الرياح الباردة كانت تصفر عبر النوافذ المحطمة للجناح الخلفي لقصر عائلة "مو". هذا القصر، الذي كان يوماً ما رمزاً للقوة في مدينة "الرياح الغابرة"، تحول الآن إلى وعاء مهترئ تفوح منه رائحة الرطوبة والإهمال بعد أن سقطت العائلة وفقدت خطوط طاقتها.

على الأرضية الحجرية الباردة لإحدى غرف الخدم، كان هناك فتى في الثامنة عشرة من عمره يستلقي بلا حراك وسط بركة من دمائه اللزجة.

كان هذا شين يي؛ خادم شخصي من القاع ينتمي لعائلة مو. جسده كان يحمل آثار قسوة مادية مفرطة عظام صدره مهشمة بالكامل وعروقه ممزقة بفعل هجوم همجي تلقاه من مبعوث طائفة "النجم الساقط"—تلك الطائفة التي فرضت حصاراً خانقاً على عائلة مو وتستنزف مواردها، وقد ضرب المبعوث هذا الخادم لمجرد التسلية وإظهار الهيمنة قبل المغادرة.

لكن في تلك اللحظة، توقف تدفق الدم من فمه.

انفتحت العينان الشاحبتان فجأة. ، ومضت فيهما قسوة باردة، حادة، وجافة كالجحيم. لقد استيقظ الوعي الساكن بالداخل

لم يصدر من فمه أنين. أجرى فحصاً عقلياً ومادياً سريعاً للوعاء البشري الجديد.

"الوضع سيئ،" تمتم بصوت خالٍ من أي عاطفة. "العظام مكسورة، اللحم ممزق، وقنوات الطاقة ضيقة وممتلئة بالشوائب الفطرية. هذا الجسد يقف عند الصفر المطلق؛ الدرجة الأولى من المستوى الأول (مستوى تطهير الجسد) في هذا العالم الفاني الضعيف."

بالنسبة لكائن تحكمه البراغماتية المطلقة، لم يكن هناك مجال للندب؛ فالجسد الحالي مجرد آلة مهترءة تحتاج إلى إصلاح سريع باستخدام المواد المتاحة لتفادي الموت .

حرك يده اليمنى ببطء شديد، ووضع كفه على جرح صدره المفتوح.

في روحه، كانت القوانين الأولى لـ [تقنية التهام الروح الشيطانية] لا تزال حية. بدأت خيوط رمادية دقيقة من طاقته الروحية لتلتف حول بقع الدماء الطازجة المتناثرة على الأرض، واللحم الميت الذي قُطع من جسده. بدأت المادة العضوية تتحمل، متحللة إلى جزيئات نية من الـ Qi الصافية التي تسللت عبر مسام كفه مباشرة نحو عظام صدره المحطمة.

طق... طق...

بدأت ألياف اللحم تطبق على بعضها قسراً. الألم كان فظيعاً، كأنما تُغرس نصال حامية في نخاع عظامة، لكن عقله الصارم لم يعطِ للألم أي قيمة عقلية؛ فالألم مجرد مؤشر حيوي على حدوث التغيير الفيزيائي في الأنسجة.

بعد نصف ساعة من الصهر الصامت، التأم قفصه الصدري بشكل بدائي يسمح له بالتنفس المنتظم. وقف شين يي على قدميه، وثيابه الرمادية ممزقة وملطخة بالطين والدم الجاف.

تصفح بقايا الذاكرة المتهالكة التي تركها صاحب الجسد الأصلي. عائلة مو الساقطة محكومة بالزوال فالآنسة الأولى "مو تشينغ" تحاول يائسة الحفاظ على ما تبقى من إرث عائلتها، بينما طائفة النجم الساقط تلتهم أطرافهم قطرة بقطرة. والأهم من ذلك، أن المبعوث الذي تسبب في سحقه يُدعى "وانغ شي"، وهو مزارع في الدرجة الثانية من المستوى الأول، ولا يزال متواجداً في قاعة الاستقبال الرئيسية بالقصر، يضغط على مو تشينغ لتسليم سندات مناجم الحديد المتبقية.

"الدرجة الثانية في مستوى تطهير الجسد..." قال شين يي وهو ينظر إلى يديه الشاحبتين. "المسافة ضئيلة، وتصفية هذا المبعوث تمثل الخطوة المنطقية الأولى للحصول على المادة الخام وإصلاح عروق هذا الجسد بالكامل."

تحرك بخطوات صامتة ومنتظمة عبر الممرات المظلمة للقصر متجهاً نحو قاعة الاستقبال.

عند وصوله إلى خلف الستائر المظلمة للقاعة، رأى مو تشينغ تقف بوجه شاحب وعينين ممتلئتين بالمرارة، بينما كان وانغ شي يجلس بغطرسة على المقعد الخشبي، يضع قدمه على الطاولة ويحمل في يده خنجراً حديدياً مصقولاً.

"الآنسة مو، الصبر له حدود،" قال وانغ شي بسخرية وهو يقلب الخنجر. "طائفة النجم الساقط لن تنتظر حتى الخريف. سلمي السندات الليلة، وإلا فإن الجثة التي ألقيناها في الجناح الخلفي قبل قليل لن تكون الأخيرة."

انقبضت قبضة مو تشينغ، وقالت بنبرة تهتز من الغضب العاجز: "لقد أخذتم ثلاثة مناجم بالفعل هذا الشهر! إذا سلمتُ هذا المنجم الأخير، فلن يتبقى لعائلتي ما يسد رمق الخدم!"

"هذا لا يهمني،" ضحك وانغ شي ووقف مستعداً للمغادرة.

في تلك اللحظة، انسحب شين يي من خلف الستائر ودخل القاعة بخطوات هادئة وجافة. وملامحه الشاحبة كانت خالية تماماً من أي تعبير .

اتسعت عينا مو تشينغ بصدمة: "شين يي؟! أنت... أنت حّي؟"

التفت وانغ شي ببرود، وعندما رأى الخادم الذي سحقه قبل ساعات واقفاً على قدميه، ضاقت عيناه باستهزاء: "أيها الجرو، يبدو أن عظامك قاسية بشكل مثير للاهتمام. هل عدت لتموت مجدداً؟"

لم يحصل وانغ شي على إجابة لفظية.

اندفع شين يي للأمام بعد أن اجرى حسابات للثغرات الموجودة . كانت اندفاعته سريعة ومباشرة دون أي حركات استعراضية. لوّح وانغ شي بخنجره الحديدي بغضب، ضاخاً فيه الـ Qi الضعيفة الخاصة بالدرجة الثانية في ضربة استهدفت عنق شين يي.

شين يي لم يتراجع؛ مال برأسه بمقدار بوصة واحدة، فاستقبل نصل الخنجر في كتفه الأيسر. النصل قطع اللحم السطحي، لكن شين يي أطبق بعضلات كتفه الصلبة على النصل ليثبته ويمنع وانغ شي من سحبه، وفي نفس جزء من الثانية، تحركت يده اليمنى كالمقصلة الحديدية لتقبض على حنجرة وانغ شي بالكامل.

كراك!

تحطمت القصبة الهوائية لوانغ شي فوراً تحت الضغط المادي لـ شين يي. انقطع صوته وتحول إلى صرخة مكتومة، وسقط الخنجر من يده بينما اتسعت عيناه برعب مطلق وهو يشعر بوعيه ينسحب.

لم يتركه شين يي يسقط؛ بل ثبته بيده، وأطبق كفه الأخرى على صدره، مشغلاً المهارة المحرمة بكامل نهمها النفعي أمام أعين مو تشينغ التي تجمدت في مكانها من فرط الصدمة والذهول.

[تقنية التهام الروح الشيطانية: سحب الجوهر الفاني]

تدفقت خيوط الطاقة الرمادية من كف شين يي لتتغلغل داخل جسد وانغ شي. بدأت الطاقة الحيوية والـتشي المخزنة في عضلاته تسيل كجداول تدخل مسام شين يي. شعر بحرارة لاهبة تسري في عروقه الضيقة، وبدأت خلايا لحمه الممزق في الكتف تلتئم بسرعة مرعبة، ممتصة جوهر صقل الدرجة الثانية بالكامل.

طق... طق...

أصدر جسده رنيناً داخلياً مكتوماً؛ لقد تحطمت القيود البدائية، واستقرت قوته رسمياً في الدرجة الثالثة من المستوى الأول (تطهير الجسد).

انكمش جلد وانغ شي وجف لحمه بالكامل حتى تحول إلى هيكل كلسي هش سقط متناثراً كالغبار على الأرض، ولم يبقَ منه سوى رداءه الطائفي الفارغ.

التفت شين يي نحو مو تشينغ، التي كانت تجثو على الأرض وتنظر إليه برعب غير مسبوق، كأنها لا تنظر إلى خادمها القديم، بل إلى كيان مختلف .

مسح شين يي خط الدم الصغير من على كتفه الملتئم، وقال بصوت جاف وخالٍ من أي عاطفة:

"المبعوث تم مسحه من المعادلة، والمنجم الأخير لا يزال بحوزتكِ يا آنسة مو. استعدي... فطائفة النجم الساقط لن تتأخر في إرسال المزيد من المواد الخام إلى هذا القصر."

2026/05/21 · 10 مشاهدة · 971 كلمة
Respect_me
نادي الروايات - 2026