كانت الليلة الثانية من الرحلة.

السفينة "الرياح السوداء" كانت تبحر بهدوء في عرض الأزرق الجنوبي. السماء كانت مظلمة، مليئة بالنجوم. القمر كان هلالاً رفيعاً، لا يعطي الكثير من الضوء. البحر كان هادئاً، كأنه ينام مع ركابه.

الجميع كان نائماً. الجميع إلا بابلو.

بابلو لم يستطع النوم.

جلس في غرفته تحت سطح السفينة. كانت الغرفة ضيقة قليلا، فقط سرير وطاولة صغيرة ومصباح زيت. الضوء كان خافتاً، يتحرك مع حركة السفينة.

أخذ كتابه من على الطاولة. كتاب سميك، غلافه جلدي وقديم. عنوانه مكتوب بحروف ذهبية باهتة: "صراع التيجان: حرب مملكتي الأزرق الجنوبي قبل ثمانين عاماً".

كان يقرأ هذا الكتاب منذ أيام. كان يريد أن يفهم تاريخ هذا البحر. كان يعرف أن معرفته بعالم ون بيس من المانغا وحدها لم تعد كافية. التفاصيل الصغيرة، التاريخ القديم، العلاقات المعقدة بين الجزر... كل هذا لم يكن موجوداً في القصة الأصلية. كان عليه أن يتعلم بنفسه.

قرأ صفحة بعد صفحة. عن مملكتين كانتا تتنافسان على طرق التجارة. عن تحالفات ومؤامرات. عن معركة بحرية استمرت ثلاثة أشهر. عن الآلاف الذين غرقوا في الأمواج.

وبابلو لم ينم.

أغلق الكتاب بعد ساعة. نظر إلى السقف الخشبي. لا شيء.

قرر أن يصعد إلى سطح السفينة. الهواء المنعش ربما يساعده على النوم.

---

صعد الدرج الخشبي إلى الأعلى. الهواء كان بارداً. البحر كان يتحرك بهدوء.

توجه إلى مؤخرة السفينة حيث كان المراقب الليلي واقفاً. كان شاباً في العشرينات، أحد رجال العائلة. عيناه كانتا مثقلتين بالنعاس.

"اذهب إلى النوم." قال بابلو بهدوء.

نظر المراقب إليه بعيون متسعة.

"سيدي... لا أستطيع. يجب أن أبقى—"

"أنا سآخذ مكانك."

"لكن—"

"هذا أمر."

تردد المراقب للحظة. ثم أومأ. "سيدي..." ثم اختفى في الدرج نازلاً إلى غرفه.

بابلو صعد إلى أعلى نقطة في السفينة، المكان المخصص للمراقب. كان منصة خشبية صغيرة تطل على البحر من كل الاتجاهات.

جلس هناك. فتح كتابه مجدداً. وبدأ يقرأ.

---

في نفس المنطقة على سفينة القراصنة، كان الأمور مختلفة تماماً.

كانت سفينة القراصنة أكبر من "الرياح السوداء". أشرعتها سوداء، تحمل شعار الجمجمة وعظمتين متقاطعتين. على مقدمتها، تمثال لامرأة بوجه متآكل من أمواج البحر.

المراقب على قمة الصاري كان يحدق في الأفق. رأى السفينة الصغيرة. بدت كسفينة تجارية أو سفينة شحن من مظهرها. لا أضواء كثيرة. لا حركة واضحة.

نزل بسرعة. ركض إلى غرفة القبطان.

لم يطرق الباب. فقط دفعه مفتوحاً.

"قبطان! وجدنا سفينة. على بعد أميال قليلة. تبدو تجارية."

الكابتن كان جالساً على كرسي جلدي خلف مكتب خشبي ثقيل. كان يشرب كأساً من الويسكي. أمامه، على الطاولة، كانت خريطة بحرية ممددة.

بولي.

كان طوله يقترب من ثلاثة أمتار. جسده ضخم، عضلاته تظهر تحت قميصه الممزق. وجهه عريض، بعيون صغيرة وغائرة. شعره بني فاتح، مربوط إلى الخلف بشريط من الجلد. ندبة طويلة تمتد من جبهته إلى أسفل خده الأيسر.

على ظهره، كان سيف طويل معلق. السيف كان ضخماً، مناسباً لحجمه. مقبضه مغطى بجلد أسود، ونصله كان يلمع حتى في الضوء الخافت.

نظر بولي إلى مراقبه بعيون باردة.

"تجارية؟ كم حجمها؟"

" متوسطة. لا تبدو كسفينة حربية."

ابتسم بولي. كانت ابتسامة قبيحة، تظهر أسنانه الصفراء.

"إذاً فهي غنيمة سهلة."

وقف. كان طوله يجعل الغرفة تبدو أصغر. ضرب كتف المراقب بقوة جعلته يترنح.

"أيقظ الرجال. سنصطاد الليلة."

خرج من الغرفة وصعد إلى سطح السفينة. نظر إلى الأفق. رأى السفينة . رأى ضوءاً خافتاً. رأى حركة بسيطة.

"سفينة شحن." تمتم لنفسه. "ربما تحمل بضائع ثمينة. أو ربما أموالاً. سنعرف قريباً."

التفت إلى رجاله الذين بدأوا يتجمعون على السطح. كانوا حوالي ستين رجلاً. بعضهم كان يحمل سيوفاً. بعضهم بنادق. بعضهم خناجر. كلهم كانوا يعرفون أن هذه ليلة حصاد.

"وجهوا السفينة نحوهم. سنقترب بهدوء. ثم... سنضرب فجأة."

السفينة انحرفت قليلاً. أشرعتها تغيرت اتجاهها. بدأت تتجه نحو "الرياح السوداء".

---

بابلو كان لا يزال جالساً على منصة المراقبة، منغمساً في قراءته. لم يرَ السفينة. لم يسمع شيئاً.

لم ينتبه بابلو إلا عندما أصبحوا قريبين جداً.

رفع رأسه فجأة. لا صوت. لا ضجة. فقط حدس. شيء في داخله يقول له: انظر إلى الأفق.

نظر.

رآها. كانت قريبة.

رأى شعار الجمجمة على الشراع.

قراصنة.

لم يذعر بابلو. لم يصرخ. لم يقفز من مكانه. فقط نظر.

كانت هذه أول مرة يواجه فيها قراصنة حقيقيين في عرض البحر. لكنه لم يشعر بالخوف.

رمى كتابه بسرعة. وقف.

ثم قفز.

قفز من منصة المراقبة إلى سطح السفينة الرئيسي. كان الارتفاع كبيراً. لكن جسده المدرب تعامل معه بسهولة. سمع صوت ارتطام قدميه بالخشب. ضجيج عالي في الليل الهادئ.

بدأ يصرخ.

"إلى السلاح! كل رجل إلى موقعه! نتعرض لهجوم! إلى السلاح!"

لم يكن بحاجة إلى أن يصرخ مرتين.

خلال ثوانٍ، كان الرجال يتدفقون من تحت سطح السفينة. بعضهم كان لا يزال يرتدي ملابس النوم. بعضهم كان حافي القدمين. لكن كلهم كانوا يحملون أسلحتهم.

سيوف. بنادق. مسدسات.

ماركو كان أول من وصل إلى سطح السفينة. عيناه كانتا حادتين، تبحثان في الظلام.

"أين هم؟"

أشار بابلو نحو الأفق. "هناك. إنهم هنا."

شيغو وصل بعد ذلك. كان يربط حزام سيفه حول خصره. وجهه كان جاداً، جاهزاً للقتال.

---

على سفينة القراصنة، شعر بولي بالتردد للحظة.

كان يتوقع أن ترى السفينة الصغيرة علامات الذعر. أن تحاول الهرب. أن يسمع صرخات.

لكن لم يحدث شيء من هذا.

بدلاً من ذلك، رأى حركة سريعة ومنظمة على سطح السفينة الأخرى. رأى رجالاً يتجمعون في صفوف. رأى أسلحة ترفع في الهواء.

"هذه ليست سفينة تجارية." تمتم.

لكن لم يعد هناك وقت للتراجع. كان قريباً جداً.

"نحوهم! بسرعة!"

---

على "الرياح السوداء"، أمر بابلو المدافع.

"أطلقوا!"

دوى صوت المدافع في الليل الهادئ. الكرات الحديدية انطلقت نحو سفينة القراصنة.

أصابت واحدة منها مقدمتها. تحطم الخشب. صرخات من السفينة الأخرى. لكن السفينة لم تغرق. كانت كبيرة جداً.

لكن الضرر كان كافياً لإرباكهم.

"استمروا بالتقدم!" صرخ بولي. "لن نهرب من سفينة صغيرة!"

اقتربت السفينتان أكثر. الخشب صرير. الحبال تأرجحت.

ثم اصطدمتا.

صوت ارتطام السفينتين كان صاخبا في هدوء الليل.

---

بابلو كان أول من قفز.

قفز من حافة سفينته إلى سطح سفينة القراصنة. مسدسه كان في يده. أطلق رصاصة نحو أقرب قرصان أمامه. سقط الرجل دون أن يفهم ما حدث.

من خلفه، كان رجاله يقفزون واحداً تلو الآخر.

ماركو كان مثل إعصار. قبضته حطمت وجه قرصان قبل أن يلمس الأرض. ركلته أرسلت أخر إلى البحر.

شيغو كان أكثر هدوءاً. سيفه كان يتحرك ببطء، لكن كل حركة كانت تقطع شيئاً.

بولي رأى رجاله يتساقطون. غضب.

قفز من مكانه. سيفه الضخم كان في يده.

أول رجل من رجال بابلو اعترض طريقه. كان شاباً في العشرينات، يحمل بندقية. رفعها ليصوب.

لم يمهله بولي الوقت. السيف الضخم هبط على الرجل كالصاعقة. قطع البندقية إلى نصفين، ثم تابع طريقه إلى صدر الرجل. اخترق النصل جسده بالكامل. سقط الرجل ميتاً قبل أن يصل إلى الأرض.

بولي لم يتوقف. الرجل الثاني حاول الطعن من الجانب. انطلق بولي بسيفه أسرع من الظل. ضربة واحدة قطعت ذراع الرجل قبل أن يصل إليه. صرخ الرجل من الألم. ضربة ثانية في الرقبة. سقط.

رجلان في أقل من خمس ثوانٍ.

بابلو رآه.

توقف للحظة. نظر إلى بولي. عرفه.

كان قد رأى وجهه من قبل. في ملصقات المطلوبين في الأزرق الجنوبي.

بولي "السيف الضخم". مكافأة: 9 ملايين بيلي.

واحد من أكبر عشرة مطلوبين في الأزرق الجنوبي.

قرر بابلو التحرك. قرر أن يهاجمه بنفسه.

لكن شيغو كان أسرع.

قفز أمام بولي كالسهم. سيفه التقى بسيف بولي. الشرر تطاير.

نظر بولي إلى شيغو بعيون غاضبة. "من أنتم؟"

لم يرد شيغو. ضرب بقوة. تراجع بولي خطوة.

ضرب شيغو مجدداً. تراجع بولي مجدداً.

"أنت سريع..." قال بولي، وهو يحاول صد الهجمات. "لكنني أقوى منك."

هجم بولي بقوة. سيفه الضخم هوى نحو شيغو بقوة هائلة. لكن شيغو لم يحاول التصدي. تراجع في اللحظة المناسبة. السيف مر بجانبه.

"قوتك وحدها لا تكفي." قال شيغو بهدوء.

بولي غضب. هجم مجدداً. وأسرع. وأقوى.

لكن شيغو كان أذكى.

لم يقاتل بقوة. قاتل بمهارته. كل ضربة من بولي كانت تترك ثغرة. كل هجوم كان يجعله يفقد توازنه للحظة. وشيغو كان يستغل هذه اللحظات.

لم يكن شيغو يقمع بولي. كان يعادله. قوة خام مقابل مهارة صافية. الاثنان كانا متكافئين.

القتال استمر. دقائق مرت. كلاهما بدأ يتعب. لكن لم يستطع أي منهما إنهاء الآخر.

بابلو كان يراقب. رأى أن القتال متوقف. لا أحد يتقدم. لا أحد يتراجع.

قرر أن يتدخل.

لكن ليس بالطريقة التي يتوقعها أحد.

كانت الرياح تهب. كانت خفيفة. لكنها كانت موجودة.

الرياح تحركت.

تيار خفيف. لا أحد لاحظه. فقط بولي شعر به.

في اللحظة التي كان يستعد فيها لتوجيه ضربة قاضية لشيغو، شعر فجأة بأن قدمه انزلقت. كأن أحداً دفعها من تحت. لا شيء واضح. مجرد اختلال بسيط في التوازن.

لكنها كانت كافية.

شيغو لم يضيع الفرصة. سيفه اخترق دفاع بولي. طعنة في كتفه.

صرخ بولي. سقط على ركبة واحدة. الدم كان يسيل.

"كيف... كيف حدث هذا؟"

شيغو لم يرد. سيفه ارتفع مجدداً. نظرة باردة في عينيه.

ضربة واحدة. في الرقبة.

سقط بولي على وجهه. لم يتحرك.

ساد صمت للحظة.

شيغو وقف ينظر إلى الجثة. كان يتنفس بصعوبة. كان متعباً. لكنه كان فخوراً.

بابلو ابتسم من بعيد.

لم يلاحظ أحد ما فعله. فقط هو يعرف.

ماركو كان قد أنهى بقية القراصنة. الأرض كانت مغطاة بالجرحى والقتلى.

"انتهى القتال." قال بابلو بصوت عالٍ. "اجمعوا الجرحى. وفتشوا السفينة."

رجاله أومأوا.

ماركو كان واقفاً بجانب بابلو. نظر إليه.

"أنت قفزت أولاً."

"أعرف."

"لا معنى من هذا انت القائد، قد تصيبك رصاصة طائشة."

"لكنها لم تفعل."

ابتسم ماركو قليلاً. لم يضف شيئاً.

بابلو نظر إلى جثة بولي.

تسعة ملايين بيلي. ليس مبلغاً ضخماً مقارنة بما سيجنيه مستقبلاً. لكنها كانت بداية.

أول قرصان يقتل في عرض البحر على يد عائلته.

2026/05/22 · 32 مشاهدة · 1474 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026