أستلقي في سريري، وقد علقت عيناي بالسقف، بينما تتوارى أصوات المدينة الصاخبة خارج نافذتي شيئًا فشيئًا في الخلفية. يومٌ يمضي وراءه يومٌ آخر، ووجودي لا يعدو كونه عبثًا لا طائل منه. ألقي نظرة سريعة على الساعة، وقد تجاوز الوقت منتصف الليل بكثير، لكن لا شيء من ذلك يعنيني. فالنوم للضعفاء، وليس لدي ما يدفعني للاستيقاظ في الصباح على أي حال.
يراني معلمو المدرسة قضية خاسرة، لا يكفّون عن رمقي بتلك النظرات المستنكرة، ولا ينقطع همسهم من خلف ظهري. أما الطلاب الآخرون، فلا يختلفون كثيرًا، فهم يتجنبونني وكأنني وباءٌ سارٍ. لا أبدي أي اهتمام لذلك كله؛ فالأصدقاء أمرٌ مُبالغٌ فيه، ولست بحاجةٍ إلى رضا أيٍّ كان.
أقضي أيامي برفقة جدتي، امرأة عجوزٌ واهنة هي الوحيدة ربما في هذا العالم بأسره من يعبأ لأمري. تحاول دومًا التحدث إليّ، تسألني عن يومي وتطمئن على طعامي، لكنني في أغلب الأحيان أتجاهلها تمامًا. فليس بوسعها أن تفهم ما يعتمل في صدري وما أمر به على أي حال.
فقدتُ والديّ وأنا لا أزال طفلاً صغيرًا، في حادث سيارةٍ كاد يمحو من ذاكرتي تمامًا تفاصيله. لم تتحدث جدتي عنهما قط، وقد تعلّمت ألا أطرح أي سؤال في هذا الشأن. إنها مجردُ قطعةٍ أخرى من حياتي المضطربة، أسعى جاهدًا لألا أجول بخاطري حولها.
بينما كنت على وشك أن أنجرف إلى سبات عميق، طار إلى سمعي صوتٌ خافتٌ قادمٌ من غرفة المعيشة. كان الصوت مكتومًا، لكنه بدا وكأنه... بكاء؟ انسللتُ بهدوءٍ من سريري، وتسللتُ على أطراف أصابعي نحو باب غرفتي. فتحته شيئًا يسيرًا، يكفي لإلقاء نظرة خاطفة من خلال الفتحة الضيقة.
وهناك، في ضوء غرفة المعيشة الخافت، لمحْتُ جدتي وقد انحنت فوق منضدة القهوة، يهتز كتفاها بعنفٍ من شدة النحيب. كانت قابضةً على شيءٍ بين يديها، يبدو ككتاب، بينما كانت الدموع تنهمرُ غزيرةً على خديها المتجعدين.
لم أعهدها قط في مثل هذه الحال؛ ضعيفةً ومنكسرةً إلى هذا الحد. جزءٌ مني دفعني للتوجه إليها، لأسألها عما أصابها من ألم، لكنني أدركت الصواب قبل أن أفعل. فالمشاعر مجلبةٌ للفوضى، وأنا أبعد ما يكون عن التعامل معها.
عوضًا عن ذلك، فضّلتُ الانتظار. انتظرتُ بصبرٍ حتى استعادت رباطة جأشها، ثم اتجهت نحو سريرها بخطواتٍ متعثرةٍ منهكة. وما أن سمعتُ صوت ارتطام باب غرفتها يغلق بإحكام، حتى تسللتُ خلسةً إلى غرفة المعيشة، وقد غلبني فضولي الجامح.
كان الكتاب لا يزال هناك، ملقىً على منضدة القهوة، كمنارةٍ تشق عتمة المكان. مددتُ يدي نحوه، ويدايا ترتعشان قليلاً، بينما التقطته وأمعنتُ النظر في غلافه. كان قديمًا مهترئًا، وقد اضمحلّ عنوانه حتى كاد لا يرى. ضيقتُ عينيّ جاهدًا، محاولًا فك رموز كلماته، فقفز قلبي فجأةً حين أدركت حقيقة ما أمسك به.
إنه ألبوم صور، وعلى واجهته الأمامية، بخط جدتي المرتعش، خُطت الكلمات: "عائلتنا".
فتحتُ الألبوم بعنايةٍ بالغة، ويدايا ترتعشان ارتعاشًا خفيفًا بينما شرعتُ أقلّب صفحاته. كانت الصور الأولى لأشخاص لم أتعرف عليهم، لكن ما لبثتُ أن تعمقتُ في التقليب حتى وجدتُ نفسي أحدقُ فجأةً في وجوه والديّ. كانا يبتسمان، وعيونهما تفيض حبًا وهيامًا، وهما يحتضنان طفلاً صغيرًا ممتلئًا يقهقه مرحًا.
لا بد أن هذا الطفل هو أنا، لكنني مهما حاولت، لم أستطع استحضار أي ذكرى لتلك اللحظات السعيدة. كانت الصور قليلةً ومتباعدةً، تبعثرت في الألبوم كالجواهر النفيسة المتلألئة. كل واحدة منها كانت لقطةً من الفرح الصافي والضحكات البريئة، نافذةً على حياةٍ لم أعرفها قط. إنها تتناقض بشدة مع الفراغ الذي استهلكني منذ أمدٍ بعيدٍ لا أذكره. [ ترجمة زيوس]
عندما بلغت نهاية الألبوم، لفتت انتباهي حزمةٌ من الأوراق. كانت مدسوسةً في الخلف، مخبأةً ببراعةٍ خلف الصورة الأخيرة. سحبتها بعنايةٍ فائقة، ملاحظًا اصفرارها وهشاشتها الشديدة بفعل الزمن. تشققت الأوراق تحت أطراف أصابعي بينما قمتُ بفتحها، فأدركتُ أنها قصاصاتٌ من صحفٍ قديمة. قفزت العناوين الرئيسية نحو عينيّ، وبدت الحروف السوداء الجريئة وكأنها تصرخُ من صفحات الجريدة.
بدأ قلبي يتسارع في خفقانه، يضربُ بعنفٍ ضد أضلاعي، بينما التهمتُ بعينيّ الكلمات التي ستقلب حياتي رأسًا على عقب إلى الأبد.
«مقتل زوجين شابين بوحشية في منزلهما»
«الشرطة تبحث عن القاتل، ولم يُعثر على أي مشتبه به»
«المجتمع ينعى فقدان الزوجين المحبوبين»
تابعتُ القراءة، وعيناي تتسعان ذهولاً مع كل كلمةٍ أقرؤها. كانت المقالات تصف المشهد المروع، الجدران الملطخة بالدماء، وجسدي والديّ الهامدين. لم تجد الشرطة أي خيوطٍ، ولم يعثروا على أي شهودٍ أو دافعٍ واضحٍ للجريمة. لقد اختفى القاتل في جنح الظلام، تاركًا وراءه عائلةً محطمةً ولغزًا لم يُحلّ حتى يومنا هذا.
تغشى الدموع بصري بينما تطوف بي عاصفةٌ من المشاعر المتضاربة. صدمةٌ عنيفة، غضبٌ جامح، وحزنٌ عميق لم أعهده من قبل قط.
لماذا لم يخبرني أحدٌ بالحقيقة؟ ولماذا أخفت جدتي هذا الأمر عني طوال تلك السنين؟ كانت الخيانةُ تلسعني كالنار، لكنها تلاشت أمام الإدراك المفاجئ بأن والديّ لم يموتا في حادث عرضي وحسب.
لقد انتُزعا مني قسرًا، سُرِقا على يد وحشٍ بلا وجه، لا يزال يتجول طليقًا.
بأصابع مرتعشة، سحبتُ هاتفي وبدأتُ أبحثُ عن المزيد من المعلومات المتعلقة بجريمة القتل تلك. فتشتُ مقالات الأخبار القديمة وتقارير الشرطة، متشبثًا بأي بصيص أملٍ أو فتاتة معلوماتٍ قد تقودني إلى القاتل. قرأتُ عن حملة البحث الواسعة النطاق، وعن الطرق المسدودة التي واجهها التحقيق، وعن الإحباط الذي اعترى المحققين الذين عملوا بلا كللٍ لجلب الجاني إلى العدالة.
لكن أثر الجريمة كان قد برد، وقد أُحيلت القضية منذ زمنٍ بعيدٍ إلى أرشيف الجرائم الغامضة التي لم تُحلّ. لقد اختفى القاتل كأن لم يكن، تاركًا خلفه عائلةً مزقتها الفاجعة وجرحًا عميقًا لن يلتئم أبدًا.
وبينما كنت أجلس في ذلك الظلام الدامس، والألبوم معقودٌ إلى صدري، بدأ شعورٌ جديدٌ يتبلور داخلي ويتمكن مني. إنه العزم. ربما كنتُ صغيرًا جداً لأحتفظ بذكرى واضحة لوالديّ، لكنني لن أسمح لقاتلهما بالإفلات من العقاب مهما كان الثمن. سأعثر عليه، بغض النظر عن المدة التي سيستغرقها الأمر أو التضحيات التي سأقدمها.
ألقيتُ نظرةً أخيرةً على صورة والديّ، أطبعُ في ذاكرتي كل تفصيلةٍ من ملامحهما. قد يكونان قد رحلا عن هذا العالم، لكن ذكراهما لن تُمحى أبدًا من الذاكرة. ولن ينعم لي بالٌ بالراحة حتى أقدم قاتلهما إلى العدالة المستحقة.