لم يتوقفوا عن الركض.
كانت الأغصان تصفع وجوههم وأذرعهم مع كل خطوة، بينما تعثرت أقدامهم مرارًا بجذور الأشجار البارزة والصخور الصغيرة المخبأة بين الأعشاب. كان الهواء يلسع صدورهم مع كل شهيق، حتى بدا وكأن رئاتهم تحترق من شدة الإرهاق.
"هاااه... هاااه... هاااه..."
كان جون ورفاقه يلهثون بحثًا عن الهواء، بينما تصبب العرق من جباههم واختلط بالتراب الذي علق بوجوههم أثناء هروبهم المجنون.
غرااااااااااااااا!
دوّى الزئير خلفهم مرة أخرى، فتجمدت الدماء في عروقهم للحظة.
كان الوحش الذي يشبه المستذئب لا يزال يطاردهم بلا هوادة، وقد ارتسمت في عينيه الحمراوين نظرة جنونية لا تعرف سوى الصيد والقتل.
كانت خطواته الثقيلة تهز الأرض تحت أقدامه، بينما كانت أنفاسه الخشنة تُسمع بوضوح كلما اقترب منهم أكثر.
نظر جون إلى الخلف.
وعندما وقعت عيناه على الوحش، شعر بقشعريرة تسري في جسده.
زاد من سرعته فورًا.
"اللعنة... إنه يقترب أكثر!"
قال ويل بوجه شاحب.
عندما كان الوحش على وشك الوصول إلى آخر فرد في المجموعة، اتسعت عينا أريا وهي تنظر بسرعة إلى الطرق المتفرعة أمامها.
"انعطفوا يمينًا!"
خرج صوتها مرتفعًا، لكنه لم يخلُ من الارتجاف.
بدون تردد، انعطفت المجموعة يمينًا كما قالت أريا.
وفي اللحظة التالية مرت مخالب الوحش بالقرب من ظهر آخر طالب، حتى شعر بحرارة أنفاسه خلفه.
نجا الفتى بصعوبة من مخالب الوحش التي كادت تمسك به.
نجحوا أخيرًا في زيادة المسافة قليلًا بينهم وبين الوحش، لكن قليلًا فقط.
لا يزال الوحش يطاردهم، ومع سرعته وقدرة تحمله العالية، فهي مسألة وقت قبل أن يصل إليهم ويمزقهم إربًا.
كانت أريا تقود المجموعة وتوجهها.
"اتجهوا يسارًا!"
"انعطفوا!"
"اركضوا في خط مستقيم!"
واتبع الجميع تعليماتها بحذافيرها.
لم يسأل أحد لماذا.
فعندما تكون حياة المرء على المحك، لا يوجد مكان للمنطق أو التفكير الطويل.
في الحقيقة، حتى لو سألوها، فهي نفسها لن تستطيع الإجابة.
فلو سألها أحدهم:
"لماذا سلكنا هذا الطريق بدلًا من ذاك؟"
لأجابت ببساطة:
"لا أعرف... فقط شعرت بذلك."
حينها ربما يُغمى على ذلك الشخص.
نحن نراهن بحياتنا جميعًا بين يديك، وأنتِ تقولين إنك طوال هذا الوقت كنتِ تتبعين إحساسك فقط؟!
اللعنة على إحساسك.
ومع ذلك...
نجحت أريا في زيادة المسافة بينهم وبين الوحش في كل مرة.
"هذا لا ينفع..."
فكر جون في نفسه وهو يركض بأقصى سرعة لديه.
كان صدره يحترق مع كل نفس، وأصبحت رؤيته تتشوش شيئًا فشيئًا من شدة الإرهاق.
نظر إلى الخلف.
كان الوحش أبعد قليلًا...
لكن قليلًا فقط.
"اللعنة عليك... ألا تمل؟ لقد كنت تطاردنا لأكثر من ساعة، أيها اللعين."
نظر جون إلى حالة رفاقه وبقية الطلاب الذين اتبعوهم في وقت سابق.
كان وجه أليكس شاحبًا بصورة مخيفة.
أما ويل، فرغم بنيته الضخمة، كان يلهث بعنف حتى بدت كل خطوة يخطوها معجزة بحد ذاتها.
وكان بعض الطلاب الآخرين يتعثرون باستمرار، معتمدين فقط على غريزة البقاء التي تدفعهم إلى الأمام.
'هذا سيئ...'
'لقد وصلنا إلى حدودنا.'
'حتى ويل يكاد يُغمى عليه.'
ومع ذلك لم يكفوا عن الركض.
لم يكن أمامهم خيار آخر.
حتى أريا...
التي كانت تقودهم طوال الوقت...
بدأت تتردد مع كل مفترق طرق.
"انعطفوا... يمينًا."
"آه... من هنا... أعتقد."
ورغم ذلك، لم يشتكِ أحد أو يعترض على قراراتها.
ركضوا فقط.
حينها لاحظ جون شيئًا غريبًا.
رغم توجيهات أريا المفيدة...
إلا أنهم كانوا يركضون منذ أكثر من ساعة دون توقف.
وأصبحت خطواتهم أبطأ بكثير.
ومع ذلك...
شعر أن شيئًا ما قد تغير.
تجهم وجهه.
أنصت وهو يركض.
لم يعد يسمع...
ذلك الصوت.
صوت الخطوات الثقيلة التي كانت تهز الأرض خلفهم.
ولا زئير الوحش.
ولا حتى أنفاسه الخشنة.
اتسعت عيناه قليلًا.
"هل...؟"
نظر جون إلى الخلف.
لم يكن هناك شيء.
لا وحش.
ولا أثر له.
توقف عن الركض فجأة.
نظر مرة أخرى إلى الطريق الخالي خلفهم، ثم لعن تحت أنفاسه بوجه كئيب.
لاحظ رفاقه تصرفه الغريب، فتوقفوا هم أيضًا، ونظروا إليه بعصبية.
"جون! ماذا تفعل بحق الجحيم؟!"
صاح أليكس وهو يلهث.
"اركض! إلا إذا كنت تريد أن تصبح طعامًا لذلك الوحش!"
"يا رفاق..."
قالت إيلي بصوت متقطع وهي تحاول التقاط أنفاسها.
ثم رفعت رأسها ببطء.
وتطلعت إلى الخلف.
اتسعت عيناها.
"الوحش..."
ابتلعت ريقها.
"...لم يعد يطاردنا."
ما إن خرجت الكلمات من فمها، حتى استدار الجميع دون وعي.
كان الطريق خلفهم...
فارغًا.
لا أثر لذلك الجسد الضخم.
ولا لذلك الفرو الرمادي.
ولا لتلك العينين الحمراوين اللتين ظلتا تطاردانهما طوال الساعة الماضية.
ساد الصمت.
ثم...
خرجت زفرة طويلة من أفواه الجميع، وكأنهم كانوا يحبسون أنفاسهم طوال ذلك الوقت.
وسقط أغلبهم على الأرض من شدة الإنهاك.
"نجونا..."
قال أحد الطلاب وهو يحدق إلى السماء.
"ظننت... أنني سأموت."
تمتم آخر وهو يلهث.
"يا للراحة..."
"الحمد لله..."
...
امتلأت الغابة بتنهدات الارتياح، بينما تمدد بعض الطلاب فوق الأرض الرطبة غير قادرين حتى على تحريك أصابعهم.
كانت أجسادهم ترتجف من شدة الإرهاق، وارتفعت صدورهم وتهبط بعنف مع كل نفس.
أما جون...
فبقي واقفًا.
كان يحدق في الغابة أمامه بوجه كئيب.
لاحظ رفاقه ذلك.
اقترب منه أليكس وهو يمسح العرق عن جبينه.
"هاه... جون... هااه..."
التقط أنفاسه بصعوبة قبل أن يكمل.
"لماذا... وجهك عابس؟"
نظر جون إلى وجوه أصدقائه.
كان الإرهاق واضحًا على الجميع.
لكن...
كانت إيلي مختلفة قليلًا.
رغم تعبها، بدت وكأنها تفكر في الأمر نفسه.
بل إن عبوسًا خفيفًا ارتسم على وجهها، وكأنها توقعت شيئًا.
"يا رفاق..."
قال جون بهدوء.
ثم سأل:
"لماذا تظنون أن الوحش تركنا؟"
ساد الصمت.
كان سؤالًا بسيطًا.
لكن وقعه كان أثقل من أي شيء سمعوه.
تبادل الجميع النظرات.
وبعد عدة ثوانٍ...
ضحك أليكس ضحكة جافة.
"ربما ملّ منا."
حاول الابتسام.
"وقال إننا لا نستحق كل هذا المجهود."
لكن...
لم يبتسم أحد.
نظر إليه جون بوجه خالٍ من أي تعبير.
"ذلك الوحش كان يطاردنا لأكثر من ساعة."
قال بهدوء.
"ولم تظهر عليه أي علامة تعب أو ملل."
توقف للحظة.
ثم أكمل.
"بل كان يعلم أننا سننهار تدريجيًا."
"وأننا سنصبح أبطأ كلما مر الوقت."
رفع رأسه.
ونظر إلى الطريق الذي جاؤوا منه.
"لكن..."
"أين هو الآن؟"
ساد صمت ثقيل.
واحدًا تلو الآخر...
اختفت آثار الراحة من وجوه الجميع.
حتى الطلاب الذين استلقوا على الأرض اعتدلوا في جلستهم، ثم وقف بعضهم مرة أخرى، وكأن كلمات جون أيقظتهم من وهم النجاة.
وضعت إيلي يدها على جبينها، ثم رفعت نظرها إليه.
"إذًا..."
قالت بهدوء، رغم أن صوتها لم يخلُ من التوتر.
"في رأيك يا جون... ما السبب الذي جعل الوحش يتوقف عن مطاردتنا؟"
نظر إليها جون.
ورغم سؤالها...
شعر أنها تعرف الإجابة بالفعل.
أو على الأقل...
كانت تخشى سماعها.
أخذ جون نفسًا عميقًا.
ثم قال بصوت منخفض:
"لا أريد أن أكون متشائمًا، يا رفاق..."
"لكنني أظن أنكم فكرتم في الاحتمال نفسه."
اتجهت أنظار الجميع نحوه.
ولم يجب أحد.
أدار جون رأسه ببطء، ونظر إلى الغابة من حولهم.
حينها فقط...
بدأ الجميع يلاحظ ما كان غافلًا عنه طوال المطاردة.
لقد تغير المكان.
تغير بصورة واضحة.
لم تعد أشعة الشمس تتسلل بين الأغصان كما كانت في بداية انتقالهم إلى هذا العالم.
كانت قمم الأشجار العملاقة قد حجبت السماء بالكامل تقريبًا، فلم يعد يصل إليهم سوى خيوط باهتة من الضوء، جعلت الغابة تبدو أكثر ظلمة وبرودة.
ازدادت رطوبة الهواء، حتى أصبح التنفس أثقل قليلًا.
ولم تعد تُسمع أصوات الطيور...
ولا الحشرات...
بل حتى الرياح...
بدت وكأنها اختفت.
ساد صمت خانق.
صمت جعل أنفاسهم المتقطعة تبدو مرتفعة بصورة مزعجة.
تقدم ويل بضع خطوات، ثم وضع يده على جذع إحدى الأشجار.
اتسعت عيناه.
"جون..."
قال بصوت خافت.
"انظر إلى هذا."
اقترب البقية.
كانت هناك آثار مخالب عميقة محفورة في الجذع.
لم تكن خدوشًا عادية.
بل أخاديد غاصت داخل الخشب السميك، وكأن من تركها كان يمتلك قوة قادرة على تمزيق الشجرة نصفين.
مرر ويل يده داخل إحدى تلك العلامات.
كانت أكبر من كفه بالكامل.
نظر أليكس إليها، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.
"هذه..."
"ليست آثار الوحش الذي كان يطاردنا..."
هز جون رأسه ببطء.
"صحيح."
رفع بصره إلى الأشجار العملاقة المحيطة بهم.
كانت معظم الجذوع تحمل العلامات نفسها.
بعضها أعلى من قامة إنسان.
وبعضها بدا حديثًا نسبيًا، بينما غطت الطحالب آثارًا أخرى أقدم منها بكثير.
أدار جون نظره نحو رفاقه.
"إذا لم يكن سبب توقف الوحش عن مطاردتنا هو أنه رأى أننا لا نستحق وقته..."
قال ذلك وهو ينظر إلى آثار المخالب مرة أخرى.
"...فالاحتمال الأكبر..."
توقف لثوانٍ.
ثم أكمل بصوت منخفض، لكنه كان واضحًا بما يكفي ليسمعه الجميع.
"أننا دخلنا منطقة....حتى ذلك الوحش لا يجرؤ على الاقتراب منها."