السلام عليكم، مافي اشي أقوله اقرأ الفصل واترك تعليق وبعتذر عن السحبة مو بخاطري.
....
الفصل 57: كنت ألعنك لأنك تركتني… ثم وقفت خلفي وسألتني ماذا فعلت.
[ تحذير.. أعلنت هيئة الأرصاد الجوية أن عاصفة مطرية شديدة ستجتاح المناطق الشمالية من البلاد، وخاصة مدينتي نايا ونيسان.. نحذر المواطنين من السيول المحتملة وننتقل الآن إلى مراسلنا كليشان في الميدان.. ]
كان صوت المذيع ينبعث رتيبا من التلفاز القديم، يكسر صمت الشقة الموحش.
كانت زارا تجلس متقوقع على الأريكة، تحدق في الشاشة بعينين فارغتين.
"أمطار.. لم يحدث هذا منذ زمن.. وأخيرا سينتهي الجفاف."
همست بصوت مبحوح، وأزاحت الغطاء الصوفي الثقيل عن جسدها ببطء، ونهضت من الأريكة بكسل يائس.
كان مظهرها يحكي قصة حزن لا ينتهي.
كانت ترتدي سروالا قطنيا مريحا، وفوقه قميص أبيض باهت، لكن ما كان لافتا للنظر هو تلك الكنزة الصوفية السوداء الواسعة التي ارتدتها فوق كل شيء.
كانت كنزة رجالية، كبيرة جدا على جسدها الضئيل، أكمامها تغطي يديها بالكامل، وطولها يصل إلى ركبتيها.
كانت كنزة أخيها جيمس، ترتديها كدرع يحميها من برد الوحدة، أو ربما كعقاب مستمر يذكرها برائحته.
لم يكن شعرها طويلا كما كان في طفولتها، بل قصته بنفسها بشكل عشوائي ليصل إلى حدود عنقها، مما أبرز شحوب وجهها وعينيها السوداوين.
كان بياض عينيها مشوبا باحمرار دائم وخفيف، آثار ليالي الأرق والبكاء الصامت التي لم تفارقها منذ سنوات.
جرت قدميها نحو المطبخ الصغير.
فتحت الصنبور، وغسلت يديها ووجهها بالماء البارد محاولة إيقاظ روحها الخاملة، ثم تناولت كسرة خبز جاف ومضغتها بلا شهية، فقط لتبقى على قيد الحياة.
عادت إلى الأريكة، والملل ينهش عقلها. أمسكت بجهاز التحكم، وقلبت القنوات بسرعة حتى استقرت على قناة للأفلام الكلاسيكية.
كان فيلما قديما، تدور أحداثه في أجواء السبعينات الكئيبة، بعنوان "أصداء الجنون".
بدأت زارا تتابع الفيلم ببرود في البداية، لكن الأحداث سحبتها تدريجيا.
كان الفيلم يحكي قصة "نيو لوك"، شاب في الخامسة والعشرين من عمره، يعاني من انفصام حاد وهلاوس سمعية وبصرية تجعله خطرا على نفسه وعلى الآخرين.
كانت عائلته قد تخلت عنه، والأطباء في تلك الحقبة الزمنية القديمة لم يجدوا حلا سوى حبسه في مصحات عقلية قاسية واستخدام الصدمات الكهربائية.
لكن "ليا لوك"، أخته الصغرى ذات العشرين ربيعا، كانت ترفض ذلك.
كانت تحبه حبا جما، وتؤمن أن الحب والرعاية المنزلية سيعيدانه إليها.
أخرجته من المصحة على مسؤوليتها، وعاشت معه في منزل ريفي معزول، تحاول علاجه بالصبر والحنان، رغم نوبات غضبه ومحاولاته المتكررة لإيذاء نفسه.
تسمرت زارا أمام الشاشة.
وصل الفيلم إلى نهايته المأساوية.
في ليلة عاصفة تشبه الليلة المنتظرة في نشرة الأخبار، أصيب نيو بنوبة ذهان عنيفة.
كان يصرخ بأن الشياطين تسكن رأس أخته، وأن عليه تحريرها.
حاولت ليا تهدئته، اقتربت منه باكية وهي تفتح ذراعيها لتعانقه، قائلة له: "أنا هنا يا أخي.. أنا ليا.. أنا أحبك".
لكن نيو لم ير أخته. رأى وحشا.
في مشهد سينمائي وحشي ومتقن، التقط نيو مزهرية ثقيلة من الكريستال الحاد، وبدلا من معانقتها، هوى بها على رأس أخته بكل قوته.
تحطمت الجمجمة، وسقطت ليا والدماء تغطي وجهها البريء.
لم يتوقف نيو عند هذا الحد. جلس فوق جثة أخته التي ضحت بحياتها لأجله، وبدأ يضرب وجهها بقايا الزجاج المهشم، يضرب ويضرب وهو يضحك ويصرخ بأنه قتل الشيطان، بينما كانت الكاميرا تبتعد ببطء لتظهر بركة الدماء تتوسع تحت جسديهما، وصوت ضحكاته يمتزج بصوت الرعد.
انتهى الفيلم، وظهرت شاشة سوداء.
عم الصمت الغرفة لثانية واحدة.
بووووم!
"هاااااهاهاهاهاه!"
انفجرت زارا بضحكة هستيرية مجنونة، وصوت ارتطام عنيف دوى في الغرفة.
قذفت جهاز التحكم بكل قوتها نحو الحائط بجانب التلفاز، فتحطم إلى قطع بلاستيكية صغيرة تناثرت في كل مكان.
وقفت زارا، وجسدها يرتعش من الغضب، وعيناها جاحظتان تكادان تخرجان من محجريهما، وقد تحول الاحمرار الخفيف فيهما إلى دماء تغلي.
اختفت الفتاة اللطيفة الحزينة، وظهر مكانها كائن مجروح يتغذى على الكراهية.
"تبا لك أيها العاهر! تبا لك!"
صرخت وهي تشير إلى الشاشة السوداء، وكأنها تخاطب شخصية الفيلم، أو ربما تخاطب طيفا آخر يسكن خيالها:
"لو كنت مكانها.. لو كنت مكان تلك الغبية.. لكنت تركته يموت! كنت سأتركه يتعفن في المصحة! كنت سأقتله بيدي قبل أن يلمس شعرة مني!"
تحول صراخها إلى نحيب غاضب، وبدأت تضرب رأسها بيديها:
"لماذا يحاولن دائما إنقاذكم؟ لماذا نضحي نحن لتعيشوا أنتم بجنونكم؟ أغغغغ.. تبا للحب الأخوي.. تبا للتضحية.. تبا لك يا نيو.. وتبا لك يا جيمس!"
سقطت على ركبتيها، تلهث وتضحك وتبكي في آن واحد، ممزقة بين رغبتها في أن تكون "ليا" التي ماتت وهي تحاول، وبين حقدها على "جيمس" الذي قتل نفسه وتركها تموت كل يوم وهي على قيد الحياة.
"وماذا فعلت أنا يا زا... زارا؟"
انساب الصوت من الخلف باردا، هادئا، ورخيما، كأنه قادم من قاع بئر عميق، ليخترق ضجيج غضبها الهستيري.
تجمدت زارا للحظة، ثم التفتت بجسدها المرتعش ببطء، وعيناها لا تزالان تشتعلان بنيران الكراهية التي أشعلها الفيلم.
لم تكن تدرك تماما من تخاطب، كان عقلها يخلط بين طيف أخيها المنتحر وبين شخصية القاتل في التلفاز.
كان جيمس يقف هناك، مستندا بكتفه على إطار باب المطبخ، يضع يديه في جيوب بنطاله، وعلى وجهه تلك الابتسامة الباهتة التي لا تصل إلى عينيه.
تقدمت نحوه بخطوات مهزوزة ولكنها مشحونة بالغضب، ووقفت أمامه مباشرة، ترفع رأسها لتنظر في وجهه، وبدأت تصرخ وتفرغ سموم السنتين الماضيتين في وجهه:
"ماذا فعلت أنت؟ تسألني ماذا فعلت؟ كل هذا الخراب بسببك!"
دفعت صدره بيديها الضعيلتين، لكنه لم يتزحزح ملمترا واحدا، فاستمرت في الصراخ:
"بسببك أنت، لم أكمل دراستي.. تحولت من طالبة متفوقة إلى ماسحة سلالم وخادمة في البيوت لكي أوفر ثمن الخبز اليابس! أحلامي ماتت في اليوم الذي مت فيه أنت!"
صوتها انكسر، لكن حدته زادت:
"بسببك أنت.. أمي لم تدفن بطريقة لائقة. اضطررت لاستجداء الجيران، وبعت فراشي وغطائي لكي أستر جثتها وجثتك! هل تعرف شعور أن تدفن عائلتك بمال الصدقة؟"
اقتربت أكثر، ودموعها تتطاير:
"بسببك أنت.. اضطررت أن أمسح دماءك من على هذا البلاط بيدي هاتين! رائحة دمك لا تفارق أنفي، أشمها في طعامي، في ملابسي، وفي أحلامي!"
"بسبب جبان مثلك، فقدت عائلتي.. لا أب يحميني، لا أم تواسيني، ولا أخ يسند ظهري. تركتني فريسة للكلاب في هذا الحي.. هل تعرف كم مرة طرق بابي رجل يريد ثمنا رخيصا لجسدي لأنهم يعلمون أنه لا يوجد رجل في هذا البيت يدافع عني؟"
كانت كلماتها تخرج كالخناجر، كل كلمة تحمل جرحا نازفا وحقيقة مرة عاشتها وحيدة.
لم يتحرك جيمس. لم يرمش. لم تظهر عليه أي علامة ندم ظاهرية، بل حافظ على ثباته المخيف. كان يعلم أنه سيسمع هذا، وكان مستعدا لتقبله كجزء من عقابه، أو ربما كجزء من مبرراته لما سيفعله لاحقا.
نظر إليها ببرود، واتسعت ابتسامته قليلا لتصبح أكثر غموضا واستفزازا:
"وماذا أيضا يا عزيزتي؟.. أفرغي ما في جعبتك."
كان هدوءه، نبرة صوته المألوفة بشكل مرعب، وتلك الابتسامة الخاصة التي كان يبتسمها قبل انتحاره.. كل هذا نزل على زارا كدلو ماء مثلج.
تلاشى صراخها فجأة.
هدأت أنفاسها اللاهثة تدريجيا، وبدأت حدقات عينيها تتسع وهي تتفحص الوجه الواقف أمامها.
لمست الملامح بعينيها.. الأنف، الفم، وتلك العينين.. رغم تغير لونهما قليلا خلف القناع، إلا أن النظرة كانت هي ذاتها.
بدأ عقلها المشوش يستوعب الكارثة. هذا ليس خيالا. هذا ليس طيفا.
الشخص الواقف أمامها له جسد، له ظل، وله صوت يسمع.
سرت قشعريرة باردة وعنيفة في جميع أنحاء جسدها، من أخمص قدميها حتى فروة رأسها.
تراجعت خطوة للوراء، وهي تهمس بصوت يختنق بالرعب:
"أنت... أنت ميت."