كانت الرائحة هي أول ما طرأ على حواسي؛ لم تكن رائحة بخور "الرامن" الدافئة في كونوها، ولا عطر الزهور الذي تنثره هيناتا في أرجاء المنزل. كانت رائحة عفن قديم، ممتزجة برائحة حريق خمد منذ قرون، وأوزون ثقيل يملأ رئتيّ مع كل شهيق مرتجف. فتحتُ عيني، لكن الرؤية لم تكن واضحة. كان هناك غشاء رقيق، لزج وبارد، يغلف جسدي بالكامل. حاولتُ تحريك يدي، فشعرتُ بمقاومة خيوط بيضاء قوية تشبه شرانق العناكب، لكنها كانت تنبض بحياة شيطانية، تمتص طاقتي ببطء وهدوء.
قبل ثوانٍ فقط.. لا، ربما كانت قبل سنوات، كنتُ أمسك بجسد بوروتو البارد في ذلك المسار المظلم الذي رسمه كاشين كوجي. صرختُ بكل ما أوتيتُ من قوة، شعرتُ بقلبي ينفجر من الألم، وفجأة، حدث ذلك الانفجار خلف جفنيّ. الحرارة التي اندلعت في عيني اليمنى لم تكن تشبه أي تشاكرا عرفتها من قبل. كانت طاقة "إيندرا" الكامنة في عين ساسكي المزروعة، وهي تصطدم بجنون بتشاكرا الريكودو في دمي. ذلك الاصطدام ولّد شيئاً جديداً، شيئاً كسر زجاج الواقع الزائف الذي كنتُ أعيش فيه.
بجهد جهيد، وبصرخة مكتومة خنقتها الشرانق، اندفعت تشاكرا الكوراما من مسامي. لكنها لم تكن التشاكرا الذهبية المتوهجة التي عهدتها، بل كانت حمراء قانية، برية وغير مستقرة. تمزقت الشرنقة من حولي، وسقطتُ على أرض صلبة وباردة. استغرق الأمر دقائق حتى استقرت رؤيتي. نظرتُ إلى يديّ؛ لم تكن تلك الأيدي القوية التي تحمل لقب الهوكاجي، بل كانت أيدي نحيلة، باهتة، تبرز منها العظام بوضوح، وكأنني لم آكل منذ دهر.
رفعتُ رأسي ببطء، وهنا توقف قلبي عن الخفقان.
لم تكن هناك قرية كونوها. لم تكن هناك وجوه الهوكاجي المنحوتة على الجبل. كان العالم غارقاً في لون أحمر دموي باهت، ناتج عن قمر عملاق يتربع في كبد السماء، يحمل أنماط الرينغان التي لا تنتهي. وفي كل مكان تقع عليه العين، كانت هناك أشجار عملاقة، جذورها تمتد كأفاعٍ أسطورية، تتدلى منها آلاف، بل ملايين الشرانق المشابهة لتلك التي خرجتُ منها. كان الصمت مرعباً، صمت الموت الذي لا يقطعه سوى حفيف الأوراق المتحجرة.
"لقد.. لقد فعلها.." همستُ بصوت مبحوح، لم أكد أعرف وقعه في أذني. "مادارا.. لقد نجح فعلاً."
تحسستُ عيني اليمنى. كانت تنبض بقوة غريبة، وكأنها قطعة من الجمر المغروسة في جمجمتي. عندما نظرتُ في انعكاس بركة ماء سوداء قريبة، رأيتُها. لم تعد مانغيكيو شارينغان بحدقاتها الحمراء السوداء. كانت عبارة عن دوائر متداخلة، تموجات أرجوانية باهتة تتوسطها صمامات سوداء دقيقة. لقد ولدت الرينغان في جسدي، ولدت من رحم الحزن والضياع.
فجأة، شعرتُ بوجود. لم يكن إحساساً بالتشاكرا فحسب، بل كان ثقلاً في الهواء يجعل التنفس مستحيلاً. على بعد أمتار قليلة، فوق صخرة عالية تشرف على مقبرة الأحياء هذه، كان يقف هو. شعره الأبيض الطويل يتطاير مع ريح باردة لا وجود لها، وردائه الأبيض الذي يحمل رموز الريكودو يلمع تحت ضوء القمر المشؤوم.
مادارا أوتشيها.
لم يلتفت إليّ في البداية. كان ينظر إلى "جنته" التي صنعها ببرود شديد. "لقد استغرق الأمر وقتاً أطول مما توقعت، يا ناروتو أوزوماكي،" قال بصوت عميق تردد صداه في الخواء المحيط بنا. "ظننتُ أن وعيك سيذوب في سعادة الأبوة والجاه، ولن تستيقظ أبداً. يبدو أن ساسكي كان يمتلك بصيرة تفوق تقديري."
نهضتُ على قدمي المرتجفتين، والتشاكرا تبدأ بالتدفق في عروقي كالحمم البركانية. "كل ذلك.. بوروتو.. هيناتا.. القرية.. السلام الذي عشته.. هل كان كل شيء كذبة؟"
التفت مادارا ببطء، وعيناه الرينغان تلمعان ببريق لا إنساني. "لم تكن كذبة، كانت الحقيقة التي تمنيتها أنت. بوروتو لم يكن موجوداً أبداً في العالم الواقعي، كان تجسيداً لرغبتك في أن تكون أباً ناجحاً في عالم لم تنجح فيه كبشري. أنت الآن في العالم الحقيقي، يا ناروتو.. عالم الرماد والخلود الصامت. ألا تجده أجمل من ضجيج الحروب؟"
صرختُ صرخة زلزلت الأشجار من حولي، بينما كانت الرينغان في عيني اليمنى تتوهج بضوء أرجواني مرعب، وبدأت ملامح "نمط الريكودو" تعود لجسدي النحيل ببطء وقوة. "سأحطم هذا العالم يا مادارا، وسأعيد الجميع.. حتى لو اضطررت لحرق السماء نفسها!"