الفصل الثمانمائة وستة: عالمٌ جديد
____________________________________________
استبدّت الفكرة بـ غو بي تشنغ لدقيقتين كاملتين، فازداد وجهه عبوسًا وتجهمًا، حتى نهض من فراشه على عجلٍ واتجه نحو زميله في الغرفة المقابلة. أحدق في الصورة التي تملأ شاشة حاسوب زميله، ومد يده إلى الفأرة فحركها ونقر بها نقرة خفيفة.
وكما توقع، كان العالم الذي عاش فيه ما هو إلا عالم من القصص المصورة التي أبدعها رفيقه هذا، فقد تطابقت تفاصيله الدقيقة مع المعلومات التي عرفها في دورات التناسخ اللامتناهية. همس لنفسه بذهول: "إذًا، ما أنا فيه الآن هو أنني بعد أن متُّ في الحلم، عُدتُ من جديد إلى الواقع الحقيقي!".
فرك غو بي تشنغ شعره بقوة، وفي تلك اللحظة، رن في أذنيه صوت غريب من جديد، صوتٌ آليٌّ صافٍ أعلن قائلًا: "دينغ، لقد تم ربط نظام الأحلام". ارتسمت على وجهه ابتسامة دهشة عند سماعه هذه المعلومة التي بزغت في عقله فجأة، وقال بصوت خفيض: "لم أتوقع أن أحظى بفرصة كهذه. يا له من أمر شيق، شيق حقًا!".
كان عالم الأحلام الجديد أرضًا قاحلة جرداء. وما إن وطئت قدما غو شانغ تلك البقعة، حتى وجد نفسه في خضم صحراء شاسعة، لا واحة ماء تلوح في الأفق على امتداد آلاف الأميال، ولا نبتة خضراء تكسر رتابة المشهد. كانت شمس السماء تسلط أشعتها الحارقة على كل شيء، تشوي الأرض شويًا، وتتصاعد منها حرارة لافحة.
لكن لحسن حظه، فإن بنيته الجسدية التي صُقلت مرارًا وتكرارًا جعلته لا يأبه لمثل هذه البيئة القاسية، فلم يجد فيها ما يخشاه. 'هذا العالم...' فكر في نفسه وهو يستشعر قوة المكان، ثم استهلك على الفور جزءًا من قوة أحلامه، وسرعان ما حدد الموقع التقريبي لروح الحلم.
رفع بصره إلى السماء الصافية فوق رأسه وتنهد بعمق قائلًا: "روح الحلم خارج هذا العالم إذن". وبعد لحظة من التفكير، حلق في الهواء وطاف حول العالم بأسره، ليكتشف بدهشة أن هذا العالم ما هو إلا كوكبٌ كامل، وأن كل بقاعه صحراوية قاحلة لا أثر للماء فيها.
في خضم إحدى تلك الصحاري، عثر على أطلال بدت كأنها من آثار حياة بشرية، فقد كانت مليئة بالركام ومخلفات مجتمع تكنولوجي. تساءل في قرارة نفسه: "هل هذا عالم بينجمي؟". ثم غادر الكوكب مباشرة وحلق في الفضاء الخارجي، مستمرًا في تتبع الإحساس الذي في عقله، منطلقًا نحو موقع روح الحلم.
بعد يومين، كان غو شانغ قد قطع مئات السنين الضوئية، ولم يصادف في طريقه أي كوكب ينبض بالحياة، بل لم يرَ حتى نجمًا مستقرًا واحدًا. لكنه في المقابل، كان يقترب أكثر فأكثر من موقع روح الحلم، وبسرعته الحالية، كان سيصل إلى كوكبها في غضون سبعة أيام تقريبًا.
مر يومان آخران، وبينما كان غو شانغ يحلق في الفضاء، رأى فجأة ظلًا هائلًا يتقدم نحوه. وعندما أمعن النظر، أدرك أنه أمام بارجة بينجمية عظيمة يبلغ طولها عشرة آلاف متر. كانت تشبه السفن في هيئتها، وقد برزت من جوانبها فوهات المدافع وتوزعت عليها أسلحة متنوعة.
لكن كل ذلك كان أمرًا ثانويًا، فما أدهشه حقًا هم من كانوا على متن تلك البارجة. فبفضل بصيرته الثاقبة، استطاع أن يرى بوضوح أنهم كانوا جميعًا مخلوقات كربونية في أبسط صورها، بوجوه بشرية، غير أن قوتهم كانت تفوق قوة البشر العاديين بكثير؛ فكل فرد منهم يمتلك قوة جسدية هائلة وقوة ذهنية عظيمة.
وما إن استشعرهم غو شانغ، حتى شعروا هم أيضًا بوجوده! توقفت البارجة البينجمية عن الحركة، وانفتحت سلسلة من البوابات السوداء حولها، ثم خرجت منها أطياف من الضوء، كانوا رجالًا يرتدون بزات قتالية بيضاء فاتحة اللون، وقد اقتربوا من غو شانغ.
كانوا يرتدون خوذات بيضاوية شفافة، كشفت عن وجوه شاحبة للغاية. تقدم قائدهم وسأل غو شانغ باحترام: "يا سيدي، من أي كوكب أنت؟". في هذا العالم، كان بإمكان الأفراد السفر في الفضاء كما يشاؤون، لكن النجاة في الكون بالجسد المجرد كانت حكرًا على الأقوياء الذين تجاوزوا المستوى العاشر.
في هذا العصر، كان كل فرد من المستوى العاشر كنزًا ثمينًا في المجرة، فهم يتمتعون بإصرار عنيد ولياقة بدنية خارقة، وما إن يرتدوا دروعًا مناسبة لهم، حتى يتمكنوا من إطلاق قوة هائلة. بل إن بعض المواهب الفذة منهم كانوا قادرين على التحكم في آليات عملاقة ليصبحوا حماة للمجرة بأكملها.
لم يكن بوسع غو شانغ، وهو الوافد الجديد، أن يجيب على سؤال الرجل، ولم تكن لديه نية للإجابة أصلًا. رمق عيني خصمه اللتين لمع فيهما الفضول والحذر، ثم بصق في وجهه بصقة شحنها بجزء يسير من قوته. انطلقت البصقة كالسهم، فاخترقت قناع الخوذة الذي يرتديه القائد في لمح البصر، واندمجت مع جسده بسرعة.
"حالة تأهب! حالة تأهب!!". "ليقم الفريق القتالي بتثبيت الهدف فورًا، واستعدوا لإطلاق الأسلحة في أي لحظة!". "الرجاء ارتداء الدروع فورًا والاستعداد للقتال في أي وقت". عندما رأى الآخرون تصرف غو شانغ المفاجئ، سارعوا إلى استدعاء رفاقهم في البارجة الحربية.
"انتظروا!" في هذه اللحظة، كان القائد قد استعاد وعيه، وقد تحول إلى تابعٍ مخلص لـ غو شانغ. استبدل خوذته بأخرى ولوّح لرجاله الذين خلفه قائلًا: "توقفوا! لم يكن هذا السيد يقصد إيذاءنا".
نظر غو شانغ إلى القائد، ثم استدار في صمت وأصدر أمره: "اذهب، واجعل الجميع من رجالنا". أومأ القائد برأسه على الفور، ثم تقدم نحو أحد أفراد فريقه دون تردد، وفتح خوذته أمام الجميع وبصق في وجهه. لقد حدث الأمر برمته فجأة، حتى إن أحدًا لم يستوعب ما جرى.
وعندما أدركوا حقيقة الموقف، كان ذلك الرجل قد تحول إلى تابع جديد من الجيل الثاني. لوّح القائد بيده، فتحرك الرجلان بسرعة، وفي وقت قصير، حولا كل من خرج من البارجة إلى أتباع لهما. فبعد تحولهم، امتلك كل واحد منهم واحدًا بالمئة من قوة غو شانغ، وهي قوة منحتهم تفوقًا كاسحًا على رفاقهم.
فمهما بلغت قوة أولئك الجنود، لم يكن بوسعهم الخروج عن نطاق البشر، ودون دروعهم وآلياتهم، كانوا هشين كنملة. خاطب القائد غرفة القيادة في البارجة بصبر: "أنا بخير هنا، ارفعوا حالة التأهب، إنه سيد من مجرة أخرى. لقد خاض معركة على بعد ستة وثمانين سنة ضوئية وهزم وحشًا نجميًا من نفس مستواه".
ثم التفت إلى غو شانغ وسأله: "ما هي خطط السيد التالية؟". أومأ غو شانغ لهم برأسه، ثم أصدر أمرًا جديدًا: "أحتاج إلى قوتكم للعثور على شيء لي. حولوا كل من في البارجة إلى أتباع لي، ثم انطلقوا بالبارجة إلى الأمام بأقصى سرعة".
"أمرك!". "اطمئن يا سيدي". أومأ الجميع برؤوسهم، ثم استداروا لفتح البوابة، وبدأوا جولة جديدة من التحويل.