بعد أربعة أسابيع من التدريب المكثف، عاد بابلو إلى المصنع.
لم يكن قد أهمله تماماً في الفترة الماضية، لكنه كان يزوره بين الحين والآخر ليتفقد الأمور بنفسه. كان يثق بإيدو ولورينزو وتوم، لكن الثقة العمياء ليست في طبعه.
اليوم، كان لورينزو ينتظر شحنة فواكه جديدة من جزيرة نائية. بابلو قرر أن يكون حاضراً.
وقف بجانب لورينزو في قسم الاستقبال. العربات بدأت تصل واحدة تلو الأخرى. الصناديق الخشبية تُفتح، والفاكهة تُفرز.
لورينزو كان يعمل بسرعة. يميز الجيد من الرديء بعين خبيرة.
بابلو كان يراقب. ليس لأنه يحتاج إلى المساعدة. لأنه يريد أن يرى بأم عينه.
ثم توقفت عيناه على شيء.
في أحد الصناديق، بين أكوام الفواكه العادية، كانت هناك فاكهة واحدة مختلفة.
صفراء اللون. شكلها غريب. تموجات حلزونية تغطي سطحها بالكامل.
لم يرَ بابلو شيئاً مثلها من قبل.
لكنه عرف ما هي.
فاكهة شيطان.
توقف قلبه للحظة.
يداه تجمدتا. فمه فتح لكن لم تخرج منه كلمة.
لورينزو نظر إليه. رأى بابلو واقفاً كالتمثال، عيناه شاخصتان على الفاكهة الصفراء في يده.
"بابلو؟ هل أنت بخير؟"
لم يرد.
"بابلو!"
انتزع بابلو نفسه من الصدمة. نظر إلى لورينزو بعيون لا ترى ما أمامها.
"لا شيء. أنا... لا شيء."
أخفى الفاكهة تحت ملابسه بسرعة. وضعه في داخلي قميصه.
"أحتاج إلى الذهاب إلى المقر. أكمل العمل هنا."
لم ينتظر رداً. مشى بسرعة. كاد يركض.
لورينزو بقي واقفاً، ينظر إليه وهو يبتعد. لم يفهم ما حدث.
---
في المقر، أغلق بابلو باب غرفته في الطابق العلوي.
أخرج الفاكهة من تحت ملابسه. وضعها على الطاولة أمامه.
جلس ينظر إليها.
فاكهة شيطان.
شيء كان يفكر فيه منذ وصوله إلى هذا العالم. شيء كان يعرف أنه سيغير كل شيء.
لكن الآن، مع الفاكهة أمامه، شعر بالتردد لأول مرة منذ وقت طويل.
ماذا لو كانت فاكهة سيئة؟ ماذا لو كانت قدرتها لا تناسبه؟ ماذا لو جعلته أضعف بدلاً من أقوى؟
وماذا عن البحر؟ لعنة البحر. من يأكل فاكهة شيطان لا يستطيع السباحة. يفقد قوته في الماء.
هل كان مستعداً لهذا؟
نظر إلى الفاكهة. ثم إلى يديه. ثم إلى الفاكهة مجدداً.
تذكر كل شيء.
تذكر فيرونا. الفقر. الجوع. الخوف.
تذكر ناراكا. العمل في المصنع. الاختلاس. بناء العصابة.
تذكر ماركو. لورينزو. إيدو. توم.
تذكر كل ليلة قضاها يخطط، يحسب، يخاف أن يخطئ.
وصل إلى هنا. إلى هذه اللحظة.
فاكهة شيطان أمامه. مجاناً. صدفة. قدر.
أخذ نفساً عميقاً.
"بعد ان أتت بنفسها بين يدي سأراهن بحظي."
رفع الفاكهة إلى فمه. عض.
المذاق كان مقززاً.
لم يتذوق شيئاً مثل هذا في حياته. لا في هذا العالم، ولا في عالمه السابق.
طعم عفن. مرارة لا توصف. طعم كأنه يمضغ قشرة شجرة فاسدة ممزوجة بالصابون والتراب.
كاد يتقيأ. كاد يبصقها.
لكنه ابتلع.
ابتلع بالقوة. وعيناه تدمعان من المقزز.
تنفس بعمق. انتظر.
لم يحدث شيء.
لم يتغير جسده. لم تظهر أي قوة. لم يشعر بأي شيء مختلف.
نظر إلى يده. رفعها. أنزلها.
لم يحدث شيء.
"ماذا؟" همس.
حاول مجدداً. تخيل شيئاً. ركز. حاول أن يشعر بقوة بداخله.
لا شيء.
جلس على الأرض. شعر بالإحباط.
أكل فاكهة شيطان... ولا شيء تغير.
"ربما احتجت وقتاً. ربما القدرة لا تظهر فوراً." قال لنفسه.
لكن في داخله، كان يشك.
وقف. أخرج من الغرفة. نزل الدرج إلى الطابق الأرضي.
خرج من المقر إلى الخارج.
---
كان الجو مشمساً. جداً.
الشمس كانت عالية، حارقة. الرطوبة مرتفعة. الهواء ثقيل.
بابلو رفع يديه ليحمي عينيه من أشعة الشمس الحادة.
وفي تلك اللحظة...
تغير كل شيء.
فجأة، بدون سبب، بدأت الغيوم تتجمع فوقه لكي تخفي الشمس التي ازعجته.
لم تكن غيوماً عادية. كانت تتشكل بسرعة غير طبيعية. تتجمع فوق المقر مباشرة. كأن يداً خفية تدفعها إلى المكان نفسه.
توقف بابلو.
نظر إلى السماء. ثم إلى يديه.
"هل... هل من الممكن؟"
حاول أن يتخيل الشمس تعود.
اختفى الغيوم. الشمس عادت حارقة.
فكر في الغيوم مرة أخرى وعادت الغيوم.
فكره في المطر.
بدأ المطر يهطل. في منطقة صغيرة فقط. فوق المكان الذي كان يقف فيه. بقية المنطقة بقيت جافة تماماً.
بابلو وقف تحت المطر. كان يبتسم. لم يصدق.
لكن فجأة، شعر بالتعب.
جسده أثقل. تنفسه أصبح صعباً. رأسه بدأ يدور.
المطر توقف. لم يستطع الاستمرار.
جلس على الأرض. تنفس بصعوبة.
"مرهق... بهذه السرعة؟"
أخرج قوته للحظات فقط، وشعر كأنه ركض لساعات.
رفع عينيه إلى السماء. كانت صافية مجدداً.
فهم.
باراميسيا. فاكهة التحكم في الطقس.
ليست لوجيا. ليست زوان. قدرته كانت التحكم في العناصر.
المطر. الشمس. الغيوم. الرياح. ربما العواصف والثلوج والبرق لاحقاً.
كل شيء كان ممكناً.
لكن ليس الآن. الآن، كل ما فعله هو تغيير الطقس لبضع ثوان، وكاد أن ينهار من التعب.
قدرته كانت خام. ضعيفة. تحتاج إلى تدريب. إلى وقت. إلى صبر.
لكن الاحتمالات...
الاحتمالات كانت مرعبة.
تخيل بابلو نفسه يتحكم في الطقس كما يحلو له سيكون كارثة على هذا البحر.
كل شيء كان ممكناً.
وقف. نظر إلى السماء.
ثم بدأ يضحك.
لم يكن ضحكة هادئة. كانت ضحكة طويلة، عالية، مجنونة تقريباً.
ضحك حتى دمعت عيناه. ضحك حتى تألمت بطنه.
لأول مرة منذ وصوله إلى هذا العالم، شعر أن الحظ كان إلى جانبه حقاً.
لم يعد بحاجة إلى الاعتماد فقط على الذكاء والمال والعصابات.
لديه الآن قوة حقيقية.
قوة ستجعله مختلفاً.
قوة ستغير كل شيء.
توقف عن الضحك فجأة.
مسح دموع عينيه.
نظر إلى السماء مجدداً. ثم إلى يديه.
"كل خططي... ستتغير من اليوم."
فتح دفتره الصغير. كتب سطراً واحداً:
"فاكهة الشيطان: قدرة التحكم في الطقس (باراميسيا)."
أغلق الدفتر.
كان يعرف أن الطريق لا يزال طويلاً.
لكن للمرة الأولى، شعر أنه يمتلك سلاحاً حقيقياً.
ليس مالاً. ليس رجالاً. ليس ذكاءً فقط.
قوة في جسده. قوة لا يمكن لأحد أن يسرقها.
أدار ظهره للمقر وعاد إلى داخله.
كان لديه الكثير ليفكر فيه.