تجمّد كلُّ شيءٍ في القاعة.
لا… لم يكن مجرد صمت.
بل كان ذلك النوع من السكون الذي يُشعِرك أن الزمن نفسه قد تعثّر… وارتطم بحائطٍ غير مرئي، فتكسّر صوته واختفى.
الضحكة العالية التي كان يطلقها بينيت قبل لحظاتٍ فقط…
انقطعت فجأة، كخيطٍ مشدودٍ قُطع بسكينٍ حاد.
والهمسات الخافتة التي كانت تتبادلها بيول مع رفيقاتها…
تلاشت، كما تتلاشى آثار الأقدام تحت عاصفةٍ رملية.
حتى لوكسيان…
ذلك الذي لم تفارق ملامح الغرور وجهه إلا نادراً…
ذابت تلك الملامح ببطء، كما يذوب الشمع تحت لهيبٍ صامت، تاركةً خلفها فراغًا لم أره عليه من قبل.
…الخوف.
كان الشعور واحدًا.
الفكرة واحدة.
قبيحة… مظلمة… ومستحيلة.
هل يُعقَل أن يكون هو…؟
…المافيا؟
لا.
لا!
اندفعتُ داخليًا لأمزّق هذه الفكرة قبل أن تتجذر.
هززت رأسي بعنفٍ خفيف، كأنني أطرد شيئًا يحاول التسلل إلى عقلي.
هذا جنون.
لابد أنني أهذي.
لابد أن الأيام… هذا الضغط… هذا الرعب المستمر… قد بدأ يعبث بمنطقي.
ربما…
نعم… ربما أنهى مهمته.
ربما خرج بسلام.
هذا هو التفسير الوحيد… الوحيد المقبول.
أي تفسيرٍ آخر… يعني أننا كنا نعيش مع قاتل… دون أن نعلم.
قطع كايرو هذا الصمت المشدود، وصوته خرج مرتجفًا، هشًا… كأنه لا يخاطبنا، بل يحاول إنقاذ نفسه:
"يا رفاق… ما خطب هذه الوجوه؟"
توقف لحظة، وابتلع ريقه بصعوبة.
"لا تنظروا إليه هكذا… لابد أنه أنهى مهمته بنجاح فحسب…"
تردّد، ثم أكمل، بصوتٍ أخفض:
"لماذا… تنظرون إليه وكأنه…"
توقف مرة أخرى، وكأن الكلمة تخنقه.
"…وكأنكم تعتقدون أنه المافيا؟"
هززت رأسي بسرعة، قبل أن تكتمل الفكرة في الهواء.
"لا… مستحيل."
خرج صوتي متلاحقًا، متسرعًا، كأنني أبني جدارًا من الكلمات أمام انهيارٍ وشيك:
"لا يمكن أن نفكر بهذا السواد… لا يمكن."
أومأ زايروس برأسه ببطء…
لكن عينيه…
عينيه لم توافقاني.
بدا فيهما شيءٌ آخر، شيءٌ صامت… لكنه واضح.
الشك.
في تلك اللحظة—
تحرّك نوكس.
خطوة.
ثم…خطوة أخرى.
كان صوتهما خافتًا… لكنهما ارتطما بسمعي كضرباتٍ ثقيلة.
خطاه لم تكن طبيعية…بل بطيئة… رتيبة… ثقيلة.
كأن شيئًا غير مرئي يجرّه إلى الأمام.
كأن الأرض نفسها… ترفض أن تحمله.
راقبته وأنا أشعر بانقباضٍ غريب في صدري.
وصل إلى أحد الكراسي، وجلس ببطء، بهدوءٍ… مريب.
وضع يديه فوق ركبتيه، أصابعه ثابتة، بلا حركة… بلا حياة.
ورفع رأسه قليلًا…لكن عينيه—
لم تريا شيئًا.
لم تريا أحدًا.
كانت فارغة.
فارغة بطريقةٍ… مرعبة.
ساد الصمت مجددًا.
لكن هذه المرة…لم يكن صمت ترقّب.
بل صمت… انتظار حكم.
ثوانٍ مرت…أو ربما دقائق…
لا أعلم.
لكن الغريب—
أن التوتر بدأ يتلاشى ببطء، كأن القاعة نفسها… قررت أن تنسى.
عادت الهمسات.
ضحكات خافتة ارتفعت في الزوايا البعيدة.
أحاديث جانبية…نظرات عابرة…وكأن ما حدث… لم يكن سوى مشهدٍ عابر.
مسرحية قصيرة…انتهت.
لكن—
ليس الجميع ينسى.
تحرك صاحب العمل بهدوء، وبثبات، وكل خطوةٍ منه حملت وزنًا… كأنها قرار.
كأنه قاضٍ يتقدم نحو منصة الحكم.
تلاه ريغان.
ظله الثقيل ينسحب خلفه كصدى صامت.
لم أشعر بنفسي…إلا وأنا أتحرك خلفهما، وكأن قوةً خفية تسحبني.
التفتُّ سريعًا، وأشرتُ لكايرو، ولوكسـيان، وزايروس.
تبعوني.
تركتُ ميليسا وليانا خلفنا.
بعيدًا.
بعيدًا عن هذا…الثقب الأسود.
…
توقف صاحب العمل أمام نوكس، وقف… دون أن يتكلم.
نوكس—
بقي كما هو، ينظر إلى الفراغ.
ثم…ببطءٍ شديد…رفع بصره، والتقت عيناه بعيني صاحب العمل.
تلك اللحظة—
كانت أطول من أن تُقاس.
"نوكس."
قالها صاحب العمل.
صوتٌ رصين.
ثابت.
لكن خلفه… شيءٌ آخر.
ترقب.
صمت نوكس.
ثانية…ثانيتين…
شعرتُ أن قلبي توقف، أن الهواء… لم يعد يكفي.
ثم فتح فمه وقال:
"نعم… أنا المافيا."
لم يسقط الصمت فقط، بل سقط شيءٌ أكبر.
شيءٌ داخلي انكسر.
تلاشى الأمل.
تلاشى...كل شيء.
ليس ببطء…بل كدخانٍ تبتلعه عاصفة.
اختفى كأنّه لم يكن.
العالم…بدا وكأنه انحرف عن مساره للحظة.
صاحب العمل تجمّد تمامًا، كأنه تمثالٌ من حجرٍ بارد.
ريغان—
أطلق زفرة طويلة، ثقيلة…كأنها تحمل خيبة أيامٍ كاملة.
كالستير—
…لأول مرة.
رأيت على وجهه شيئًا غير الفهم.
الذهول.
كايرو…زايروس…لوكسيان…تحولوا إلى تماثيل.
وأنا—
لم أتحرك.
لم أفكر.
لم أشعر.
هل…هل هذا حقيقي؟
هل قالها…؟
نوكس؟
نوكس الذي أعرفه؟
…هو؟
إذاً…هو من قتلهم؟
جميعهم؟
وروزي؟
قبل أن تغرقني هذه الأفكار—
تحدث صاحب العمل بهدوءٍ… مرعب.
"هكذا إذًا…"
ثم جلس بجانبه ببساطة.
"لا مفر من حدوث هذا… إن كنت المافيا."
صمت لحظة.
"لا تلم نفسك."
ثبتت عينا نوكس على صاحب العمل لبرهةٍ قصيرة…
برهةٍ بدت كافية لتكشف فراغًا مخيفًا خلفهما.
لا ندم.
لا غضب.
لا حتى محاولة تبرير…
فقط خواءٌ صامت، كسماءٍ بلا نجوم.
ثم، وكأن تلك اللحظة لم تكن، انحدر بصره مجددًا نحو الأرض، واستسلم لصمتٍ كثيف، خانق…
صمتٍ يشبه القبور.
…وعندها، انكسر كل شيء.
كايرو.
لم يعد يحتمل.
اهتز جسده، وكأن شيئًا داخله تمزق فجأة.
ثم اندفع صوته مرتجفًا، متقطعًا، وكأنه يجر الكلمات جراً من بين أنقاض روحه:
"هـ-هل كانت… روزي… في فريقك؟"
لم يكن سؤالًا.
بل رجاءً.
رجاءً بائسًا… يبحث عن كذبة، أي كذبة، حتى لو كانت هشة كخيط دخان.
ساد الصمت.
صمت… يضغط على الأعصاب، يفتش في الذاكرة، ينبش جراحًا لم تلتئم.
نوكس لم يرفع رأسه.
لم يتحرك.
لكن صوته خرج أخيرًا… باردًا… قاطعًا… كحكمٍ نهائي:
"…نعم."
…وفي تلك اللحظة—
لم أحتج لأي تفسير، لم أحتج لأي تفاصيل.
فهمت.
روزي… ماتت.
شعرتُ وكأن شيئًا حادًا اخترق صدري دفعةً واحدة، ألمٌ مفاجئ، عميق، لم يكن جسديًا فقط…
بل شيءٌ أعمق، شيءٌ أقرب إلى انكسارٍ داخلي صامت.
رغم أنني لم أعرفها جيدًا…
لم نتحدث كثيرًا…
لكن—
صورتها.
ابتسامتها.
تلك اللحظات الصغيرة التي وقفت فيها معنا…
ساعدتنا… تصرفت بلطفٍ وسط هذا العذاب…
كلها اندفعت إلى ذهني دفعةً واحدة.
كانت إنسانة.
لها حياة.
لها تفاصيل.
لها… عالم.
وربما…شخصٌ ما… ينتظرها الآن.
ينتظر عودتها.
لا يعلم…
أنها لن تعود أبدًا.
رفعتُ بصري ببطء نحو نوكس.
الجالس أمامنا، الساكن…الصامت…
وخطرت في رأسي فكرةٌ مرعبة:
…هل كان هو السبب؟
هل تلك اليدان… اللتان تستقران الآن بهدوءٍ على ركبتيه…
ملطختان بدمها؟
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
كم مرة… سنفقد؟
كم مرة… سنضطر لابتلاع هذا الألم؟
لماذا نحن؟
ولماذا… بهذه القسوة؟
"مـ-ما الذي… حدث لروزي؟!"
صرخة كايرو مزقت الصمت.
لم تكن مجرد سؤال…بل انفجارًا.
صوتٌ محمّل بالغضب… بالعجز… بالوجع الذي لا يجد طريقًا للخروج.
لكن—
لا أحد أجاب.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف.
حتى الجدران… صمتت.
إلى أن—
تحركت شفتا نوكس ببطء، وبثقل.
"لقد… ماتت."
كلمتان.
فقط كلمتان.
لكن وقعهما…كان كقنبلةٍ انفجرت داخل صدورنا.
وفجأة—
اندفع كايرو.
لم أره يتحرك.
فقط—
كان هناك…ثم لم يعد.
وفي اللحظة التالية، أمسك بياقة نوكس بكلتا يديه، شدّها بعنفٍ كاد يمزق القماش، وصرخ في وجهه، صرخةً خرجت من أعماق إنسانٍ محطم:
"لماذا؟! لماذا هي؟! لماذا كان عليها أن تكون في فريقك؟!"
اهتز جسد نوكس مع العنف…
لكن—
لم يقاوم.
لم يرفع يده.
لم يدفعه.
لم حتى… ينظر إليه.
بقي كما هو.
جسدٌ بلا إرادة، كأن ما يحدث… لا يعنيه.
أو…كأنه لم يعد يملك القدرة على الرد.
ذلك الاستسلام…بدا أسوأ من أي مقاومة.
"كايرو!"
صوت صاحب العمل دوّى كالرعد.
تقدم خطوة، ونبرته هذه المرة لم تكن هادئة… بل حادة، صارمة، تحمل سلطة لا تقبل الجدل:
"اتركه… الآن!"
لكن كايرو لم يتحرك.
فأكمل، بصوتٍ أثقل:
"أنت تعلم جيدًا… أنه لم يكن يملك خيارًا!"
توقف لجزءٍ من الثانية، ثم أضاف ببطءٍ قاسٍ:
"القواعد…من قتلها. ليس هو."
…كلمات منطقية.
قاسية.
صحيحة.
لكن—
هل تكفي؟
هل يمكن أن تخفف شيئًا من هذا الألم؟
لا.
أبدًا.
وفي تلك الأثناء—
بدأت الرؤوس تلتفت.
الناس… تجمّعوا، كأن النزاع له رائحة… تجذبهم.
وجوهٌ فضولية، عيونٌ لامعة، وأصواتٌ منخفضة… تهمس:
"ما الذي يحدث هناك؟"
"هل يتقاتلون؟"
"هل بدأوا بقتل بعضهم؟"
"انظروا… إنه شجار!"
كانت الهمسات كالإبر، تغرز في الأعصاب، وتزيد الاحتقان.
ترفع حرارة المشهد.
رفع كايرو بصره أخيرًا.
نظر إليهم.
إلى تلك العيون…التي لا ترى الألم… بل تتغذى عليه.
شدّ على أسنانه بقوة، حتى بدت عروق رقبته بارزة، ثم—
دفع نوكس بعيدًا عنه بعنف.
تراجع نوكس خطوة… ثم استعاد توازنه ببطء.
أما كايرو—
فاستدار ومشى.
خطواته لم تكن ثابتة… بل مهزوزة، ثقيلة، وكأن الأرض نفسها ترفض حمله.
حتى وصل إلى كرسيٍ بعيد…وجلس.
ثم…دفن وجهه بين يديه.
تنهد صاحب العمل ببطء، زفيرٌ طويل، مثقلٌ بشيءٍ لا يُقال.
وبجانبه، قال ريغان بصوتٍ منخفض، يحمل عتبًا خفيفًا:
"لم يكن عليك أن تصرخ بهذه الطريقة."
لم ينظر إليه.
فقط قال، بنبرةٍ قاطعة، حاسمة:
"لو لم أفعل… لتمادى."
ساد الصمت.
واحدًا تلو الآخر…عاد الجميع إلى أماكنهم.
جلسوا ببطء، وبثقل، كأن الحركة نفسها أصبحت عبئًا.
حتى أنا…جلست.
لم أعد أملك طاقة الوقوف، ولا التفكير.
ولا حتى الشعور بشكلٍ واضح.
فقط…صمت.
صمتٌ عميق، واسع...ابتلعنا جميعًا.
ولم يتحدث أحد.
لأن الكلمات…لم تعد كافية.