لم يظهر شيء في ذلك اليوم.

لا نافذة سوداء،

ولا نص أبيض،

ولا أرقام.

وهذا ما جعله يفكر فيه طوال الوقت.

كان يعمل، يرد على الرسائل، يراجع الملفات، يشارك في اجتماع قصير لم يقل فيه شيئًا يُذكر.

كل شيء سار كما يجب، أو كما اعتاد. لكن عقله لم يكن حاضرًا بالكامل. جزء منه ظل ينتظر أن يرن الهاتف، أو أن تومض الشاشة، أو أن يظهر ذلك السطر مرة أخرى بلا إذن.

لم يحدث.

عند الظهيرة، خرج لشراء قهوة. وقف في الطابور، نظر إلى القائمة، اختار نفس الطلب المعتاد. مدّ يده بالهاتف ليدفع.

لا شيء.

تنفّس بارتياح خفيف، لم يعترف به لنفسه.

“إذًا انتهى.”

قالها داخليًا، وكأنه يغلق ملفًا مزعجًا.

لكن حين همّ بالخروج، تردد.

ليس لأن هناك خيارًا مهمًا،

بل لأن الباب الأيسر كان مفتوحًا أكثر من الأيمن.

توقف لثانية.

ضحك في سرّه على نفسه، ودخل من الأيسر بلا تفكير.

خطوتان.

ثم ظهرت.

الاحتمال الأعلى إذا خرجت من الباب الأيمن: 54%

النتيجة: تصادم بسيط

تجمّد.

نظر حوله فورًا.

الناس يتحركون.

لا أحد يحدق به.

لا أحد يبدو أنه يرى ما يرى.

نظر إلى الهاتف.

النص واضح، هادئ، بلا إنذار.

الاحتمال الأعلى إذا واصلت: 46%

النتيجة: لا شيء يُذكر

“تصادم؟”

همس.

لم يكن هناك سيارات داخل المقهى، لكن خارج الباب مباشرة، الشارع ضيق، والدراجات تمر بسرعة أحيانًا.

تراجع خطوة واحدة إلى الداخل.

في اللحظة نفسها، تغيّر النص.

الاحتمال الأعلى إذا خرجت الآن من الباب الأيمن: 52%

النتيجة: تصادم بسيط

“أنت تمزح.”

قالها بصوت خافت، أقرب للضحك.

نظر إلى الباب الأيسر.

الاحتمال الأعلى إذا خرجت من الباب الأيسر: 48%

النتيجة: تأخير دقيقتين

أغلق الهاتف بعصبية.

فتحه مرة أخرى.

النص ما زال هناك.

لم يكن الاختلاف كبيرًا.

ولا النتيجة مخيفة.

لكن الفكرة نفسها…

أن يُعرض عليه شيء كهذا بسبب بابين فقط، جعلت معدته تنقبض.

خرج من الباب الأيسر.

بعد ثلاث خطوات، اصطدمت به امرأة تحمل أكياسًا. القهوة كادت تسقط. تبادلا اعتذارًا سريعًا، ومضيا كلٌ في طريقه.

لا تصادم.

لا شيء يُذكر.

توقف في مكانه، التفت للخلف، نظر إلى الباب الأيمن.

مرت دراجة مسرعة، اصطدمت بعمود إنارة قريب، وسقط صاحبها أرضًا وهو يصرخ.

تجمّد الدم في عروقه.

لم يكن تصادمًا به.

لكنه كان… قريبًا جدًا.

فتح الهاتف بيد مرتجفة.

تم تسجيل القرار.

أغلق الشاشة بسرعة، كأنه لا يريد رؤية المزيد.

مشَى عائدًا إلى المكتب ببطء، خطواته أثقل من المعتاد. لم يكن خائفًا بالمعنى الواضح، لكن شعورًا جديدًا بدأ يتكوّن في داخله:

هذا الشيء لا يظهر فقط في اللحظات الكبيرة.

بل في الصغيرة.

التافهة.

التي لا نفكر فيها أصلًا.

جلس على مكتبه، حاول التركيز. لم ينجح.

بعد ساعة، تلقى رسالة من صديق قديم لم يتحدث معه منذ أشهر:

“هل انت متاح اليوم؟ نحتاج أن نتحدث.”

نظر إلى الشاشة طويلًا.

لم يكن هناك نافذة.

ولا أرقام.

كتب: “أكيد.”

وقبل أن يضغط إرسال—

ظهرت.

الاحتمال الأعلى إذا وافقت: 31%

النتيجة: ندم

توقف.

مسح الرسالة.

كتب: “مشغول اليوم.”

في اللحظة نفسها:

الاحتمال الأعلى إذا اعتذرت: 62%

النتيجة: لا شيء يُذكر

شعر بشيء ينكسر داخله.

ليس لأنه رفض صديقه،

بل لأنه… صدّق.

ضغط إرسال.

اختفت النافذة.

جلس في مكانه، يحدّق في الفراغ أمامه. لم يكن هذا قرارًا بطوليًا، ولا ذكيًا، ولا حتى مهمًا. لكنه شعر بثقله أكثر من أي قرار اتخذه منذ زمن.

في المساء، وهو عائد إلى منزله، توقف عند الإشارة. ضوء المشاة كان أحمر. لا سيارات قريبة.

فكرة عابرة: “أعبر.”

ظهرت النافذة قبل أن تتحول الفكرة إلى حركة.

الاحتمال الأعلى إذا عبرت الآن: 9%

النتيجة: إصابة خطيرة

الاحتمال الأعلى إذا انتظرت: 91%

النتيجة: لا شيء يُذكر

ضحك.

ضحكة قصيرة، متوترة.

“حسنًا… هذه سهلة.”

انتظر.

عبر حين تحول الضوء إلى أخضر.

لا شيء حدث.

لكن وهو يصعد الدرج إلى شقته، أدرك شيئًا لم يكن مستعدًا له:

لم يعد يسأل نفسه

ماذا أريد أن أفعل؟

بل:

هل أريد أن أعرف الاحتمال؟

وذلك السؤال،

كان أخطر من أي رقم ظهر على الشاشة.

دخل شقته، أغلق الباب خلفه، وأسند ظهره عليه للحظة.

الهاتف في يده صامت.

لكنه لم يعد يبدو بريئًا كما كان أمس.

ووضعه على الطاولة،

وابتعد خطوة،

كأن المسافة قد تحميه.

2026/02/10 · 5 مشاهدة · 632 كلمة
Luxero
نادي الروايات - 2026