لم يكن يومًا سيئًا.
وهذا بالضبط ما جعله أسوأ.
استيقظ متأخرًا قليلًا، ليس لدرجة الفوضى، بل تلك الدقائق التي تجعلك تتحرك أسرع مما تحب، دون أن تصل إلى مرحلة الذعر.
الشمس كانت حاضرة خلف الستارة، وصوت السيارات في الشارع بدا طبيعيًا، مألوفًا إلى حد الطمأنينة.
نهض من السرير، جرّ قدميه إلى الحمام، غسل وجهه بماء بارد أكثر مما ينبغي.
نظر إلى نفسه في المرآة لثانيتين فقط، لا أكثر. لم يكن يحب الوقوف طويلًا أمامها.
لم يكن يرى شيئًا يستحق التدقيق.
رجل في أواخر العشرينات، ملامح عادية، لا وسامة لافتة ولا قبح صادم. وجه يصلح لأن يُنسى بسهولة، وهذا كان يناسبه.
دائمًا شعر أن الحياة أسهل حين لا يراك أحد فعلًا.
ارتدى ملابسه بسرعة، تناول هاتفه من على الطاولة، تفقد الساعة.
تأخر سبع دقائق.
“لا بأس”، قالها في داخله، وهو يربط حذاءه.
في المطبخ، فتح الثلاجة، تردد لثانية، ثم أغلقها. لا وقت للإفطار. التقط مفاتيحه وخرج.
الدرج كان مزدحمًا كعادته. الجارة في الطابق الثالث كانت تتشاجر مع طفلها، وصوت التلفاز في الشقة المقابلة كان مرتفعًا على نحو مزعج.
كل شيء في مكانه. كل شيء كما هو دائمًا.
في الشارع، الهواء كان معتدلًا. لا حر خانق ولا برودة.
توقف عند الإشارة، نظر يمينًا ويسارًا، ثم عبر. لم يكن يفكر في شيء محدد. عقله يعمل على الوضع التلقائي، ذلك الوضع الذي تعيش فيه دون أن تشعر أنك تعيش فعلًا.
وصل إلى موقف الحافلات، وقف في الصف، أخرج هاتفه، تصفح بلا هدف. أخبار، إعلانات، مقاطع قصيرة لا تترك أثرًا. الوقت يمر، وهو يمر معه.
ثم حدث شيء… صغير.
رسالة.
لم يكن صوت إشعار. لم يهتز الهاتف. لم يظهر شيء فجأة. فقط، حين فتح الشاشة، كانت هناك نافذة لم يرَ مثلها من قبل.
خلفية سوداء بسيطة.
خط أبيض واضح.
سطر واحد فقط.
الاحتمال الأعلى إذا صعدت الحافلة القادمة: 83%
تجمد.
رمش مرة.
ثم ثانية.
أعاد النظر إلى الشاشة. لا اسم تطبيق. لا أيقونة. لا زر إغلاق.
ضغط على الشاشة. لا شيء.
خفض الهاتف قليلًا، ثم رفعه مرة أخرى. الرسالة ما زالت هناك، ثابتة، لا تختفي، ولا تتحرك.
“ما هذا؟” تمتم.
نظر حوله بسرعة. الناس في الصف أمامه وخلفه كما هم. لا أحد ينظر إلى هاتفه. لا أحد يبدو متوترًا أو مندهشًا.
عاد ينظر إلى الشاشة.
الاحتمال الأعلى إذا صعدت الحافلة القادمة: 83%
“احتمال ماذا؟”
سأل بصوت منخفض، كأن الهاتف قد يجيبه.
لم يحدث شيء.
أطفأ الشاشة بزر الهاتف الجانبي.
تنفس.
ثم فتحها مجددًا.
النافذة ظهرت فورًا.
هذه المرة، تحت السطر الأول، ظهر سطر آخر.
النتيجة: الوصول في الوقت المحدد
حدق طويلًا.
“تطبيق جديد؟”
بحث بسرعة بين التطبيقات. لا شيء.
دخل إلى الإعدادات. لا شيء.
أعاد تشغيل الهاتف.
انتظر.
فتح الشاشة.
النافذة كانت هناك، كأن إعادة التشغيل لم تحدث.
الاحتمال الأعلى إذا صعدت الحافلة القادمة: 83%
النتيجة: الوصول في الوقت المحدد
بدأ يشعر بانقباض خفيف في صدره. ليس خوفًا حادًا، بل ذلك الشعور الذي يسبق القلق حين لا تجد تفسيرًا مباشرًا.
رفع رأسه.
الحافلة تقترب.
صوتها مألوف، ثقيل، كما اعتاد. توقفت أمامهم، فتح الباب.
تحرك الصف للأمام.
في اللحظة التي خطا فيها خطوة واحدة، تغيّر النص.
الاحتمال الأعلى إذا تراجعت خطوة واحدة: 61%
النتيجة: التأخر 12 دقيقة
توقف فجأة.
الشخص خلفه اصطدم به.
“أخي، تحرك.”
قالها بنبرة ضجر.
نظر إلى الشاشة.
ثم إلى باب الحافلة.
ثم إلى قدميه.
“هل أنا أمزح مع نفسي؟”
قالها في داخله.
تراجع خطوة واحدة، فقط ليرى.
في اللحظة نفسها، تغيّر النص.
الاحتمال الأعلى إذا صعدت الآن: 79%
النتيجة: الوصول متأخرًا بدقيقتين
تسارع نبضه.
“هذا… مستحيل.”
رفع قدمه، أنزلها داخل الحافلة.
اختفى النص.
جلس في المقعد القريب من النافذة، يلهث قليلًا دون أن يدري. نظر إلى الشاشة. الهاتف عاد طبيعيًا. لا نافذة. لا نص.
ضحك ضحكة قصيرة، عصبية.
“توهم.”
“أكيد توهم.”
نظر من النافذة. الحافلة تحركت.
بعد دقائق، توقفت فجأة. ازدحام غير معتاد. حادث بسيط في التقاطع.
نظر إلى الساعة.
تأخر دقيقتين.
ابتلع ريقه.
فتح الهاتف ببطء.
النافذة ظهرت من جديد.
الاحتمال الأعلى إذا نزلت الآن ومشيت: 27%
النتيجة: الوصول في الوقت المحدد
شعر ببرودة في أطرافه.
رفع رأسه.
المسافة ليست قصيرة، لكن يمكن قطعها مشيًا لو أسرع.
الاحتمال الأعلى إذا بقيت: 68%
النتيجة: التأخر 11 دقيقة
“توقف.”
قالها بصوت خافت، وكأنه يخاطب نفسه أكثر من الهاتف.
ضغط على الشاشة بقوة. لا شيء.
حاول إغلاق التطبيق. لا شيء.
النص لم يفرض عليه شيئًا.
لم يقل “افعل”.
لم يمنعه.
هو فقط… يخبره.
وقف عند باب الحافلة. السائق نظر إليه باستغراب.
“نازل؟”
تردد.
نظر إلى الهاتف مرة أخيرة.
27%
“نعم.”
قالها، ونزل.
بدأ يركض.
الشارع طويل، الأرصفة مزدحمة. تنفسه ثقيل. قلبه يخفق بقوة. لكنه استمر.
وصل إلى المبنى، صعد الدرج درجتين في كل خطوة.
دخل المكتب، نظر إلى الساعة.
في الوقت المحدد.
وقف في مكانه لثانيتين كاملتين،
كأن جسده لم يستوعب بعد أنه وصل.
نظر إلى الساعة مرة أخرى،
ثم إلى المكتب،
ثم إلى الناس من حوله الذين لم يلاحظوا شيئًا غير طبيعي.
جلس ببطء،
ووضع الهاتف على الطاولة أمامه.
ظل يحدّق فيه طويلًا،
ينتظر أن يظهر شيء…
أو أن يختفي كل شيء.
لكن الشاشة بقيت عادية.
لا نافذة سوداء.
لا نص أبيض.
ولا أي دليل على ما حدث قبل دقائق.
تنفّس بعمق،
وحاول أن يقنع نفسه أن ما جرى كان توترًا، أو خللًا مؤقتًا، أو مصادفة غريبة لا أكثر.
لكن يده، دون أن يشعر،
شدّت الهاتف قليلًا.
ليس خوفًا…
بل حذرًا.
لأنه، ولأول مرة منذ زمن طويل،
لم يشعر أن قراراته تمرّ وتُنسى.
شعر فقط أنها…
بقيت.