مرّ الأسبوع الأول ببطء.

ليس لأنه كان صعباً، بل لأن الاثنتي عشرة ساعة اليومية من الوقوف أمام حزام متحرك كانت تمتد وتمتد كأنها لا تنتهي.

الحزام يدور.

الفاكهة تمر.

يميناً، يساراً.

يميناً، يساراً.

نفس الحركة، نفس الصوت، نفس الرائحة.

---

في اليوم الثالث وقف بجانبه رجل جديد.

ضخم الجسم، ضحكته عالية وكلامه أعلى.

اسمه دانتي.

"أول مرة في المصنع؟"

"نعم."

"ستتعود." ضحك بصوت مزعج. "أو ستجن. أحد الاثنين."

أكمل بابلو عمله بدون رد.

لكن دانتي لم يكن نوع الشخص الذي يصمت.

تكلم طوال الساعة الأولى عن نفسه، عن قوته، عن كم كيساً يحمل، عن مشرف قديم أخافه مرة.

بابلو يسمع بنصف أذن.

في الساعة الثانية بدأ دانتي يتكلم عن المصنع.

هنا فتح بابلو أذنيه.

"المشرف الكبير هنا، توم، يأخذ نسبة من كل شحنة تخرج."

"يعني؟"

"يعني إذا كنت قريباً منه تأخذ ميزات. إذا لم تكن قريباً منه تعمل فقط."

"ما نوع الميزات؟"

نظر إليه دانتي بعيون ضيقة.

"لماذا تسأل؟"

"فضول."

ضحك دانتي.

"الميزات؟ ساعات أقل، أعمال أخف، وأحياناً راتب إضافي في نهاية الشهر."

أومأ بابلو وعاد لعمله.

معلومة مفيدة.

---

في اليوم الخامس جاء دانتي مجدداً بنفس الطاقة المزعجة.

هذه المرة بدأ يتكلم بصوت عالٍ أمام بقية العمال، يتباهى بقوته وكم يعمل.

ثم نظر لبابلو.

"الصغير هذا كيف يعمل هنا؟ ريح قوية ستطيره."

ضحك بعض العمال.

نظر إليه بابلو بهدوء.

"أقوم بما هو مطلوب مني."

صمت دانتي لثانية.

ضحك بعدها بصوت أعلى وكأن بابلو قال مزحة.

لكنه لم يعد يتكلم عنه بعدها.

---

في نهاية الأسبوع جلس بابلو في استراحة الغداء وحده ونظر للمصنع من حوله.

عشرات العمال، كلهم يفعلون نفس الشيء.

يأتون، يعملون اثنتي عشرة ساعة، يأخذون أجرهم، يعودون.

شهر تلو شهر.

سنة تلو سنة.

ثلاثون ألفاً شهرياً لا تتغير.

هو لا يريد هذا.

لاحظ أن المشرف توم يتحرك بحرية في المصنع ولا يقف عند حزام ساعات. راتبه على الأقل ضعفي أو ثلاثة أضعاف ما يأخذه العمال العاديون.

والمشرفون فوقه أكثر.

الترقي هو الطريق الوحيد داخل المصنع.

لكن الترقي يحتاج وقتاً وعلاقات.

لديه الوقت.

والعلاقات تُبنى.

---

في المساء حين عاد لغرفتهما كان ماركو يأكل وجبته بعيون متعبة.

"كيف كان يومك؟"

"مقبول." قال ماركو وهو يمضغ ببطء. "ظهري لا يزال يؤلمني."

"ستتعود."

جلس بابلو وأكل معه بصمت.

بعد العشاء نظر ماركو للسرير بعيون تريد النوم.

"أنت لن تنام؟"

"لاحقاً."

أومأ ماركو وانهار على سريره في دقائق.

---

خرج بابلو وحده في ناراكا الليل.

الجزيرة بالنهار كانت صاخبة بضجيج المصانع والعمال.

لكن الليل كان له صخب مختلف.

حانات صغيرة تفتح أبوابها، موسيقى تخرج من بعض الغرف، ناس من كل نوع يتحركون في الشوارع الضيقة.

تجوّل بابلو ببطء وعيونه تلتقط كل شيء.

في زقاق جانبي لاحظ رجلاً يقف بهدوء، لا يبيع شيئاً ظاهراً، لكن ناس يأتون إليه واحداً واحداً ويتبادلون معه أشياء بسرعة وسرية.

وقف بابلو بعيداً ونظر.

يعرف هذا المشهد جيداً.

في حيّه القديم في أرضه السابقة كان هو في مكان هذا الرجل.

يقف في الزاوية، يتبادل الأكياس الصغيرة، يحسب ما في جيبه في نهاية الليل.

كان في أسفل السلم.

هذا الرجل هنا يبدو كذلك أيضاً.

موزع صغير في جزيرة صناعية مليئة بعمال يريدون نسيان تعبهم.

السوق واضح.

والعائد واضح.

فكّر بابلو لثانية.

ثم أكمل سيره.

ليس الآن.

ليس لأن الفكرة سيئة، بل لأن التوقيت غلط.

هو جديد في ناراكا ولا يعرف من يعرف من، ومن يملك ماذا، ومن يحمي من.

الدخول في هذا العالم بدون معرفة كافية في مكان جديد هو أسرع طريقة للمشاكل.

---

في الشارع الرئيسي رأى حانة مفتوحة وداخلها طاولات يجلس حولها رجال يلعبون.

قمار بسيط، ورق وبيلي على الطاولة.

لم يدخل.

وقف عند الباب ونظر لدقائق.

لاحظ من يربح ومن يخسر.

لاحظ أن الذي يربح دائماً هو صاحب الطاولة وليس اللاعبين.

هذا أيضاً يعرفه.

---

عاد لغرفته في منتصف الليل.

ماركو لا يزال نائماً بعمق.

جلس بابلو على سريره في الظلام.

ناراكا فيها أكثر مما يراه العمال العاديون.

المصنع للراتب الثابت.

والليل فيه أشياء أخرى.

لكن كل شيء في وقته.

الآن يحتاج أن يفهم أكثر.

أغمض عينيه.

غداً اثنتا عشرة ساعة أمامه.

2026/05/14 · 37 مشاهدة · 627 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026