الفصل السادس: النواة الأرجوانية
- منظور كايل فالتير -
كان المطر يغسل مدينة "إيليزيوم"، لكنه لم يكن كافياً لغسل خطاياها، ولا لغسل الدماء التي كنت أتركها خلفي كمسار من الفتات لغراب الموت.
كل خطوة كنت أخطوها في ذلك الزقاق المظلم كانت بمثابة صراع إرادات ضد حتمية الفناء.
حذائي كان يصدر صوتاً لزجاً ومقززاً مع كل احتكاك بالإسفلت المبلل، ليس بسبب الوحل فقط، بل لأن حذائي الأيمن كان يمتلئ بدمائي الخاصة.
وضعت يدي اليسرى المرتجفة على بطني.
أو بالأحرى، على الحفرة المشتعلة التي خلفتها رصاصة ذلك القناص اللعين.
معطفي التكتيكي كان ممزقاً، واللحم تحته كان عبارة عن كتلة متفحمة وممزقة تنبض بألم يتجاوز قدرة العقل البشري على الاستيعاب.
لم يكن مجرد جرح طلق ناري عادي؛ رصاصة الاستخبارات السحرية كانت مشبعة بإيترا حمراء كاوية، إيترا صُممت خصيصاً لتتغلغل في مجرى الدم وتأكل الخلايا الحية كحمض جشع.
كنت أشعر بها تزحف تحت جلدي، تحرق أطراف أعصابي، وتجعل أمعائي تلتوي كأفاعٍ تحتضر.
"اللعنة... اللعنة على الـ FBI... اللعنة على تلك العاهرة ذات الشعر الأسود..."
كنت أتمتم بصوت متقطع، خشن، يخرج من حلقي كحشرجة الموت.
أنفاسي كانت تتحول إلى سحب بيضاء باهتة في الهواء المتجمد، تتبدد بسرعة كما تتبدد حياتي.
استندت بكتفي الأيمن على جدار قرميدي خشن، تاركاً عليه مسحة حمراء داكنة.
سقطت على ركبتي في بركة من المياه الآسنة.
لم تعد عضلاتي تستجيب.
كان الجو بارداً، بارداً جداً، لكنني كنت أتعرق بغزارة، وعيناي كانتا تغيمان بضباب أسود يزحف من أطراف رؤيتي نحو المركز.
"هل سأموت هنا؟" همست لنفسي، وصوت قطرات المطر التي تضرب حاويات القمامة المعدنية يبدو كطبول جنائزية بطيئة.
"بعد أن رأيت نهاية العالم... بعد أن حصلت على المهارة الأسطورية... أنتهي كجثة متعفنة في زقاق لا اسم له؟"
ضحكت. ضحكة ضعيفة، مكسورة، انتهت بسعال عنيف جعلني أبصق كتلة من الدم الأسود المتخثر على الإسفلت.
وسط هذا الضياع المطلق، تحركت يدي اليمنى، التي كانت مقبوضة بشدة طوال هذا الوقت.
فتحت أصابعي ببطء شديد، وكأنها صدئة.
هناك، في وسط كفي الملطخ بالوحل والدم، كانت تستقر الغنيمة الوحيدة التي خرجت بها من متجر "دموع الألماس".
نواة وحش.
كانت بحجم حبة جوز كبيرة، تتوهج بلون أرجواني قاتم، نابض، ومريض.
النواة لم تكن باردة كالحجر، بل كانت دافئة، تنبض بإيقاع خفي كأنها قلب مصغر انتُزع للتو من صدر وحش كابوسي.
حدقت في النواة.
الضوء الأرجواني الخافت انعكس في عيني المحتضرتين.
"لا يمكنني أن أسقط هنا... أليس كذلك؟" تحدثت إلى النواة كأنها كيان عاقل.
"ليس من أجل حجر واحد."
وفجأة، شعور غريب، بدائي، ومرعب اجتاحني.
لم تكن رسالة من النظام، ولم تكن شاشة زرقاء أو حمراء.
كانت غريزة نقية، غريزة بقاء حيوانية استيقظت في أعمق جزء من حمضي النووي.
كان هناك صوت يهمس في عقلي، صوت يشبه حفيف الأفاعي: "ابتلعها."
نوى الوحوش ليست طعاماً.
إنها كتل من الطاقة النقية، السامة جداً للبشر إذا لم يتم معالجتها كيميائياً في مصانع النقابات وتحويلها إلى جرعات أو دمجها في الأسلحة.
ابتلاع نواة وحش خام يعادل ابتلاع بطارية نووية صغيرة تتسرب منها الإشعاعات.
99% من البشر الذين حاولوا فعل ذلك في الماضي احترقوا من الداخل أو انفجرت أجسادهم نتيجة الرفض البيولوجي.
لكن... أنا لم أعد أملك ما أخسره.
أنا ميت بالفعل.
النزيف لن يتوقف، وإيترا القناص ستصل إلى قلبي خلال دقائق.
"إذا كان علي أن أذهب إلى الجحيم..." تمتمت
وأنا أرفع يدي المرتجفة نحو فمي، "...فسأذهب وأنا مشبع بالطاقة."
لم أتردد أكثر. ألقيت النواة الأرجوانية في فمي.
كانت صلبة، خشنة، ومذاقها كالنحاس القديم الممزوج بالرماد.
لم أستطع مضغها، لذا ابتلعتها دفعة واحدة.
شعرت بها تنزلق عبر حلقي الجاف، تخدش المريء، حتى استقرت في معدتي المحطمة.
لثانية واحدة... لم يحدث شيء. سوى المطر البارد الذي يضرب وجهي المائل للسماء.
ثم... انفجر الجحيم في داخلي.
"آآآآآآآآغغغغغ!"
صرخت صرخة مزقت ما تبقى من أحبالي الصوتية.
لم يكن ألماً عادياً، بل كان كأن شخصاً قد أشعل آلاف الشفرات الحادة ودفعها في مجرى دمي.
الإيترا الأرجوانية الخام انفجرت داخل معدتي، وتصادمت بعنف مع الإيترا الحمراء التي تركها القناص في الجرح.
سقطت على ظهري، أتقلب في الوحل والمياه السوداء كسمكة أُلقيت على جمر مشتعل.
ظهري تقوس بشكل غير طبيعي، وعروق رقبتي برزت حتى كادت تنفجر، متخذة لوناً أرجوانياً مشعاً زحف تحت جلدي كشبكة من العناكب السامة.
كنت أحتضر. كنت أحترق من الداخل.
النواة كانت ترفض جسدي البشري، وجسدي كان أضعف من أن يحتويها.
لكن، وسط هذا العذاب الذي أعمى بصيرتي، يومض النظام في مؤخرة وعيي.
[تحذير! تداخل طاقة بيولوجي مميت.]
[النواة المبتلعة: نواة (غول الظلال المجدد) - الرتبة C.]
[المضيف على وشك الانهيار الخلوي.]
[تفعيل طوارئ لمهارة (التضاعف الدموي) بشكل عكسي... جاري قمع طاقة الوحش لإنقاذ المضيف.]
لم أفهم الكلمات تماماً، كنت غارقاً في طوفان من الألم. لكنني شعرت بتغير.
الألم الممزق بدأ يتحول إلى حكة عنيفة، جنونية، عميقة داخل اللحم والعظم.
نظرت إلى أسفل بطني من خلال رؤيتي المشوشة.
يا إلهي... المشهد كان كابوسياً ومبهراً في نفس الوقت.
من حواف الجرح الغائر الذي أحدثته الرصاصة، بدأت خيوط دقيقة من اللحم الأسود والأرجواني تنمو بسرعة مرئية للعين.
العضلات الممزقة كانت تتلوى وتتداخل كديدان تبني عشاً. الأنسجة كانت تلتئم، ولكن ليس بلونها البشري الطبيعي، بل كانت تلتئم وتتصلب بلون داكن، تمتص الإيترا الحمراء للقناص، وتطردها كدخان أسود من الجرح.
سمعت صوت طقطقة عظامي وهي تعيد بناء نفسها.
كنت أبكي، الدموع تختلط بالمطر على وجهي.
لم يكن التئاماً رحيماً، كان التئاماً وحشياً، إجبارياً، ومؤلماً لدرجة الجنون.
النواة التي ابتلعتها كانت تحتوي على قدرة تجدد، والنظام قام بدمجها في جسدي لترقيع الحفرة في بطني.
بحلول الوقت الذي توقف فيه الدخان الأسود عن التصاعد، كنت أستلقي على الأرض، ألهث ككلب مطارد.
وضعت يدي على بطني.
لم يكن هناك ثقب.
المعطف التكتيكي كان لا يزال ممزقاً، لكن اللحم تحته كان مسطحاً، صلباً، ويحمل ندبة ضخمة، داكنة اللون، تتوهج للحظة بلون أرجواني قبل أن تستقر.
نجحت. أنا لم أمت.
جلست ببطء في الزقاق القذر، مستنداً إلى الجدار.
المطر كان لا يزال يهطل، يغسل الدم عن وجهي، وعن قناعي المحطم الذي أزلته ورميته بجانبي.
المدينة كانت صامتة حولي، لا تعلم أن فأراً من الرتبة G قد خدع الموت للمرة الثانية، وسرق من وحوش الاستخبارات كرامتهم.
رفعت رأسي نحو سماء إيليزيوم المظلمة، وضحكت. هذه المرة، كانت ضحكة عميقة، متعبة، لكنها تحمل في طياتها جنوناً جديداً.
"لقد نجوت... أيتها المدينة الملعونة. لقد نجوت."
...
...
...
- بعد مرور أسبوع -
كان مقهى "إليزيوم ليف" يمثل كل ما أكرهه في هذا العالم، وكل ما لا أستطيع تحمل تكلفته في نفس الوقت.
يقع المقهى في القطاع الفضي، قطاع الأثرياء وأعضاء النقابات من الرتب العالية.
الأرضيات كانت من الرخام الأبيض المصقول الذي يعكس الإضاءة الذهبية الدافئة.
الثريات السحرية المتدلية من السقف كانت تصدر نغمات موسيقية خافتة مع كل تيار هواء.
الهواء نفسه كان معطراً برائحة الفانيليا، والبن المحمص ببطء على نار الإيترا النقية، والمخبوزات التي تكلف القطعة منها ما يعادل إيجار شقتي لشهر كامل.
كنت أجلس على كرسي من المخمل الأزرق، أرتدي ملابس عادية جداً ومتهالكة قليلاً (كنزتي الرمادية القديمة ذات القلنسوة، وجينز باهت).
كنت أبدو كبقعة من الوحل على فستان زفاف ناصع البياض في هذا المكان.
لكنني لم أكن أدفع الفاتورة، لذا لم أهتم.
"لا أصدق أنك وافقت أخيراً على الخروج من جحرك، يا رجل!" قال زاك، وهو يجلس قبالتي، ويرتشف قهوته المثلجة (التي تحتوي على خمس طلقات من الإسبريسو المركز).
كان زاك يرتدي قميصاً مربعات واسعاً، وعيناه لا تزالان محاطتين بتلك الهالات السوداء العميقة، يتحرك بعصبية، وعينه اليسرى ترمش بسرعة كعادتها.
"لقد كنت... مريضاً،" كذبت ببرود، وأنا أنظر إلى فنجان القهوة الساخنة أمامي.
"إنفلونزا حادة. بقيت في السرير طوال الأسبوع."
لم يكن أسبوعاً من الراحة.
كان أسبوعاً من الجحيم الجسدي والنفسي.
الجرح في بطني شُفي، لكن النواة الأرجوانية التي ابتلعتها تركت أثراً.
كنت أشعر بطاقة غريبة ومظلمة تتحرك في عروقي، طاقة تجعلني أرى العالم بشكل مختلف.
صرت أرى مسارات الإيترا الضعيفة في الهواء، وأشعر بنبضات قلب الناس حولي.
لم ترتفع رتبتي الجسدية (لا أزال G)، لكن جسدي أصبح... أكثر قسوة.
طوال ذلك الأسبوع، لم أخرج من الشقة.
كنت أختبئ، أراقب الأخبار، وأنتظر أن تقتحم فرقة الـ FBI بابي. لكنهم لم يفعلوا.
لقد أفلتّ تماماً.
"مريض؟" ضحك زاك بصوت عالٍ، متجاهلاً نظرات الاشمئزاز من الزبائن الأثرياء حولنا.
"أنت تضيع نصف عمرك في النوم يا كايل! لكن دعك من هذا، هل تابعت منتديات 'الشبكة العميقة' خلال غيابك؟ العالم ينقلب رأساً على عقب!"
أخذت رشفة من القهوة. كانت لذيذة لدرجة مستفزة.
"دعني أحزر. مؤامرة جديدة عن الحكومة التي تضع رقاقات سحرية في مياه الشرب؟"
"لا تكن ساخراً!" انحنى زاك نحو الطاولة، وخفض صوته.
"فرقة 'ألفا' التابعة للاستخبارات، الفرقة التي يتغنى بها الإعلام... لقد تعرضت لهزيمتين كارثيتين متتاليتين في أسبوع واحد!"
تصلبت ملامحي للحظة، لكنني حافظت على هدوئي. "حقاً؟"
"أجل! الأولى كانت فضيحة هروب 'الجوكر الأسود' من تحت أنوفهم.
اللص العبقري مسح بهم بلاط متجر الألماس. والثانية... حدثت قبل بضعة أيام.
تسربت معلومات تفيد بأن فرقة ألفا أُرسلت في مهمة سرية إلى القطاع G المنسي، وعادوا وهم شبه أموات! يُقال إنهم واجهوا كياناً اصطناعياً مرعباً، ولولا تدخل القائد 'جاكسون ريد' شخصياً، لكانوا الآن مجرد أسماء على شواهد القبور!"
"جاكسون ريد..." تمتمت في نفسي، وأنا أتذكر الرؤية المستقبلية. عالم يمتلك وحشاً كجاكسون، ومع ذلك سيسقط أمام ذلك النصف المظلم في السماء. ما مدى رعب المستقبل؟
"إنهم يتساقطون يا كايل،" استمر زاك، وعيناه تلمعان بحماس مرضي.
"هذه النقابات وهذه القوات الخاصة مجرد واجهات. هناك من يعبث بهم من الظل..."
وقبل أن يكمل زاك جملته.
كرااااااش!
صوت انفجار عنيف هز المقهى بأكمله.
الباب الزجاجي الضخم، والمصنوع من زجاج مقاوم للصدمات السحرية، لم يُفتح.
بل رُكل بقوة مروعة لدرجة أنه تحطم إلى آلاف الشظايا الكريستالية التي تطايرت في كل مكان، بعضها انغرس في الجدران الرخامية.
اهتززت في مكاني بعنف.
قلبي قفز إلى حنجرتي.
غريزة البقاء التي صقلتها آلام الزقاق المظلم جعلتني أضع يدي فوراً تحت الطاولة، مستعداً لاستدعاء الإيترا السوداء.
"ما هذا بحق الجحيم؟!" صرخ أحد الزبائن.
الموسيقى الهادئة توقفت، وحل محلها صمت مرعب، ثقيل، يخنق الأنفاس.
الضغط الجوي في المقهى تغير فجأة. انخفضت درجة الحرارة عشر درجات في ثانية واحدة.
الصقيع بدأ يتشكل على حواف أكواب القهوة، وأنفاسنا تحولت إلى بخار أبيض.
من بين حطام الباب الزجاجي، دخل شخص.
لم تكن وحشاً. كانت فتاة.
لكنها لم تكن فتاة عادية. كانت تبدو كأنها تجسيد لغضب عاصفة جليدية.
كانت تمتلك شعراً فضياً لامعاً، قصيراً يصل إلى كتفيها، يتحرك بحدة وصرامة مع كل خطوة تخطوها.
بشرتها كانت بيضاء بشكل غير طبيعي، خالية من أي مسام أو عيوب، شاحبة كالموت نفسه.
لكن أكثر ما كان يلفت الانتباه ويثير الرعب... هو عيناها.
كانت عيناها بلون قرمزي مشع، لون الدماء الطازجة، تبرزان بشكل مخيف وسط بياضها المطلق.
كانت ترتدي زياً عسكرياً فخماً باللونين الأسود والفضي، يحمل شعار قيادة الاستخبارات العليا.
الهالة المنبعثة منها... كانت خانقة. مجرد حضورها جعل الزبائن الأثرياء يرتجفون، وبعضهم سقط على ركبتيه غير قادر على التنفس تحت وطأة الإيترا الخاصة بها.
هذه الفتاة لم تكن من الرتبة A. كانت شيئاً أسوأ.
وخلفها، بخطوات متثاقلة ورؤوس منخفضة، دخل أربعة أشخاص أعرفهم جيداً. جداً.
أيدن، بضمادات طبية سحرية تلف صدره بالكامل.
سيا، بعينين محمرتين ووجه شاحب كأنها لم تنم منذ أيام.
داميان، الذي كان ذراعه الأيمن موضوعاً في حمالة طبية مدعمة بمسارات طاقة شفائية.
و... إيفا بلاكود. الفتاة ذات الشعر الأسود، أميرة الظلال، تمشي ببرود معتاد، لكن كان هناك ندبة رفيعة جداً، لم تشفَ تماماً، تزين خدها الأيسر. ندبة... تركتها أنا برصاصتي.
توقف الزمن بالنسبة لي.
هؤلاء هم. الفرقة التي طاردتني.
الفرقة التي كادت أن تنهي حياتي في الشارع.
إنهم هنا. على بعد أمتار قليلة مني.
"يا إلهي..." تمتمت في عقلي، وجسدي يتصلب كتمثال حجري.
سارت الفتاة ذات الشعر الأبيض وعيناها القرمزيتان تمسحان المكان ببرود وازدراء.
تقدمت حتى وقفت في منتصف المقهى، واستدارت لتواجه الفرقة الأربعة المكسورة خلفها.
"ليس خطأنا يا فاليسيرا!"
انطلق صوت أيدن، متوتراً ومحتقناً، يكسر الصمت المرعب.
كان يدافع عن نفسه بحدة، يمسك بصدره المضمّد.
"ليس خطأنا أننا لم نكن متواجدين بكامل قوتنا في المهمة الأخيرة! ذلك المختبر الملعون... لقد انصهرنا حرفياً بسبب الوحش اللعين من الرتبة S-! لقد كان فخاً أكبر من تصنيفنا!"
الفتاة المسماة "فاليسيرا"، نظرت إليه. مجرد نظرة واحدة من عينيها القرمزيتين جعلت أيدن يتراجع خطوة للوراء، وكأن جبلاً قد سقط على كتفيه.
"لماذا تستمر بإلقاء هذه الأعذار اللعينة، يا أيدن؟"
كان صوتها هادئاً، لكنه يتردد في المكان كصوت شفرات الجليد التي تحتك ببعضها.
صوت يحمل سلطة مطلقة، واحتقاراً لا حدود له.
خطت خطوة نحوهم. "فقط أعترف بأنكم مجموعة فاشلة. مجموعة من المغرورين الذين صدقوا الدعاية الإعلامية حولهم. لماذا... بحق الجحيم... كان عليّ أن أكون مسؤولة كقائدة إشراف عن فرقة بهذا الضعف المثير للشفقة؟"
عض أيدن على شفته السفلية، بينما خفضت سيا رأسها أكثر، تحاول حبس دموع الإهانة.
تابعت فاليسيرا ببرود يمزق الأعصاب: "حقيقة أنكم خسرتم مرتين متتاليتين، وفي أسبوع واحد، جعلتكم محل سخرية عند باقي أفراد ومكاتب الـ FBI. أنتم نكتة الموسم. وأول من يسخر منكم، ويشمت بكم في كل اجتماع قيادة... هو آرثر ستيرلينغ وفرقته. هل يرضيكم هذا؟ أن تكونوا ممسحة لأحذية آرثر؟"
عند ذكر اسم آرثر، رأيت قبضة إيفا بلاكود تشتد حتى ابيضت مفاصلها.
رفعت إيفا رأسها، وتلاقت عيناها السوداوان بعيني فاليسيرا القرمزيتين، في تحدٍ صامت لا يجرؤ عليه سوى القليل.
"لقد أخبرتكِ يا فاليسيرا..." قالت إيفا بصوتها الجليدي المعتاد، لكنه كان يحمل رجفة غضب مكبوتة.
"... هروب ذلك اللص، الجوكر الأسود، كان مجرد تقليل تقدير مني. لقد أخطأت في حساب غريزته كفأر مجاري. لكنه لم ينتصر. لقد تركته ينزف حتى الموت. أما مهمة القطاع G، فقد أكملناها بنجاح وجلبنا البيانات، رغم أن التقييم كان خاطئاً من البداية."
ابتسمت فاليسيرا.
لم تكن ابتسامة سعادة، بل كانت انحناءة قاسية ومخيفة على شفتيها الشاحبتين.
"تقليل تقدير؟" سخرت فاليسيرا، ومشت بخطوات بطيئة لتقف وجهًا لوجه أمام إيفا.
"عذر أقبح من ذنب، يا ابنة بلاكود. غرورك هو ما جعلكِ تتلقين خدشاً على وجهك الجميل من حشرة لا تملك حتى إيترا تُذكر. لا تخبريني أنك تركتيه ينزف... أنتِ فشلتِ في قطع رأسه عندما كانت الفرصة بين يديكِ. الفشل هو الفشل، لا تزينيه بكلمات منمقة."
التفتت فاليسيرا نحو داميان، الذي كان يراقب المشهد بصمت، يسند ذراعه المكسورة، ولا يحاول الدفاع عن نفسه أو تقديم مبررات.
"لماذا لا تكونون مثل داميان؟" قالت فاليسيرا بنبرة لا تخلو من السخرية المبطنة.
"على الأقل، هو يمتلك الشجاعة ليعترف بأنه خاسر ضُرب حتى فقد الوعي. ليس مكابراً، ولا يلقي باللوم على التصنيفات الخاطئة أو فئران المجاري مثلكم."
صمت الجميع. إهانة كاملة، تُسحق بها كرامة فرقة النخبة أمام أعين المدنيين الأثرياء في مقهى عام.
كانت رسالة واضحة من الاستخبارات: نحن لا نرحم أحداً، حتى أبطالنا.
كنت أجلس في زاويتي. الكوب بين يدي كان يرتجف قليلاً، ليس من الهالة المرعبة لفاليسيرا، بل من الغليان الداخلي الذي كان يحرق عروقي.
نظرت إلى إيفا، إلى الندبة على خدها. نظرت إلى أيدن الذي رغب يوماً في سحقي، وإلى داميان الذي كان يمثل دور العشيق في مسرحية موتي.
"أولئك اللعناء..." تمتمت في قلبي، وصوت النظام الأحمر في مؤخرة رأسي يهمس بكلماته المريضة: (حصاد بني الجلد... انظر إليهم... إنهم ضعفاء الآن... مليئون بالإيترا العالية... فرصة ذهبية...).
قمعت الصوت الشيطاني بقسوة.
أنا لست مجنوناً لأهاجم فرقة كاملة، ومعهم هذه الفتاة ذات العيون القرمزية التي تبدو كسامية موت مصغرة.
لكن حقدي عليهم لم يقل ذرة واحدة.
هؤلاء هم من قرروا إعدامي بدم بارد لمجرد أنني سرقت بعض الأحجار من نقابة فاسدة.
ظللت أرمقهم بنظرة مظلمة، حادة، مليئة بكراهية مكبوتة لم أستطع إخفاءها تماماً.
نظرة رجل عاد من الموت ليرى قاتليه يتذمرون من كبريائهم المجروح.
"هيي... كايل."
صوت زاك، الخافت والمرتعد، أعادني إلى الواقع.
التقيت بنظر زاك.
كان يجلس منكمشاً في كرسيه، يراقبني بتعجب وقلق بالغين.
كان وجهي على ما يبدو يعبر عن كل الرعب والعداء الذي في داخلي.
"لماذا تنظر إليهم هكذا؟" همس زاك بصوت يكاد لا يُسمع، خوفاً من أن تلتقط فاليسيرا صوته.
"أقسم لك، الذي يراك يحدق بهم بهذه الطريقة، سيظن أنك مريض هارب من مستشفى الأمراض العقلية، أو قاتل متسلسل يختار ضحيته القادمة. أخفض عينيك يا رجل، هذه الفتاة ذات الشعر الأبيض قد تذيبنا بنظرة!"
أخذت نفساً عميقاً، بطيئاً جداً.
أرخيت عضلات وجهي بالقوة. تذكرت أنني يجب أن أكون كايل الكئيب، الجبان الضعيف.
"لا شيء، يا زاك." قلت بصوت خافت، محاولاً رسم نظرة انبهار مزيفة على وجهي بدلاً من الحقد.
أشرت بعيني نحوهم، وهمست بتمثيل متقن:
"على ما يبدو، إنهم من الـ FBI. فرقة النخبة التي ذكرتها. وكما تعلم... لطالما كنت أود بشدة أن أدخل هناك يوماً ما. كنت فقط... منبهراً برؤيتهم عن قرب. رؤية هؤلاء الأبطال، وكيف يتم توبيخهم بهذه القسوة."
هز زاك رأسه بتفهم ساذج، وهو يرتشف ما تبقى من قهوته المثلجة.
"الاستخبارات مكان قذر يا صديقي. أحمد الله أنك لم تُقبل في صفوفهم. كانوا سيستخدمونك كدرع بشري."
"نعم..." تمتمت، ونظري لا يزال معلقاً على ظهر إيفا بلاكود وهي تغادر المقهى خلف فاليسيرا.
"أحمد الله أنني لم أنضم إليهم."
لم أستطع أن أخبر زاك بالحقيقة. لم أستطع أن أقول له إن هؤلاء "الأبطال" الذين يقفون على بعد أمتار منا، كادوا أن يمزقوا أحشائي في زقاق قذر منذ سبعة أيام.
لم أستطع إخباره أن صديقه الفاشل، المكتئب، هو "الجوكر الأسود" الذي أصبح كابوسهم الحالي، وأنه نجا من الموت بأكل نواة وحش مسخ.
تنفست الصعداء ببطء عندما اختفوا من الشارع المحطم، لكنني علمت شيئاً واحداً يقيناً في تلك اللحظة.
طرقنا ستتقاطع مجدداً. إيليزيوم مدينة صغيرة جداً على أن تتسع للصيادين والوحوش معاً.
وعندما يتقاطع طريقي معهم في المرة القادمة، وفي خضم الفوضى التي ستجلبها الرؤية المستقبلية... أنا لن أكون مجرد فأر يهرب من مصيدتهم.
عندما تنفتح السماء، سأكون الكابوس الذي
يخشونه أكثر من وحوش الرتبة S.