتسامتها بدت… واهنة.
هشة.
"أنا…"
قالت بصوتٍ خافت.
"شعرت أن قلبي عاد ينبض… بمجرد رؤيتكم."
رد ماركوس، بنبرةٍ دافئة، صادقة:
"لن نسمح للحزن… أن يطرق بابكِ يا عمة."
ثم أضاف، بابتسامةٍ خفيفة:
"ليس وأنتِ بيننا."
وفجأة—
تغير كل شيء ببساطة، وببراءة.
أشارت ليانا بإصبعها الصغير نحو ماركوس، وقالت بصوتٍ مليء بالحيوية:
"انظروا!"
توقفت لحظة، ثم انفجرت ضاحكة:
"لقد عاد… البطاطا!"
اتسعت عينا ماركوس.
"بطاطا؟!"
أشار إلى نفسه، بدهشةٍ مبالغ فيها.
"أنا؟!"
ثم انفجر ضاحكًا.
ضحكة حقيقية، نقية، كأنها لا تنتمي لهذا المكان.
انحنى قليلًا، ومد يده ليلمس شعرها:
"نعم…"
قالها وهو يبتسم.
"لقد عاد البطاطا."
حتى أنا ابتسمت رغم كل شيء، رغم الألم، رغم الخوف.
هذه اللحظة…كانت حقيقية.
لم يفوت لوكسيان الفرصة.
ضحك، وعاد قناعه المعتاد:
"هاهاها!"
أشار إليه باستخفاف.
"لا أجد وصفًا أدق."
رفع حاجبه.
"أنت… بالفعل… تشبه بطاطا بائسة."
لكن ماركوس لم يرد، لم ينظر إليه حتى، بل اكتفى بالاستمرار في اللعب مع ليانا.
كأنه اختار.
اختار أن يترك الضجيج.
اختار أن يتمسك بهذه اللحظة الصغيرة.
بهذه…الحياة المؤقتة.
راقبتهم، وشعرتُ بشيءٍ غريب.
بين كل هذا الخوف، والموت.
ما زلنا…نضحك، ما زلنا نجد سببًا…لنبتسم.
وربما…هذا بالضبط…هو ما يجعلنا…لم ننكسر بعد.
...
تقدّم كايرو نحو فيسبر بخطواتٍ مترددة، كأن الأرض نفسها تثقل تحت قدميه.
بدا واضحًا… أنه لا يتجه نحوه فقط.
بل يحاول الهروب من شيءٍ آخر.
طيف.
اسم.
ذكرى لا تكفّ عن الطرق.
…روزي.
توقف أمامه، ونظر إليه لثوانٍ، ثم قال بصوتٍ منخفض، خافتٍ كأنّه لا يريد أن يسمعه أحد سواهما:
"كيف نجوت يا رجل…؟"
توقّف، وكأن السؤال لم يكتمل بعد.
"لقد ظننتُ… أن نهايتك كُتبت هناك."
رفع فيسبر رأسه ببطء، وعيناه—رغم التعب—لم تفقدا ذلك البريق الغريب.
بريق شخصٍ… يرفض الانطفاء.
ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن خفيفة في معناها.
"الموت…"
قالها ببطء، وكأنه يزن الكلمة في فمه.
"لا يروق لي بعد."
رفع نظره قليلًا، وكأنه يتحدى شيئًا غير مرئي.
"ما زال لديّ… حسابات لم تُصفَّ."
كلماته—
لم تكن مجرد رد، بل إعلانًا.
إعلان بقاء.
لكنني، وأنا أراقبه، شعرتُ بشيءٍ خفي.
هذا النوع من العناد…هل هو قوة؟
أم…مجرد تأجيل للسقوط؟
في الجانب الآخر، التفت صاحب العمل نحو فيلور.
كان في ملامحه شيءٌ مختلف.
هدوء… لكنه ليس هدوء الراحة.
بل هدوء من أنهى معركةً طويلة… ولا يزال يقف.
"يبدو…أن هذه هي النهاية."
قالها بصوتٍ منخفض.
"أليس كذلك؟"
أومأ فيلور برأسه، بوقارٍ يليق به، لكن عينيه… لم تخلُ من ظلٍ خافت.
"نعم."
قالها بهدوء.
"لهذا الجزء… على الأقل."
…
"لهذا الجزء."
ترددت العبارة في عقلي.
إذاً… هناك جزء آخر.
دائمًا… هناك جزء آخر.
في زاويةٍ قريبة، كان مشهدٌ مختلف يتشكل.
اقتربت بيول من ويندليس.
خطواتها لم تكن واثقة كما عهدتها، بل بطيئة، ومترددة.
كأن كل خطوةٍ تُكلّفها مواجهة شيءٍ داخلي.
وقفت أمامها، ثم قالت، بصوتٍ مسموع هذه المرة، خالٍ من أي قناع:
"أنا… أعتذر."
توقّفت، وكأن الكلمة وحدها لا تكفي.
"أعتذر بصدق… عن شكي فيكِ."
شدّت على يدها قليلاً.
"وعن ذلك الهجوم… الأرعن."
رفعت نظرها إليها، وعيناها لم تختبئا.
"الخوف…غشِيَ بصري."
أطرقت ويندليس برأسها.
خصلات شعرها انسدلت قليلًا، تحجب جزءًا من وجهها،
لكن صوتها… خرج واضحًا، رقيقًا، يحمل صدقًا لا يحتاج تفسيرًا:
"وأنا… آسفة أيضًا."
رفعت نظرها نحوها.
"لم يكن يجدر بنا… أن نصل إلى ذلك الحد."
توقفت لثانية، ثم—
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها… دافئة.
"لا بأس."
قالت بهدوء.
"قد مضى كل شيء."
كم هو غريب.
كيف يمكن لكلمتين…
"قد مضى"—
أن تُخفي خلفهما كل ذلك الألم؟
...
بعد عدة ثوانٍ عرضت عليها بيول الانضمام إلى مجموعة الفتيات.
ترددت ويندليس قليلاً.
لحظة قصيرة، ثم وافقت.
وسارت معها ببطء، حتى اختفت بين ضجيجٍ خافت من الأحاديث، أصواتٍ متداخلة، ضحكاتٍ متعبة… لكنها حقيقية.
راقبتهما وهما يبتعدان، وشعرتُ بشيءٍ خفيف.
شيءٍ يشبه…الراحة.
وبينما كانت السكينة تحاول أن تبسط جناحيها فوق القاعة—
جاء الصوت.
حاد.
مفاجئ.
كصفيرٍ يشق الهواء.
التفتت الرؤوس.
ظهر بينفيت.
يمشي كعادته… بثقةٍ مستفزة، وابتسامةٍ لا تُبشّر بالخير.
توجه مباشرةً نحو فروند.
توقف أمامه، ثم قال، بصوتٍ مرتفع، يحمل سخريةً واضحة:
"واو~انظروا من عاد."
أمال رأسه.
"بطل العدالة… والمبادئ."
لم يرد فروند، بقي صامتًا، واقفًا، كأن الكلمات… لا تصل إليه.
أو…كأنه يختار ألا يسمع.
لكن بينفيت لم يتوقف.
اقترب خطوة، وصوته أصبح أكثر حدة:
"أخبرني…"
ابتسم ابتسامة باردة.
"كيف هو ملمس النجاة… حين تدرك أنها ثمنٌ لحياة الآخرين؟"
شعرتُ بشيءٍ ينفجر داخلي.
هذا—
لم يكن مجرد استفزاز، بل طعنة مباشرة نحو مكانٍ هش.
نحو إنسانٍ بالكاد يقف.
لم أتحمل.
تقدمتُ خطوة، وخرج صوتي أقوى مما توقعت:
"لم ينجُ على حساب أحد!"
التفتت الأنظار، لكنني لم أتوقف.
"المقنّعون—"
شددت على الكلمة.
"هم القتلة الحقيقيون!"
اقتربت أكثر.
"هم من وضعوا النصل في أيدينا! ليس هو!"
ساد الصمت.
نظر بينفيت إليّ طويلًا.
عيناه—
غامضتان.
لا تقرأ شيئًا واضحًا، ولا تعطي شيئًا.
ثم…ابتسم، لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه.
التفت ببطء نحو فروند، ووضع يده على كتفه، بنوعٍ من الغرور الذي لا يُحتمل.
"على أية حال…"
قالها ببرود.
"من الجيد… أنك لا تزال تتنفس."
ثم استدار وغادر، وضحكته…ترددت.
باردة.
طويلة.
كصدىٍ لا يريد أن يموت.
...
عدنا واحدًا تلو الآخر إلى كراسينا.
جلسنا ببطء، كأن أجسادنا… تذكرت فجأة أنها متعبة.
الهدوء بدأ يتسلل، لكنني شعرتُ به.
لم يكن هدوءًا حقيقيًا.
بل هدوء ما قبل شيءٍ آخر، كقشرةٍ رقيقة…تغطي بركانًا.
وفجأة—
قطعت ميليسا ذلك السكون.
صوتها خرج عفويًا، بسيطًا، لكنه أصاب الهدف.
"أوه…"
قالت، وكأنها تذكرت شيئًا عاديًا.
"أين هي روزي؟"
في تلك اللحظة تجمد الهواء.
حرفيًا.
شعرتُ بأن صدري… لم يعد يتحرك.
الأنفاس توقفت، الأصوات اختفت، والعالم…انكمش.
نظرتُ إلى فيسبر، ثم إلى ماركوس، ثم إلى تيروس… وفيلور.
عيونهم تحركت بين بعضهم ببطء، كأنهم… يرون شيئًا لأول مرة.
فراغًا.
شيئًا…لم يعد موجودًا.
تمتم تيروس، وصوته خرج متقطعًا، كأنه يبتلع شيئًا مريرًا:
"أجل…"
توقّف، وعيناه بدأت تبحث في القاعة.
في الوجوه.
في الأماكن.
"أين… روزي؟"
لم أجب.
لم أستطع.
لأن الحقيقة…كانت هناك.
جالسة معنا.
صامتة.
تنتظر أن يُنطق بها.