الفصل الخامس: وهم الانتصار
- منظور إيفا بلاكود -
هل كنت أعتقد حقاً أنني فزت؟
هل اعتقدت، بغروري وثقتي العمياء بصفتي "أميرة الظلال"، أن شفرة واحدة من الإيترا المظلمة تكفي لإنهاء كابوس من الرتبة S-؟
ياللغباء. ياللسذاجة المقززة التي تجعلني أرغب في تقيؤ أمعائي الآن.
في تلك اللحظة التي سقط فيها النصف العلوي للوحش الآلي اللحمي على الأرض، وتناثر الزيت الأسود الممزوج بالدماء الفاسدة، سمحت لنفسي بأن أتنفس.
سمحت لعضلاتي بأن ترتخي.
نظرت إلى أيدن الذي كان يبتسم بضعف، وإلى سيا التي كانت تبكي من الارتياح وهي تعالج داميان.
اعتقدنا أن الجحيم قد انتهى. لكننا نسينا القاعدة الذهبية في عالم الصيادين: الوحوش التي تتجاوز الرتبة A لا تخضع لقوانين البيولوجيا والفيزياء. إنها كوارث تمشي على قدمين.
بينما كنت أستند على كتف أيدن، سمعت صوتاً... صوتاً جعل دمي يتجمد في عروقي.
تشششك... بلوب... كراااك!
لم يكن صوت احتضار.
كان صوت لحم يلتئم، ومعادن تنجذب إلى بعضها البعض بقوة مغناطيسية مرعبة.
التفتت ببطء، وعيناي تتسعان حتى كادتا تخرجان من محجريهما.
النصف السفلي للوحش الآلي، الذي كان واقفاً كجذع شجرة مقطوع، بدأ ينبض بإضاءة قرمزية وحشية.
ومن جرح القطع الناعم الذي سببته شفرتي، اندفعت آلاف الخيوط اللحمية، العروق النابضة، والأسلاك الشائكة كأنها ديدان عملاقة جائعة.
التقطت هذه الخيوط النصف العلوي الملقى على الأرض، وبقوة سحب عنيفة، جذبت النصفين ليصطدما ببعضهما.
لحم التحم بلحم.
فولاذ انصهر مع فولاذ.
وفي أقل من ثلاث ثوانٍ... عاد الوحش يقف شامخاً.
بل أسوأ من ذلك، لم تكن مجرد عملية تجديد.
الإيترا الحمراء التي كانت تغلفه تضاعفت كثافتها حتى أصبح الهواء في الغرفة ثقيلاً، لزجاً، وخانقاً كأننا نقف في قاع محيط من الزئبق.
الكاميرات الحمراء التي تمثل عينيه توهجت بضوء شيطاني، والمناشير الآلية بدأت تدور بسرعة جنونية أصدرت أزيزاً مزق طبلة أذني.
لقد تطور. لم يعد رتبة S- عادية. لقد ابتلع طاقة ظلامي، ودمجها في نظامه!
"التهديد... ارتفع. تفعيل بروتوكول الإبادة القصوى."
"تراجعوا!" صرخت بأعلى صوتي، محاولة استدعاء الظلال مرة أخرى.
لكن الوحش لم يمنحنا حتى فرصة للرمش.
سرعته لم تعد تتناسب مع حجمه الضخم.
لقد اختفى من مكانه، تاركاً وراءه حفرة في الأرضية الإسمنتية.
ظهر مباشرة أمام أيدن.
"أيدن!"
حاول أيدن رفع بندقيته، لكن أحد أذرع الوحش التي تنتهي بمخلب فولاذي ضربته بحركة خاطفة.
لم تكن ضربة لقطعه، بل لسحقه. اصطدم المخلب بصدر أيدن.
سمعت بوضوح صوت تحطم قفصه الصدري بالكامل.
اندفع جسد أيدن كدمية قماشية ممزقة عبر الغرفة، ليصطدم بالجدار الإسمنتي بقوة حفرت تجويفاً فيه.
سقط أيدن على الأرض، نافثاً نافورة من الدماء من فمه، وعيناه انقلبتا للأعلى.
لم يتحرك.
"لااا!" صرخت سيا، واندفعت أمامه تضرب عصاها بالأرض.
"درع النور المطلق!"
ظهرت ثلاث قباب ذهبية متداخلة حولنا.
لكن الوحش لم يكترث.
رفع مدفع الإيترا الخاص به، والذي كان الآن مشبعاً بهالة سوداء وحمراء، وأطلق شعاعاً واحداً.
الشعاع لم يحطم الدروع، بل أذابها كأنها ثلج أمام شعلة لحام.
ارتدت قوة الانفجار لتضرب سيا في وجهها.
صرخت الفتاة الشقراء، وتناثرت الدماء من عينيها وأذنيها، وسقطت بجوار داميان الفاقد للوعي، جسدها ينتفض في تشنجات عنيفة.
كنت الوحيدة التي لا تزال تقف. الرعب شل أطرافي.
هذا هو الفرق بين الرتبة A والرتبة S-. نحن مجرد نمل نحاول إيقاف إعصار.
استدار الوحش نحوي. رفع منشاره الآلي الضخم، وانقض عليّ. حاولت الذوبان في الظل، لكن الهالة الحمراء للوحش كانت تشوش الفضاء نفسه، منعتني من استخدام مهارتي.
رفعت يدي العاريتين، مشبعة إياهما بكل ما تبقى لدي من إيترا في محاولة يائسة ويائسة جداً للصد.
اصطدم المنشار بساعدي.
الألم لم يكن له وصف.
الإيترا خاصتي انكسرت كزجاج رقيق، واخترقت أسنان المنشار لحمي، تمزق عضلاتي وتطحن عظامي.
صرخت صرخة مزقت حنجرتي.
الدماء السوداء والحمراء تناثرت على وجهي.
ضربني الوحش بظهر يده الأخرى، قاذفاً بي عبر الغرفة.
ارتطمت بأحد الأنابيب الزجاجية العملاقة، فتحطم، وتناثر السائل الأصفر المقزز والجثث البشرية المشوهة فوقي.
كنت ملقاة وسط الزجاج واللحم الميت، ذراعي اليسرى متدلية بزاوية غير طبيعية، مقطوعة تقريباً، وعظمة الترقوة لدي محطمة.
الدم يتدفق مني كالنهر، وعقلي يغرق في ضباب الموت.
مشى الوحش نحوي ببطء.
خطواته الثقيلة كانت تدق كأجراس الجنازة.
رفع منشاره فوق رأسي، مستعداً لإنهاء حياتي وتقطيعي إلى أشلاء. أغمضت عيني.
"آسفة... داميان، سيا، أيدن..."
لكن الضربة لم تسقط.
بدلاً من ذلك، دوى صوت انفجار جعل المحطة بأكملها تهتز من جذورها.
ليس انفجار إيترا وحشية، بل انفجار ناتج عن ضغط كهرومغناطيسي نقي ومكثف بشكل لا يستوعبه العقل البشري.
فتحت عيني بصعوبة.
الوحش الآلي، الذي كان على وشك قتلي، تجمد في مكانه.
نظرت إلى صدره المدرع... كان هناك ثقب بحجم رأس إنسان يخترقه بالكامل.
لم تكن هناك دماء، ولم يكن هناك تناثر للأشلاء، بل كان اللحم والفولاذ حول الثقب قد تبخر تماماً، وتحول إلى رماد متوهج بفعل حرارة مطلقة.
ترنح الوحش الكابوسي، ثم انهار على ركبتيه، وانفجر رأسه الآلي قبل أن يسقط جسده المحترق كقطعة خردة لا قيمة لها.
حولت نظري بصعوبة، وسط الدخان والشرار، نحو مدخل الغرفة.
كان هناك رجل يقف هناك. يرتدي معطفاً طويلاً من الجلد البني الداكن، يتدلى حتى كاحليه.
لم يكن يحمل سيفاً، ولم يكن يلوح بعصا.
كان يحمل مسدساً عملاقاً يشبه المدفع اليدوي، فوهته لا تزال تدخن بحرارة بيضاء تعمي الأبصار.
هالته... يا إلهي، هالته! لم تكن إيترا تتسرب كالدخان، بل كانت كاذبية النجوم.
الهواء حوله كان ينحني، والضوء كان ينكسر.
بمجرد حضوره، شعرت وكأن جبلاً قد وضع على صدري.
الرجل أنزل مسدسه، وتقدم خطوة نحو الضوء. شعره كان رمادياً قصيراً، ووجهه مليء بالندوب القديمة التي تحكي قصص حروب لم نقرأ عنها حتى.
كان يدخن سيجاراً سميكاً، وينفث الدخان ببرود لا يبالي بكل هذا الجحيم من حولنا.
"جاكسون ريد؟" تمتمت بصوت بالكاد يُسمع، والدم يبصق من بين شفتي.
جاكسون ريد. القائد الأعلى لفرقة الإعدام في نقابة "النصل الأبدي".
الرجل الذي يُقال إن رصاصة واحدة من سلاحه قادرة على تبخير بحيرة.
توقف جاكسون أمامي. نظر إلى جسدي المحطم، وإلى فريقي الملقى في الدماء.
لم تظهر على وجهه أي تعابير صدمة أو شفقة. كان وجهه كحجر الصوان.
"لقد أبليتم حسناً بالنسبة لأطفال يلعبون في فناء الكبار،" قال جاكسون بصوته الخشن الذي يشبه صوت احتكاك الحصى.
"فرق الإخلاء الطبي في طريقها إليكم. ستحتاجين إلى ربط ذراعك تلك قبل أن تنزفي حتى الموت يا ابنة بلاكود."
"أنت... ماذا تفعل هنا؟" سعلت دماً، أحاول إبقاء عيني مفتوحتين.
ألقى جاكسون السيجار على الأرض وسحقه بحذائه العسكري.
"أنا هنا لأقوم بعملي. هذا المكان أعمق بكثير من أن تتعامل معه فرقة 'ألفا'. ابقوا أحياء. لا تتبعوني."
وبهذه الكلمات الباردة، تجاوزني. لم يلتفت للوراء.
داس فوق جثة الوحش الآلي، وتوجه نحو الباب الخلفي الذي هرب منه الطبيب.
(منظور جاكسون ريد )
تركت أولئك الأطفال ينزفون في الغرفة الأمامية. كان عليهم أن يتعلموا الدرس بالطريقة الصعبة: العالم لا يرحم الضعفاء، حتى لو كانوا من النخبة.
دفعت الباب الفولاذي الضخم بيدي العارية.
لم أحتاج إلى مفتاح؛ الهالة المحيطة بكفي أذابت الأقفال المغناطيسية كأنها زبدة.
دخلت إلى نفق طويل، مضاء بإضاءة فلورية بيضاء معقمة، تتناقض بشدة مع قذارة المجاري في الأعلى.
كنت أمشي ببطء، وعيناي تفحصان كل سنتيمتر من المكان. لم يكن هناك أي شعار.
لا نقابة، لا حكومة، ولا حتى اسم لشركة أدوية فاسدة.
الجدران كانت مصنوعة من التيتانيوم السحري المعزز الذي يكلف الملايين لكل متر مربع.
وصلت إلى قاعة زجاجية ضخمة.
ما رأيته بداخلها جعلني، أنا الذي شهدت مذابح البوابات الأولى، أشعر بالغثيان.
مئات الأسطوانات المائية تصطف في صفوف لا نهاية لها.
بداخلها، لم تكن هناك وحوش.
بل كانت كائنات هجينة، مرعبة ومقززة.
رأيت أطفالاً بأجنحة خفافيش مخيطة في ظهورهم وعيونهم مقتلعة ومستبدلة بنوى نارية.
رأيت نساء حوامل، بطونهن منتفخة بشكل غير طبيعي، وتتحرك بداخلها كائنات تمتلك مخالب تمزق الرحم من الداخل لتشفى فوراً وتعود لتمزيقه مجدداً.
جدران القاعة لم تكن معدنية بالكامل، بل كانت مغطاة بطبقة من اللحم البشري النابض، يتنفس، ويفرز سائلاً حيوياً يغذي الأسطوانات.
"هذا ليس عملاً لنقابة مارقة..." تمتمت لنفسي،
وعقلي يحلل حجم الكارثة. "التمويل المطلوب لهذا... التكنولوجيا، الإيترا الصناعية... لقد كشفوا مقراً أساسياً لهم. من المستحيل أن يكون هذا بعيداً عن أعين الاستخبارات العليا. هناك خيانة على مستوى عالمي..."
وقبل أن أكمل جملتي في عقلي، انطلق الإنذار.
لم يكن إنذاراً صوتياً.
كان تغيراً جذرياً في الضغط الجوي.
الجاذبية في الغرفة تضاعفت عشر مرات في كسر من الثانية، مما جعل أرضية التيتانيوم تتشقق تحت قدمي.
"اكتشاف كيان من الرتبة S. إطلاق العينة:
صفر-مطلق." صدح صوت ذكاء اصطناعي بارد في القاعة.
انشق السقف اللحمي فوقي، وسقط منه شيء... شيء لا يمكن لأي كابوس أن يجسده.
هبط المخلوق أمامي، وتسبب هبوطه في زلزال مصغر حطم العشرات من الأسطوانات الزجاجية القريبة.
نظرت إليه، وشددت قبضتي على مسدسي، مدفع "الهاوية".
هذا لم يكن وحش بوابات. كان رجساً.
كان يمتلك جذعاً يشبه جذع غوريلا فضية عملاقة، لكنه كان مسلوخاً بالكامل، عضلاته الحمراء والبيضاء تنبض في الهواء الطلق، وتتدفق فيها إيترا مشعة بلون أسود بنفسجي.
لم يكن لديه أقدام، بل كان جسده السفلي عبارة عن كتلة من الأعمدة الفقرية البشرية المتشابكة، كأنها مئات الثعابين العظمية التي تلتف وتتحرك كعجلات مجنزرة.
لكن الأسوأ كان رأسه. لم يكن له وجه.
رأسه كان عبارة عن فم دائري عملاق، يشبه فم دودة الأرض، مليء بآلاف الأسنان الدوارة الشبيهة بالشفرات.
وحول حواف هذا الفم المقزز، كانت هناك عشرات العيون البشرية، بألوان مختلفة، تحدق بي في رعب أعمى، كأنها عيون الضحايا التي دمجت في هذا الوحش ولا تزال واعية بعذابها.
"يا إلهي..." بصقت السيجار من فمي.
صرخ الوحش. لم يكن زئيراً، بل كان صراخاً بشرياً مركباً.
مئات الأصوات لنساء، رجال، وأطفال يصرخون من الألم والعذاب في نفس اللحظة.
موجة الصوت وحدها كانت مشبعة بالإيترا، واندفعت نحوي كإعصار مادي، تمزق الهواء والجدران.
"سكون!"
زأرت، وضخخت الإيترا الخاصة بي.
تحولت عيناي إلى اللون الأبيض المتوهج.
أطلقت العنان لهالتي من الرتبة S. انبعثت مني قوة سحق نقية، اصطدمت بموجة الصراخ وحولتها إلى رياح عاتية مزقت معطفي الجلدي.
لم أنتظر. رفعت مدفع الهاوية، وسحبت الزناد ثلاث مرات.
بوم! بوم! بوم!
ثلاث رصاصات من الإيترا البيضاء المكثفة بحجم قذائف المدفعية انطلقت نحو الوحش.
لكن العينة "صفر-مطلق" كانت سريعة بشكل جنوني.
باستخدام الأعمدة الفقرية كأرجل، تملص من الرصاصتين الأوليين اللتين ضربتا الجدران وأذابتا التيتانيوم.
الرصاصة الثالثة أصابت كتفه الأيسر، فمزقته بالكامل، متناثرة دماء سوداء تحرق كل ما تلمسه.
لم يتألم الوحش. بدلًا من ذلك، بصق الفم العملاق سيلاً من الحمض الأرجواني نحوي.
قفزت عاليًا في الهواء، الحمض أصاب الأرض حيث كنت أقف، وذاب التيتانيوم الصلب في ثوانٍ مخلفًا حفرة عميقة ينبعث منها دخان سام.
وأنا في الهواء، اندفع الوحش نحوي، رافعاً ذراعه المتبقية التي تحولت عضلاتها إلى شفرة عظمية عملاقة.
اصطدمنا في منتصف الهواء.
استخدمت ساعدي المشبع بالإيترا كدرع لصد الشفرة العظمية.
قوة الاصطدام أرسلت موجة صدمية حطمت كل الأسطوانات الزجاجية في القاعة.
سقط السائل الأصفر وتناثرت الجثث المشوهة كالمطر.
الألم اخترق ساعدي. الشفرة العظمية للوحش استطاعت اختراق دفاع الإيترا الخاص بي قليلاً، وقطعت لحمي وصولاً إلى العظم.
الدم الحار تدفق على يدي.
"وغد عنيد!" زأرت.
أمسكت الشفرة العظمية للوحش بيدي اليسرى العارية، متجاهلًا الألم الذي يمزق كفي.
جذبته نحوي بكل قوة، وبيدي اليمنى التي تحمل المسدس، ضربت فوهة السلاح المشتعلة مباشرة في مركز فمه المليء بالأسنان والعيون البشرية.
"كُل هذا!"
سحبت الزناد.
بووووووووم!
الانفجار كان داخل جسده. الإيترا البيضاء المكثفة انفجرت داخل أمعائه، مزقت أعضاءه الداخلية، وحولت نصف جذعه العلوي إلى أشلاء متفحمة.
سقطنا معًا على الأرض.
الوحش كان ينتفض بعنف، الأعمدة الفقرية تضرب الأرض بعشوائية، والدم الأسود يتدفق كالشلال من بقايا فمه المحطم.
اعتقدت أنه مات. نهضت ألهث، والدماء تغطي وجهي وملابسي الممزقة.
فجأة، انشقت معدة الوحش الممزقة، واندفعت منها عشرات الأذرع البشرية المشوهة.
الأذرع امتدت كالسياط، والتفت حول ساقي وخصري، تسحبني نحوه بقوة هائلة. كانت الأذرع تفرز حمضًا يحرق لحمي عبر ملابسي.
"لن تموت بسهولة، أليس كذلك؟" صرخت، والغضب يسيطر على عقلي.
تخليت عن المسدس. عندما يصل القتال إلى هذه النقطة، الأسلحة تصبح عبئًا.
ركزت كل الإيترا في جسدي، في عضلاتي، في عظامي.
تحول جسدي إلى كتلة من القوة المطلقة المتوهجة. اندفعت نحو بقايا الوحش.
الأذرع حاولت سحقي، لكنني مزقتها بيدي العاريتين. لحم يتمزق، وعظام تتحطم.
وضعت قدمي على ما تبقى من صدره اللحمي، وأدخلت كلتا يدي في الشق الذي انفتحت منه الأذرع.
أمسكت بحواف اللحم السميك والضلوع المشوهة.
زأرت بصوت تردد صداه كدوي الرعد في القاعة المدمرة، وبقوة سامية خالصة... سحبت يديّ في اتجاهين معاكسين.
شرووووق!
مزقت الوحش إلى نصفين طوليين.
صوت تمزق اللحم، وتحطم الأعمدة الفقرية، وانفجار الأعضاء الداخلية كان سيمفونية من العنف الخالص.
انهمر المطر الأسود الحارق عليّ، وغطاني بالكامل بأحشاء العينة "صفر-مطلق".
ألقيت النصفين الممزقين على الأرض.
كنت ألهث بشدة، صدري يعلو ويهبط كالمنفاخ. نظرت إلى يدي الملطختين، وإلى جسدي الذي كان ينزف من عشرات الجروح والقطوع.
"هذا... كان وحشًا اقترب من الرتبة S بشكل مرعب..." بصقت دماً أسود على الأرض، واستعدت مسدسي.
لم أتوقف. الألم مجرد وهم. يجب أن أجد الرأس المدبر.
واصلت طريقي عبر القاعة المدمرة، أسير فوق بحر من الزجاج، اللحم الميت، والدم الفاسد.
وصلت إلى نهاية القاعة، حيث كان هناك باب دائري ضخم يشبه باب قبو نووي.
لم أهدر الإيترا هذه المرة.
ركلت الباب بقوة جسدية نقية.
الفولاذ المعزز طار من مفصلاته كأنه مصنوع من الورق المقوى، واصطدم بالجدار الداخلي للغرفة.
دخلت.
الغرفة كانت هادئة. شديدة الهدوء.
لم تكن مضاءة سوى بشاشات عملاقة تعرض بيانات معقدة، شفرات جينية، وخرائط لمدينة إيليزيوم مع نقاط حمراء وامضة في كل مكان.
وفي وسط الغرفة، جالسًا على كرسي جلدي دوار خلف مكتب زجاجي أنيق، كان هناك رجل.
كان يرتدي معطفًا أبيض ناصع النظافة، لا توجد عليه قطرة دم واحدة.
شعره أسود مرتب بعناية، ويرتدي نظارات طبية رقيقة.
كان يحتسي الشاي من فنجان خزفي بهدوء يستفز الأعصاب، كأنه يجلس في مقهى راقٍ،
وليس في قلب مختبر كابوسي دُمر للتو.
توقف الرجل عن ارتشاف الشاي، ونظر إليّ. عيناه كانتا باردتين كالموت.
"يا إلهي!" قال الرجل بصوت هادئ ومتهكم، ووضع الفنجان على المكتب.
"جاكسون ريد شخصيًا! بطل نقابة النصل الأبدي، وكلب الاستخبارات الوفي. يجب أن أعترف، هذا غير متوقع تمامًا. كنت أظن أن العينة صفر-مطلق ستأخذ من وقتك أكثر من مجرد عشر دقائق."
صوبت فوهة الهاوية مباشرة بين عينيه. الدخان لا يزال يتصاعد من جسدي، وعيناي تشتعلان بالغضب.
"أرفع يديك. ببطء." قلت بصوت عميق، يقطر تهديدًا.
ابتسم الطبيب ابتسامة واسعة، أظهرت أسنانًا بيضاء مثالية بشكل مريب.
لم تبدُ عليه ذرة من الخوف.
"لا داعي للصراخ يا جاكسون،" قال بنبرة ودودة ومقززة.
"نحن رجال متحضرون، أليس كذلك؟ العلم يتطلب تضحيات، وأنت، أكثر من أي شخص، يجب أن تفهم ذلك. انظر إلى قوتك... ألا ترغب في أن يمتلك الجميع هذه القوة؟"
"قلت، ارفع يديك أيها المريض العقلي، وإلا سأحول رأسك إلى غبار."
ضغطت إصبعي على الزناد قليلاً. الإيترا البيضاء بدأت تتجمع في فوهة المسدس.
رفع الطبيب كلتا يديه ببطء شديد، مبقيًا إياهما في مستوى نظري.
"حسناً، حسناً. أنا أستسلم. لقد دمرت سنوات من أبحاثي، يا جاكسون. أنا حزين حقًا."
تقدمت نحوه بخطوات ثقيلة، حذائي العسكري يترك بصمات من الدم الأسود على السجادة البيضاء الفاخرة التي تغطي أرضية مكتبه.
كنت أريد اعتقاله حيًا. هذا الرجل يملك معلومات يمكن أن تسقط حكومات ونقابات.
أحتاج أن أعرف من يموله، وما هي أهدافه، ولماذا يحولون البشر إلى وحوش.
أصبحت على بعد مترين منه.
"انهض،" أمرت.
ابتسم الطبيب مجددًا. لكن هذه المرة، الابتسامة كانت... مختلفة.
كانت ابتسامة المنتصر الذي وضع الفخ وأغلقه بنجاح.
تحت يده اليمنى المرفوعة، وفي تجويف كفه الذي لم أتمكن من رؤيته، كان يمسك بجهاز تحكم صغير جداً.
بحركة لم تتجاوز المليمتر، ضغط بإبهامه على زر صغير.
"بالمناسبة يا جاكسون..." قال الطبيب وعيناه تلمعان بمكر شيطاني.
"مشروع التحويل البشري ليس هدفهم النهائي. إنها مجرد... عملية إلهاء."
كليك.
صوت ميكانيكي خافت صدر من تحت قدميه.
في جزء من الألف من الثانية، انفتحت أرضية المكتب الزجاجي أسفل كرسيه تمامًا.
لم تكن مجرد فتحة عادية، كانت هوة مظلمة لا قرار لها، نفق عمودي محفور في أعماق القشرة الأرضية.
سقط الكرسي والطبيب في الظلام المطلق.
اندفعت للأمام محاولًا الإمساك به، ومددت يدي عبر الفتحة، لكنني أمسكت بالهواء الفارغ فقط.
"إلى اللقاء، أيها القائد!" تردد صدى صوت الطبيب من أعماق الهاوية، متبوعًا بضحكة باردة ومجنونة تلاشت ببطء في الظلام اللانهائي.
ثم... كرااش!
أغلقت الفتحة الفولاذية بلمح البصر، واختفى أي أثر للمدخل السري، لتعود الأرضية ناعمة ومسطحة كأن شيئًا لم يكن.
ضربت الأرضية بقبضتي، محطمًا الزجاج والفولاذ المحيط بها، لكن النفق السفلي كان قد أغلق بوابات من التيتانيوم المضغوط يبلغ سمكها أمتارًا.
وقفت ببطء، أتنفس بصعوبة في الغرفة الصامتة.
الرأس المدبر هرب.
الوحوش قُتلت. والمختبر دُمر.
لكنني لم أشعر بالانتصار.
نظرت إلى الشاشات العملاقة التي لا تزال تومض بالنقاط الحمراء في جميع أنحاء مدينة إيليزيوم.
"عملية إلهاء؟" همست لنفسي، والبرودة تتسرب إلى عظامي التي كانت تحترق من القتال.
إذا كان كل هذا الجحيم، وكل هذه الوحوش، وكل هذا التمويل الهائل هو مجرد "إلهاء"... فما هو الشيء الذي يحاولون إخفاءه حقًا؟ وما هو الهدف الحقيقي الذي يلوح في الأفق؟
تذكرت الكارثة الكونية التي يتحدث عنها المجانين والأنبياء الكذبة.
تذكرت الظلام الذي ينمو في الغابة الملعونة.
أخرجت سيجارًا جديدًا من معطفي الممزق، وأشعلته بإصبعي المتوهج بالإيترا.
نفثت الدخان الأزرق في سقف الغرفة الباردة، وأنا أنظر إلى الدماء التي تغطي يدي.
لأول مرة منذ سنوات... شعر جاكسون ريد، القائد الذي لا يُقهر من الرتبة S، بشيء لم يعهده منذ أن كان طفلًا خائفًا.
شعرت بالخوف الحقيقي.
العاصفة قادمة، ونحن جميعًا... مجرد أوراق خريف تنتظر أن تُسحق.