جلس الثلاثة في صمت للحظة بعد اعتراف بابلو.

الكنيسة كانت هادئة. رائحة الشموع لا تزال تملأ المكان. ضوء خافت كان يتسلل من النوافذ الزجاجية الملونة، ليرسم بقعاً من الألوان على الأرض الحجرية.

بابلو كان جالساً على مقعد خشبي بسيط. أمامه، جيني كانت واقفة، ذراعها متقاطعة تحت صدرها، مما زاد من بروز قوامها. لم يستطع بابلو منع عينيه من التحديق. نظر إلى وجهها الجميل، إلى عينيها الكهرمانيتين، إلى شفتيها الممتلئتين، ثم انزلقت عيناه إلى أسفل. إلى رقبتها الناعمة، إلى صدرها البارز الذي كان يضغط على قميصها البسيط.

لاحظت جيني. بالطبع لاحظت. لم تكن غبية. كانت معتادة على نظرات الرجال. لكنها لم تقل شيئاً. تجاهلت. كان هناك أشياء أهم لمناقشتها.

كوما كان جالساً على كرسيه الضخم، ينظر إلى بابلو بعيون عميقة.

"لماذا؟" سأل كوما بصوته العميق. "سوربيت ليست مملكتك. أنت لست من هنا. لماذا تفعل كل هذا؟ لماذا تخاطر بحياتك من أجل أناس لا تعرفهم؟"

بابلو أدار نظره عن جيني. حان وقت التمثيل.

أخذ نفساً عميقاً. جعل صوته يهتز قليلاً، كأنه متأثر. كأنه يخفي ألماً عميقاً.

"لأنني رأيت الظلم يا كوما." قال بصوت منخفض. "رأيت الفقراء يموتون والآغنياء يعيشون في قصور. رأيت العجائز يعملون في الحقول حتى يموتوا، بينما النبلاء يشربون الخمر في قصورهم."

توقف. نظر إلى الأرض. ثم رفع عينيه.

"كنت أخطط في البداية لأشياء مختلفة. أردت فقط أن أوسع نفوذ عائلتي. سوربيت كانت مجرد محطة. مكان لأضع فيه قدماي وأبدأ منه."

"لكن بعد أن جئت إلى هنا... بعد أن رأيت الجنوب بعيني... بعد أن تحدثت إلى الفقراء وعرفت معاناتهم... تغيرت خططي."

صوته أصبح أكثر حدة الآن.

"الملك بيكوري يخطط لتحويل كل سكان الجنوب إلى عبيد."

صمت.

عيناه كانتا مثبتتين على كوما وجيني. كان ينتظر رد الفعل.

"عبيد؟" همست جيني. صوتها كان مرتجفاً قليلاً.

"نعم. العبيد. هل تعلمين لماذا؟ الضريبة السماوية التي تدفع للحكومة العالمية تحسب بناءً على عدد سكان المملكة. كلما زاد عدد السكان، زادت الضريبة. بيكوري يريد أن يخفض عدد سكان سوربيت. كيف؟ بتحويل الفقراء إلى عبيد وبيعهم. هذا يقلل عدد السكان الأحرار، وبالتالي تقل الضريبة. وهو يحتفظ بالمال."

كوما تحرك للمرة الأولى. جسده الضخم تأرجح قليلاً. قبضته شدت على ذراع الكرسي لدرجة أن الخشب صرير. على وجهه، ظهر غضب لم يره بابلو من قبل. عيناه الغائرتان اشتعلتا. أنفه المعقوف انتفخ قليلاً.

"متى؟" سأل كوما. صوته كان كالرعد الخافت.

"خلال أقل من سنة. لدي معلومات مؤكدة. لن أقول من أين حصلت عليها. لكنها صحيحة."

جيني كانت ترتجف. لم يكن من البرد. كانت تفكر في الفقراء الذين تعرفهم. في العجائز الذين تعالجهم كوما. في الأطفال الذين يلعبون في شوارع الجنوب. كلهم كانوا مهددين بأن يصبحوا عبيداً.

"هذا... هذا لا يمكن أن يحدث." قالت. صوتها كان حاداً الآن. "لن أسمح بذلك."

"ولا أنا." قال بابلو. "لهذا أنا هنا. لهذا أحتاج مساعدتكما."

نظر إلى كوما.

"قدرتك يا كوما... يمكن أن تغير كل شيء. أستطيع أن أخطط، أستطيع أن أجمع المال، أستطيع أن أوفر الأسلحة، أستطيع أن أحرّض الشباب. لكن في المعركة... في اللحظة الحاسمة... سأحتاج إلى شخص بقوتك."

كوما لم يرد. كان يفكر.

جيني تحدثت بدلاً منه.

"هذا قرار كبير. نحن لا نعرفك. نحن سمعنا اسمك فقط. كيف نعرف أنك صادق؟ كيف نعرف أنك لن تستغلنا مثلما يستغل النبلاء الفقراء؟"

"لن أستغلكما." قال بابلو. "أنا لست قديساً. لست أقول إنني أفعل هذا من أجل الخير فقط. أنا أبني عائلتي. سوربيت جزء من هذه الخطة. لكن الفرق بيني وبين بيكوري... أنني لا أخطط لتحويل الفقراء إلى عبيد. أخطط لجعلهم جنوداً ومواطنين أحراراً. سأحتاج إلى ولائهم. ولن أحصل على ولائهم إذا عاملتهم كالحيوانات."

صمت طويل.

ثم قالت جيني:

"سنفكر. سنتحدث مع بعضنا. ثم نعطيك جواباً."

"لا تأخذوا وقتاً طويلاً." قال بابلو. "الأمر يقترب. الملك يتحرك. إذا لم نكن مستعدين، سيسحقنا جميعاً."

وقف. كان على وشك المغادرة.

ثم التفت إلى جيني.

نظر إليها. إلى وجهها الجميل. إلى عينيها. إلى شفتيها. إلى جسدها المثير. نظر طويلاً. ثم غمز لها.

غمزة واضحة. لا يمكن أن تفهم خطأ.

رفعت جيني حاجبها. ثم تجاهلت. أدارت وجهها كأنها لم تر شيئاً.

بابلو عرف لماذا. كان يعرف أنها تحب كوما. وأن كوما كان يحبها. كان يعرف أن قصتهما ستنتهي بشكل مأساوي في النهاية. لكن هذا ليس وقته.

ابتسم ابتسامة صغيرة. ثم أدار ظهره ومشى نحو الباب.

فتح الباب. توقف للحظة. قال بدون أن يلتفت:

"فكروا في الأمر. لو قررتم مساعدتي، اعلموا أن أبوابي مفتوحة دائماً."

خرج. أغلق الباب خلفه.

---

كان الجو بارداً. النسيم كان يحمل رائحة الأعشاب البرية والتراب. السماء كانت زرقاء صافية.

بابلو وقف للحظة. تنفس بعمق.

كان سعيداً.

ظهر في عينيه بريق لم يره أحد من قبل. كان يعرف أن كوما وجيني سيوافقان. ليس لأنهما يثقان به. لأنهما لم يعد لديهما خيار. الخيار الآخر كان العبودية.

كانت بوادر الانضمام واضحة. الغضب في عيون كوما. الارتجاف في صوت جيني. الحاجة إلى الأمل.

سيوافقان. قريباً.

وبعد أن ينضما لهذه الثورة... سيربطهم بعائلته بشك

ل او أخر. وقدرة كوما ستكون تحت إمرته.

بدأ يمشي عائداً إلى الكهف. خطواته كانت خفيفة. كان يشعر بالقوة.

2026/05/26 · 24 مشاهدة · 772 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026