في زنزانات القصر المظلمة، تحت الأرض، حيث لا تصلها أشعة الشمس ولا رائحة الحياة، وجد رجال بابلو الملك السابق.
كان المكان رطباً، تتساقط منه قطرات الماء من السقف المتآكل. الرائحة كانت كريهة، عفنة، كرائحة الموت البطيء. وعلى الأرض، جالساً في زاويته، كان هناك رجل لم يعد يشبه ملكاً.
بولدوغ.
كان عجوزاً، وجهه متجعد كالورق القديم، وضامراً كأن الجوع أكل لحمه وعظامه. كان متوسط الطول، لكنه كان منحنياً بالكامل. شعره الرمادي القصير كان متسخاً، ولحيته الرمادية الصغيرة غير محلوقة منذ أشهر. كان يرتدي ملابس بالية ممزقة، بالكاد تغطي جسده النحيل.
على قدميه، كان هناك حذاء بني مهترئ. ملابسه كانت متسخة لدرجة أن لونها الأصلي لم يعد يظهر.
وعلى رأسه، كانت هناك قبعة "أوشانكا" ذات الحواف الصفراء على الأذنين. كانت القبعة هي الشيء الوحيد الذي بقي نظيفاً نسبياً. ربما كانت ذكرى من أيام مجده.
عندما فتح حراس بابلو باب الزنزانة، رفع بولدوغ عينيه. كانت عيناه غائرتين، داكنتين، لكن فيهما شرارة لم تمت بعد. شرارة الحياة. شرارة الأمل.
"من... من أنتم؟" همس بصوت مبحوح، بالكاد يُسمع.
"أصدقاء." قال أحد الحراس. "تعال معنا. لقد انتهى عذابك."
ساعدوه على الوقوف. كان جسده يرتجف. ساقاه كانتا بالكاد تحملانه. ظلوا يسندونه حتى استعاد توازنه.
خرجوا به من الزنزانة. من تحت الأرض. إلى النور.
أغمض بولدوغ عينيه عندما لامست أشعة الشمس وجهه لأول مرة منذ سنوات. تنهد. كاد يبكي.
لكنه لم يبكي. كان لا يزال ملكاً.
---
أُصطحب بولدوغ إلى قاعة العرش. لم تكن كما يتذكرها. كانت الأثقال مقلوبة، والستائر ممزقة، وأرضياتها مغطاة بالغبار. لكن العرش كان لا يزال هناك.
على العرش، لم يكن يجلس أحد. كان واقفاً بجانبه شاب. شاب في الخامسة عشر أو السادسة عشر. كان يرتدي ملابس بسيطة، لكن عينيه كانتا مختلفتين.
"أجلسوه." قال بابلو.
أجلسوا بولدوغ على كرسي قريب. كان جسده يرتجف. كان ينظر حوله بحيرة.
"أين أنا؟ ماذا يحدث؟ من أنت؟"
بابلو لم يرد فوراً. ترك بولدوغ يستوعب المكان. ثم بدأ يتحدث.
"لقد انتهى حكم بيكوري. الثوار انتصروا. الجنوب حر. والعاصمة الآن تحت سيطرتنا."
اتسعت عينا بولدوغ. لم يصدق. "بيكوري... مات؟"
"قتلته بنفسي."
صمت بولدوغ للحظة. ثم بدأت عيناه تدمعان. لم يبكِ. فقط دمعت عيناه.
"بعد كل هذه السنوات... بعد كل ما فعله بي والمملكة... مات."
"نعم. والآن، أريد عرضاً لك."
نظر بولدوغ إلى بابلو. "ماذا تريد؟"
"أريدك أن تعود ملكاً على سوربيت."
صدم بولدوغ. "ماذا؟ أنا... أنا عجوز. أنا ضعيف. لا أستطيع—"
"ستستطيع. سأكون معك. لن أتركك وحدك. سأقدم لك المساعدة. كل ما أطلبه هو أن تثق بي."
"ولماذا تفعل هذا؟ من انت وما الذي تريده أنت؟"
ابتسم بابلو. " ستكون لدي بعض الشروط لكن لا تقلق شروطي لن تؤذي أحداً. هذا كل ما تحتاج إلى معرفته الآن."
صمت بولدوغ. كان يفكر. كان يرتجف. كان خائفاً. لكنه كان يعلم أنه لا يملك خياراً آخر.
"حسناً." همس. "سأفعل."
مد يده المرتجفة. صافحه بابلو.
كانت بداية عهد جديد.
---
بعد الاتفاق، أمر بابلو رجاله بالاعتناء بولدوغ.
أخذوه إلى حمامات القصر. ملؤوا الحوض بالماء الدافئ. ساعدوه على خلع ملابسه البالية.
كان جسده نحيلاً جداً، ضامراً، والعظام كانت تبرز من تحت الجلد. كانت هناك ندوب قديمة على ظهره. آثار جلد من سنوات السجن.
جلس بولدوغ في الماء الدافئ لأول مرة منذ سنوات. تنهد بارتياح. أغمض عينيه للحظة.
الخدم بدأوا بغسله. غسلوا شعره الرمادي المتسخ. غسلوا لحيته. غسلوا جسده النحيل.
بعد أن انتهوا، ألبسوه ملابس جديدة. كانت بسيطة لكنها نظيفة. قميص أبيض، سروال داكن، وعباءة زرقاء من الريش. ألبسوه حذاء بنياً جديداً.
ثم جاؤوا بالقبعة. قبعة "أوشانكا" ذات الحواف الصفراء على الأذنين. كانت القبعة الوحيدة التي أصر على الاحتفاظ بها. نظفوها وقدموها له.
ارتدى القبعة. نظر في المرآة.
لم يكن كما كان قبل سنوات. لكنه كان أفضل مما كان عليه قبل ساعات.
كان يبدو كملك مجدداً.
---
في الساحة العامة للعاصمة، تجمع آلاف الناس.
لم يكونوا فقط الثوار. كانوا كل سكان العاصمة. رجالاً ونساءً وأطفالاً. كانوا يهتفون، يصفقون، يبكون. كانوا يرفعون أعلام سوربيت الجديدة.
على منصة خشبية مؤقتة، وقف بابلو في الخلف. وأمامه، وقف بولدوغ.
كان بولدوغ يرتدي ملابسه الجديدة. كان لا يزال نحيفاً، لكن عينيه كانتا تلمعان. كان ينظر إلى الجموع بعيون لا تصدق.
"لقد عاد ملكنا! عاد بولدوغ!"
"عاشت سوربيت!"
"عاشت الثورة! عاشت الحرية!"
بابلو أشار إلى بولدوغ ليتقدم.
تقدم بولدوغ خطوة. رفع يده المرتجفة. كان صوته ضعيفاً، لكنه كان واضحاً.
"أيها الشعب العظيم... لقد عدت."
صمت الجميع للحظة. ثم انفجرت الساحة بالهتافات.
"بولدوغ! بولدوغ! بولدوغ!"
كانوا يصرخون باسمه. كانوا يرفعون أيديهم. كانوا يبكون من الفرحة.
"لن أخذلكم مرة أخرى. سأخدمكم حتى آخر يوم في عمري. سأجعل سوربيت كما كانت: أرضاً للمحبة والسلام."
بكى الناس. بكى بولدوغ أيضاً. بكى لأنه لم يصدق أن هذا اليوم سيأتي.
في الخلف، كان بابلو يشاهد. لم يصفق. لم يهتف. فقط ابتسم. كان يعلم أن هذا كان مجرد بداية.
---
في وسط الحشود، كان كوما واقفاً.
جسده الضخم كان يبرز بين الناس. كان ينظر إلى الاحتفال بعيون دامعة. كان يبتسم. ابتسامة عريضة، صادقة، لم تظهر على وجهه منذ سنوات.
كان يرى الفقراء يرقصون. كان يرى العجائز يبكون فرحاً. كان يرى الأطفال يلعبون وهم يرفعون أعلام سوربيت.
كانوا سعداء.
لأول مرة منذ سنوات، كان الفقراء سعداء حقاً.
تذكر كوما الكنيسة الصغيرة في الجنوب. تذكر العجائز الذين كانوا يأتون إليه وهم يئنون من الألم. تذكر المرضى الذين كانوا يموتون لأنهم لا يجدون دواءً. تذكر الفلاحين الذين كانوا يعملون في الحقول من الفجر إلى الغسق دون أجر.
والآن، كل هؤلاء كانوا يرقصون.
"بولدوغ! بولدوغ! بولدوغ!"
نظر كوما إلى المنصة. رأى بابلو في الخلف، بعيداً عن الأنظار. كان واقفاً بهدوء، لا يريد أن يظهر. لا يريد المجد. لا يريد الشهرة.
كان كوما يعلم أن بابلو هو من فعل كل هذا. هو من خطط. هو من قاتل. هو من خاطر بحياته.
"بابلو..." همس كوما في نفسه.
لم يقلها بصوت عالٍ. فقط فكر بها.
"شكراً."
كانت كلمة واحدة. لكنها حملت كل شيء. كل الامتنان. كل الاحترام. كل الإعجاب.
استمر كوما في مشاهدة الاحتفال. كان يبتسم. كانت عيناه تدمعان. كان سعيداً. ليس فقط لأن الفقراء سعداء. لأنه وجد شخصاً يستحق الإعجاب.
كان كوما يعلم أن الطريق لا يزال طويلاً. لكنه كان يعلم أيضاً أن بابلو سيكون هناك.
وهذا كان كافياً.