بعد انتهاء الاحتفال وعودة الناس إلى منازلهم وهم يرددون اسم بولدوغ، طلب بابلو لقاءً خاصاً مع الملك العجوز. لم يكن معهما أحد.
اختار بابلو غرفة صغيرة في جناح القصر الشرقي. بعيدة عن أعين الخدم وعن آذان الحراس. الغرفة كانت بسيطة، ذات جدران حجرية، ونافذة تطل على حديقة القصر الخلفية. أضاءت شمعة واحدة المكان.
جلس بولدوغ على كرسي خشبي متواضع. كان لا يزال يرتدي ملابسه الجديدة وقبعته ذات الحواف الصفراء. كان يبدو أفضل مما كان عليه قبل ساعات، لكن عينيه كانتا لا تزالان تحملان قلقاً عميقاً.
جلس بابلو مقابله. لم يبتسم. لم يبدُ عدائياً. كان هادئاً، عملياً، كتاجر يحسم صفقة.
"بولدوغ، سأكون صريحاً معك."
أومأ بولدوغ. "أنا أسمع."
"سوف تعود ملكاً على سوربيت. ستحبك الشعب. سترفع رايتك الجمعيات. سيعاملك العالم كملك شرعي. هذا ما تريد، أليس كذلك؟"
"نعم... هذا ما أريد."
"لكنك لن تحكم."
صمت بولدوغ. كانت كلمة متوقعة، لكنها لا تزال تؤلم.
"كيف؟"
"ستكون ملكاً صورياً. وجهاً للشعب. توقع الأوراق، تحضر الاحتفالات، تبتسم للجماهير. أما القرارات الحقيقية... فستكون بيدي."
تنهد بولدوغ. كان يعرف أنه لا يستطيع الرفض. "وماذا عن حكومة العالم؟ ألن يشكوا عندما يرون أن كل شيء تغير؟"
"لن يشكوا. سترفع الجزية كالمعتاد. ستبقى سوربيت عضواً مطيعاً. هذا كل ما يهمهم."
"ولماذا؟ لماذا لا تعلن نفسك ملكاً؟"
ابتسم بابلو ابتسامة صغيرة. "لأنني لا أريد أن أغضب حكومة العالم. لست مستعداً لتحمل غضبها. يمكنهم تحطيمي بأسهل مما تتخيل."
فهم بولدوغ. هذا الشاب لم يكن أحمقاً. كان يعرف حدوده.
"إذاً ماذا تريد بالضبط؟"
"سأغير كل الرجال المتحكمين في السياسة والجيش والتجارة. الوزراء، قادة الجيش، ضباط البحرية، كبار التجار. كلهم سيخرجون. مكانهم سيدخل رجالي."
تصلب بولدوغ. "هذا... هذا يعني أن المملكة بأكملها ستكون تحت سيطرتك."
"نعم."
حاول بولدوغ التفاوض. صوته كان مرتجفاً، لكنه حاول.
"أيها الشاب... أعطني شيئاً. فقط شيئاً واحداً. دعني أحتفظ بشرطة المدينة على الأقل."
نظر بابلو إليه. "لماذا؟"
"لأنني أخاف أن تضع شخصاً قاسياً في هذا المنصب. شخص لا يهتم بالسكان. شرطة المدينة تتعامل مع الناس يومياً. إذا كان قائدها قاسياً، ستتحول حياة السكان إلى جحيم."
صمت بابلو للحظة. كان يفكر.
"لست خائفاً على كرامتي. أنا عجوز، لا يهمني الكرامة بعد الآن. لكني أخاف على الناس."
نظر بابلو إلى عيني بولدوغ. رأى فيهما شيئاً نادراً. خوفاً حقيقياً على الآخرين.
"حسناً." قال بابلو أخيراً. "شرطة المدينة ستبقى تحت سلطتك."
تنفس بولدوغ الصعداء. "شكراً."
"لا تشكرني. فقط افهم أن كل شيء آخر سيكون لي. الجيش، البحرية، التجارة، الموانئ، الضرائب. كل شيء."
"أفهم."
لم يتبادلوا مصافحة. لم يوقعوا أوراقاً. فقط اتفقوا. كانت كلمات كافية.
بولدوغ علم أنه لا يمكنه الرفض. وافق على مضض. لأنه يعلم أن مملكته بجيشها وثروتها ستكون تحت حكم هذا الشاب الغامض.
وبابلو كان يعلم. هذا هو هدفه الحقيقي من القدوم إلى سوربيت. ليس فقط جعل كوما وجيني ينضمون إليه. السيطرة. المملكة بأكملها تحت إمرته.
جيش سوربيت سيحارب من أجله دون أن يكلفه بيلي واحد. بحرية سوربيت ستحمي سواحله دون أن يدفع راتباً لجندي واحد. إذا أزعجه قرصان، لن يحتاج إلى إرسال رجاله. سيرسل الجيش. سيخسر جنود المملكة، ليس جنوده. سينفق من خزينة المملكة، ليس من ماله.
عبقرية باردة.
---
بعد اللقاء، بدأ بابلو في تنفيذ وعده. استدعى رجاله الباقين. ثمانية وسبعون رجلاً. هم من تبقى من المئة الذين جاءوا معه إلى سوربيت. كانوا قد فقدوا اثنين وعشرين رجلاً في المعارك والحوادث.
وقفوا في صفوف في قاعة القصر الكبرى. كانوا يرتدون ملابسهم العادية، لكن عيونهم كانت تحترق. كانوا يعلمون أن هذا هو وقتهم. بعد معانات كبيرة منذ قدومهم لهذه المملكة كانوا ينتظرون مكافئتهم.
بابلو وقف أمامهم. صوته كان عالياً وواضحاً.
"لقد حاربتم. لقد خاطرتم. لقد فقدتم رفاقاً. والآن، حان وقت المكافأة."
بدأ يسمي المناصب واحداً تلو الآخر.
الأكثر جدارة:
· وزير الدفاع: أحد أقوى رجاله وأكثرهم خبرة. سيشرف على الجيش والبحرية.
· قائد الجيش: رجل خاض معارك سوربيت وكان له دور كبير في الثورة وسيفرح الثوار بتعيينه.
· قائد البحرية: بحار قديم انضم إلى العائلة في ناراكا وأظهر كفاءة عالية.
· وزير المالية: رجل ذكي كان مؤثرا في غسل دماغ الشباب واشعال الثورة، يعرف الأرقام، سيدير خزينة المملكة.
· قائد الشرطة: لم يعينه بابلو. تركه لبولدوغ كما وعد.
الأقل جدارة، لكنهم حصلوا على مناصب جيدة:
· ضباط في الشرطة تحت إمرة بولدوغ، لكن يراقبون من الداخل.
· مشرفون في الميناء: سيتحكمون في حركة البضائع والسفن.
· مفتشون في الجيش: سيراقبون الولاء ويبلغون بابلو بأي تحرك.
· مسؤولون في الجمارك: سيتحكمون في الضرائب والرسوم الجمركية.
بابلو لم ينسَ أحداً. كل رجل حصل على منصب يناسب جدارته لم يغفل أي أحد وضع 78 رجلا في مناصب تسمح له في التحكم بهذه المملكة كما يريد.
لكنه وقف أمامهم للحظة. نظر في وجوههم واحداً واحداً.
"أريد أن أتذكر شيئاً. ولاؤكم ليس لمملكة سوربيت. ليس لبولدوغ. ليس للشعب. ولاؤكم لي. لعائلة بابلو. إذا نسيتم هذا، فسأذكركم بأسوء طريقة ممكنة."
صمت للحظة.
"هذه المناصب ليست هبة. هي أمانة. إذا أخطأتم، سأعاقبكم. إذا تفوقتم، سترتقون. وإذا خنتم..." لم يكمل. لم يكن بحاجة إلى إكمال.
الرجال نظروا إلى بعضهم. لم يخافوا. كانوا يعرفون هذا منذ البداية. بابلو لم يكن يخفي شيئاً.
ثم بدأت الابتسامات تظهر على وجوههم. فرحة حقيقية. لم يكونوا يتوقعون أن يصلوا إلى هذا المكان.
واحد منهم كان بلطجياً في شوارع ناراكا. الآن أصبح ظابطا في الشركة. آخر كان ملاحا في الميناء. الآن أصبح قائد بحرية.
رواتبهم ستكون كبيرة. منازلهم ستكون جميلة وكبيرة. سيتزوجون زوجات جميلات. هيبتهم ستكون عالية. وناهيك عن الرشاوى التي ستبدأ في التدفق عليهم قريباً.
لم يصدقوا حظهم. كانوا يبتسمون. كانوا يضحكون أحياناً. كانوا يمسحون دموع الفرح من عيونهم.
بابلو نظر إليهم. لم يبتسم معهم. لم يشاركهم فرحتهم. كان هادئاً.
"يمكنكم البدء في العمل غداً. الآن، انصرفوا."
خرج الرجال وهم يتحدثون بصوت مرتفع، يخططون لمستقبلهم الجديد، يتخيلون حياتهم الجديدة.
بابلو بقي وحده في القاعة.
ابتسم. ليس لأنه كان سعيداً لأجلهم. لأنه كان يعلم أن سوربيت أصبحت له.
---
بعد أن استقرت الأمور، أرسل بابلو ماركو إلى المقر لحصر الثروات التي انتزعوها من الملك بيكوري.
خرج ماركو بعد ساعات. عاد إلى بابلو بورقة طويلة. سلمها له.
"لقد أحصيت كل شيء."
نظر بابلو إلى الورقة. قرأ الأرقام.
ذهب: 340 مليون.
مجوهرات وأحجار كريمة: 220 مليون.
تماثيل فضية ولوحات نادرة: 180 مليون.
أراضي وعقارات كانت مسجلة باسم بيكوري: قيمة تقديرية 160 مليون.
أموال نقدية في خزائن القصر: 45 مليون.
الإجمالي: 945 مليون بيلي.
رفع بابلو عينيه عن الورقة. نظر إلى ماركو.
"تسعمائة وخمسة وأربعون مليوناً؟"
"نعم."
صمت بابلو للحظة. كان يحسب. تسعمائة وخمسة وأربعون مليوناً.
كان يعلم أن هذا المال سيجعل عائلة بابلو غنية جدا.
"جيد."
أخذ الورقة وطواها. وضعها في جيبه.
خرج ماركو. بابلو بقي وحده في غرفته.
945 مليون بيلي صافية. بالإضافة إلى ما لديه سابقاً
. بالإضافة إلى السفن والأسلحة والممتلكات. بالإضافة إلى سوربيت التي ستدر له دخلاً ثابتاً كل شهر.
لم يعد بحاجة إلى سرقة القوافل. لم يعد بحاجة إلى المخاطرة.
ابتسم ابتسامة عريضة.