بعد الانفجار الذي هزّ أركان الكوكب، لم يعد هناك صوت. الصمت الذي أعقب الضوء الأبيض كان أشد رعباً من صرخات المعركة. استيقظتُ وأنا أشعر أن جسدي قد تفتت إلى ملايين الذرات ثم أعيد تجميعه بشكل خاطئ. كانت الرينغان في عيني اليمنى تنزف بحرارة، وكأنها تحاول الخروج من محجرها. نظرتُ حولي؛ لم يعد هناك سماء حمراء، بل كانت السماء سوداء كالفحم، يتخللها غبار ذهبي ناتج عن تحطم طاقة الشجرة المقدسة.
كان مادارا يقف على بعد أمتار، لكنه لم يعد ذلك "الإله" المتغطرس. كان رداؤه الأبيض ممزقاً، وقرنه الذي يمثل قوة الريكودو كان مكسوراً. كان يلهث بصعوبة، وعيناه الرينغان تلمعان بضوء خافت، وكأنه بطارية أوشكت على النفاد.
"لقد فعلتها.." همس مادارا، وهو ينظر إلى جذع الشجرة الذي انشطر لنصفين. "لقد حررتهم جميعاً.. لكنك قتلتهم أيضاً. انظر!"
نظرتُ خلفي، وكانت الصدمة التي جمدت الدماء في عروقي. ملايين الشرانق التي كانت تتدلى من الأغصان بدأت تسقط على الأرض مثل الثمار العفنة. لم يخرج منها بشر أصحاء، بل سقطت أجساد شاحبة، هزيلة، لا تحرك ساكناً. الصدمة المرتدة من تحطم الشجرة قطعت "حبل الوريد" الذي كان يغذي عقولهم بالوهم، والآن هم عالقون في برزخ بين الحياة والموت.
في تلك اللحظة، شعرتُ بيد باردة تمسك بكتفي. كان ساسكي. وجهه كان مغطى بالدماء، وعينه الرينغان كانت قد فقدت صماماتها الستة، أصبحت مجرد دوائر باهتة.
"ناروتو.." قال ساسكي بصوت يخرج من أعماق صدره المحطم. "لا يوجد وقت للندم. الشجرة تموت، لكنها تأخذ أرواحهم معها. هناك طريقة واحدة لإعادة 'نبض الحياة' لتلك الأجساد قبل أن تبرد."
نظرتُ إليه بذعر. "ماذا تقصد؟"
"أنت تملك طاقة 'الباريون'، وأنا أملك 'شيفرة' الرينغان،" تابع ساسكي وهو يبتسم ابتسامة باهتة لم أرها منذ كنا أطفالاً تحت جسر كونوها. "لقد استخدمنا القطبية الموجبة والسالبة لختم كاغويا.. الآن سنستخدمها 'كصدمة كهربائية' للكوكب بأكمله. سأقوم بنقل كل تشاكرا الرينغان الخاصة بي عبر جسدك، وأنت ستقوم بتفجيرها باستخدام نمط الباريون البنفسجي لتنتشر كالأمطار فوق هذه الجثث."
صرختُ فيه: "ساسكي! هذا يعني أنك ستفقد كل شيء! ستصبح بشراً عادياً.. أو أسوأ.. قد تموت!"
"وماذا يهم؟" رد ساسكي وهو يغرس أصابعه في كتفي بقوة. "لقد عشنا كذبة لسنوات يا ناروتو. بوروتو الذي أحببته، وسارادا التي كنتُ أحلم بها.. كلهم ينتظرون أن نعطيهم فرصة للوجود الحقيقي. لا تجعل تضحيتي وتضحية كوراما تذهب سدى."
قبل أن أتمكن من الاعتراض، بدأ ساسكي في عملية "النقل القسري". شعرتُ بتشاكرا الأوتشيها الباردة والحادة تخترق قلبي مثل آلاف الإبر. في المقابل، بدأ الكوراما داخل وعيي يزأر زئيراً أخيراً.
"ناروتو.. هذه هي الرقصة الأخيرة. لنجمع كل ما تبقى من كينونتنا في ضربة واحدة!"
فجأة، تحول لوني البنفسجي إلى لون "أرجواني مائل للسواد" (Obsidian Purple). الأجنحة التي كانت خلفي تمددت لتغطي الأفق. لم أعد أشعر بالألم، لم أعد أشعر بالخوف. كنتُ أرى "خيوط الحياة" التي تربط كل جسد سقط على الأرض.
مادارا، برغم ضعفه، اندفع نحونا في محاولة يائسة لمنعنا. "لن أسمح لكم بتدمير إرثي! هذا العالم ملكي!"
لكن ساسكي، وبقايا قوته، استخدم "سوسانو" شفافاً وضعيفاً ليحجز مادارا لثوانٍ معدودة. "ناروتو!! افعلها الآن!!"
رفعتُ يدي نحو السماء السوداء، وتجمعت التشاكرا في راحة يدي لتشكل "راسينغان" عملاقة، لكنها لم تكن كروية؛ كانت تبدو كأنها "مجرة" مصغرة تدور بعنف. صرختُ بأعلى صوتي، صرخة هزت أركان الكوكب: "الاستيقاظ.. الحقيقي!!"
انفجرت المجرة بين يدي. لكنها لم تدمر الأرض، بل تحولت إلى "أغصان من الضوء البنفسجي" امتدت لتلمس كل شرنقة، كل جسد، وكل شجرة. كان الضوء يغسل العفن، ويعيد ضخ الحياة في العروق اليابسة.
الاستفاقة المرة
بدأ الضجيج يعود للعالم. أنين، سعال، صرخات استغاثة باهتة. بدأت الأجساد الملقاة على الأرض تتحرك. رأيتُ كاكاشي يفتح عينيه ببطء، رأيتُ ساكورا تحاول النهوض وهي تصرخ باسم ساسكي.
لكن الثمن كان باهظاً.
سقط ساسكي بجانبي، عيناه كانتا فارغتين تماماً، كأنهما قطعتان من الرخام الأبيض. لم يعد يمتلك أي ذرة تشاكرا، حتى عصب حياته كان يذوب. أما أنا، فقد تلاشت هالة الباريون من حولي، وعاد جسدي لنحافته المرعبة، وسقطتُ على ركبتي وأنا ألهث دماً.
مادارا سقط أيضاً. قوته التي استمدها من الشجرة تلاشت بمجرد موتها. تحول إلى رجل عجوز جداً، جلده مجعد وعيناه ذابلتان. نظر إلينا بذهول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. "لقد اخترتم.. المعاناة.. اخترتم.. الفناء البطيء.. على الخلود السعيد.. يا لكم من.. حمقى.."
أغمض مادارا عينيه للمرة الأخيرة، وتحول جسده إلى غبار تذرروه الرياح الباردة.
الواقع القاسي
الآن، بدأ الناس يستيقظون فعلياً. لكن لم يكن هناك احتفال.
كونوها كانت ركاماً. البيوت التي عاشوا فيها في الحلم لم تكن موجودة. الأطفال الذين كبروا في التسوكيومي اكتشفوا أنهم ما زالوا أطفالاً صغاراً في أجساد هزيلة، أو أنهم لم يولدوا أصلاً.
وقفتُ وسط هذا الخراب، وساسكي بين يدي غائب عن الوعي. نظرتُ إلى ساكورا التي اقتربت منا وهي تبكي بصدمة، غير قادرة على استيعاب أن "العالم الجميل" قد اختفى.
"ناروتو.." همست ساكورا وهي تنظر إلى ساسكي ثم إليّ. "أين نحن؟ أين القرية؟ أين.. الجميع؟"
نظرتُ إليها بعيني الرينغان التي بدأت تفقد ضوءها هي الأخرى، وقلتُ لها الحقيقة التي ستحطم قلوبهم جميعاً: "نحن في بيتنا يا ساكورا. نحن في العالم الحقيقي.. حيث الألم هو الدليل الوحيد على أننا ما زلنا أحياء."