بعد ست سنوات...
ما إن شرع قرص الشمس في البزوغ من الأفق حتى خطوتُ خارج شقتي الصغيرة، أُعدّل بدلة الشرطة الزرقاء النظيفة التي ارتديتها. كان وزن الشارة على صدري تذكيرًا دائمًا بالوعد الذي قطعته على نفسي قبل سنوات خلت، في اليوم الذي اكتشفت فيه حقيقة مقتل والديَّ. لم تكن الرحلة يسيرة قط، غير أني لم أتردد في عزمي لحظة واحدة.
لم أتمكن من الالتحاق بجامعة الشرطة الوطنية الكورية المرموقة، فدرجاتي في المدرسة الثانوية كانت شاهدًا مؤلمًا على السنوات التي قضيتها تائهًا بلا هدف. بيد أنني أبيتُ أن يوقفني ذلك، فدرستُ بجد لم أعهده في حياتي قط، منكفئًا على الكتب المدرسية وكتيبات الشرطة حتى ساعات متأخرة من الليل. ولقد دفعت جسدي إلى أقصى حدوده، متمرنًا حتى صرخت عضلاتي واشتعلت رئتاي حرقًا.
وعندما حان وقت التقدم لوظيفة ضابط شرطة مبتدئ، كنت مستعدًا تمامًا. كانت عملية الاختيار شاقة للغاية، أشبه بممر من التحديات الجسدية والعقلية التي صُممت لغربلة المرشحين والإبقاء على الأكثر تفانيًا وكفاءة. لكنني رفضت الاستسلام، رفضت أن يتبدد حلمي من بين يدي، وعندما أُعلنت النتائج النهائية، كان اسمي هناك، يضيء كمنارة أمل وسط بحر من الغموض.
الآن، وبينما أشُق طريقي إلى مركز الشرطة لبدء يوم عمل جديد، لم يسعني إلا أن أشعر بالفخر. قد لا أملك الشهادة الراقية أو المنصب الرفيع، لكنني بالضبط في المكان الذي يجب أن أكون فيه. كل يوم، تتاح لي فرصة مساعدة الناس وإحداث فرق في مجتمعي، وكل يوم، أخطو خطوة أقرب نحو العثور على الإجابات التي طالما بحثت عنها.
لدى دخولي أبواب المركز، استقبلني صخب النشاط المعتاد. مرّ الضباط مسرعين، ووجوههم ترسم تصميمًا صارمًا وهم يتوجهون لدوريات الشوارع أو للتحقيق في الجرائم. شققت طريقي نحو مكتبي، وهو حيز صغير فوضوي في زاوية غرفة العمليات، لا يمثل الكثير، لكنه ملكي، وهو حيث أُنجز أفضل أعمالي.
جلستُ، آخذًا لحظة لأجمع شتات أفكاري. كانت ملفات القضايا المكدسة على مكتبي تذكيرًا بالعمل الذي ما زال ينتظر الإنجاز، والألغاز التي لم تُحل بعد. غير أن هناك قضية واحدة تتربع دائمًا على رأس تلك الأكوام، قضية لا أستطيع إبعادها عن ذهني أبدًا: مقتل والديَّ.
لقد أمضيتُ ساعات لا تُحصى أتفحص الأدلة، باحثًا عن أي خيط قد يقودني إلى قاتليهما. لكن الأثر قد ضاع منذ زمن بعيد، وأحيانًا لا يسعني إلا أن أشعر وكأنني أطارد طيفًا. ومع ذلك، أرفض الاستسلام؛ فواجبٌ عليَّ تجاه والديَّ، وتجاه نفسي، أن أستمر في البحث حتى أجد الحقيقة.
إن مركز الشرطة الصغير الواقع في شمال سول، حيث كُلفتُ بالعمل، يختلف اختلافًا كبيرًا عن شوارع وسط المدينة الصاخبة التي تعج بالجرائم. إنها منطقة هادئة وادعة، أقصى ما يحدث فيها من إثارة هو كلب ضال أو نزاع بسيط حول موقف سيارات. ويرى المسؤولون الكبار أنها منطقة خالية من أي قضايا ذات شأن، وربما كانوا على صواب في ذلك، لكنني لا أُمانع.
كنتُ أعلم أنني سأُرسل إلى هنا، حيث فرص الترقية الكبيرة ضئيلة كخصر عارضة أزياء. لكنني لستُ خائب الأمل، فأنا مصمم ومجتهد، وفي داخلي نار لا تنطفئ حتى أحصل على القوة الكافية لإعادة التحقيق في قضية والديَّ. [ ترجمة زيوس]
فجأة، حطم رنين الهاتف الحاد رتابة اليوم. إنها قضية، وقفزت لأجيب كمن يلهث وراء غنيمة، وعلى الجانب الآخر من الخط كانت امرأة، صوتها يرتعش خوفًا. قالت إن أحدهم يحاول اقتحام شقتها، فتسارعت دقات قلبي مزيجًا من الإثارة والقلق.
بذلتُ قصارى جهدي لتهدئتها، جمعتُ معلوماتها بدقة الجراح، وأبلغت بها ضابطي الأقدم. بدا الضابط الأقدم، وهو مخضرم أشيب ببطن بارزة وعبوس دائم، غير مسرور كطفل في زيارة لطبيب الأسنان. لقد قُطع وقت قيلولته، فتمتم بتذمر وهو يطلب مني الاستعداد كي نذهب للتحقق.
لكنني كنت متحمسًا، ودماء الأدرينالين تضخ في عروقي، إنها قضيتي الأولى، وقد تكون المرأة في خطر كبير. “علينا الإسراع!” حثثتُ، أقفز على أطراف قدمي كالملاكم قبل النزال. وبعدما بدا وكأنه دهر من مماطلة الضابط الأقدم، وصلنا أخيرًا إلى منزل المرأة، وهو مبنى شقق قديم متهالك بدا وكأن الأيام قد عبثت به.
ضغطنا على جرس بابها، لكن لم يجب أحد. حاولنا مرة أخرى، وبعد قليل، خرجت المرأة أخيرًا، تبدو مشوشة كقطة في غرفة مليئة بالكراسي الهزازة.
بدت بخير رغم كل شيء، وقالت إن الغريب قد اختفى. شعرت بخيبة أمل وارتياح في آن واحد، كطفل اكتشف للتو أن جنية الأسنان ليست حقيقية. 'هل قضيتي الأولى بهذه البساطة حقًا؟' 'لكن من الجيد أنها بأمان،' ذكرتُ نفسي. طلبت منها الاتصال بنا إن حدث أي شيء، وغادرنا الشقة، وضابطي الأقدم يتذمر بجانبي بلا توقف كأنه أسطوانة مكسورة.
ثم، فجأة، سمعت صوتًا في رأسي، كان كهمس، لكنه ملحّ، يلحّ عليّ كحصاة في حذائي.
“هل أنت متأكد من المغادرة هكذا فحسب؟” سأل الصوت. “من الأفضل أن تعود وتتحقق منها مرة أخرى.”
توقفتُ، والصوت في رأسي يزداد إلحاحًا مع كل ثانية. التفتتُ إلى ضابطي الأقدم، وعلامات الاستفهام تعلو وجهي. “هل قلت شيئًا يا سيدي؟” سألتُ، محاولًا الحفاظ على صوتي ثابتًا.
شخر في وجهي، وعيناه تتقلبان بشدة حتى خشيتُ أن تتعلقا، “لا أيها المبتدئ، أراك تسمع أشياء الآن؟” واصل سيره في الرواق، وصدى خطواته يرن في الممر الخاوي.
نظرتُ حولي، وعيناي تتنقلان بسرعة بين الظلال، لكن لم يكن هناك أحد سوانا، نحن وصمت مبنى الشقق القديم المريب.
ثم، سمعتُه مرة أخرى، الصوت ذاته، يهمس في عقلي كطيف من الماضي.
“من الأفضل أن تعود وتتحقق الآن، قبل فوات الأوان.”