الفصل 58: صاحب العشر دولارات.
"من قال إنني ميت؟"
تقدم جيمس نحوها بخطوة هادئة وثقيلة، وسأل بصوت عميق اخترق جدار صدمتها.
نظرت إليه زارا، وبدأ قلبها يضرب في صدرها بعنف مؤلم، وكأنه طائر ذبيح يحاول الهروب من القفص.
أنفاسها تسارعت حتى أصبحت لهاثا مسموعا.
أدرك جيمس فورا أنها على وشك الإصابة بنوبة هلع حادة.
عقلها لا يستطيع التوفيق بين صورة الجثة التي دفنتها وهذا الشخص الواقف أمامها.
"اهدأي.. تنفسي بعمق."
أمسك جيمس بكتفيها بقوة وثبات، مثبتا إياها في مكانها، وعيناه تجبرانها على التركيز معه.
"من أنت؟" سألت بصوت مختنق، وهي تتفحص وجهه بلهفة يائسة.
كانت زارا في تلك اللحظة تشبه "ليا" من الفيلم الذي شاهدته، بل كانت أكثر بؤسا.
كلتاهما تقدس الأخ، كلتاهما مستعدة لحرق العالم من أجله.
الفرق الوحيد هو أن زارا كانت هي الطرف الذي يحتاج للحماية، وجيمس هو الطرف الذي يملك القوة.
كانت كالغريق الذي يتعلق بقشة، حتى لو كانت تلك القشة وهما.
"أنا جيمس يا زارا.. أنا أخوك."
نزلت الكلمات عليها كالصاعقة.
لم يستوعب عقلها.
ذاكرتها تصرخ بصور الدماء، الكفن، والتراب الذي أهالته عليه.
كيف يعود الميت؟
ولكن، بعد دقائق طويلة من النقاش الحاد، والأسئلة الهستيرية، والأجوبة الغامضة وغير المنطقية التي قدمها جيمس، بدأت زارا تستسلم.
ليس لأنها صدقت عقليا، بل لأن قلبها المكسور كان يتضور جوعا لهذا الأمل.
اختارت أن تصدق المعجزة على أن تبقى في جحيم الواقع.
"عالم آخر؟" نطقت زارا بصوت مبحوح، وقد هدأت ثورتها قليلا، رغم أن عينيها كانتا متورمتين وحمراوين من شدة البكاء.
"أجل.. عالم آخر."
قال جيمس وهو يمد يده ليمسح على شعرها القصير بحنان، وارتسمت على شفتيه ابتسامة غريبة، ابتسامة لا تصل لعينيه الميتتين:
"سأنقلك إلى هناك معي.. إنه عالم أجمل من هنا بكثير، عالم يليق بنا."
نظرت زارا إلى ابتسامته، وشعرت بقشعريرة خفيفة، لكنها تجاهلتها.
قالت بمزاح يمتزج بالخوف:
"ها.. ما هذه الابتسامة؟ تبدو لي كمختل عقلي وجد لعبته المفضلة أخيرا.. أنت تخيفني يا جيمس."
أمسكت بيده وتشبثت بها، خائفة أن يتبخر.
"ولكن كيف سننتقل.."
لم تكمل سؤالها.
طق طق طق!
دوى طرق عنيف وقوي على الباب الخشبي القديم، هز أركان الشقة الصغيرة وهز قلب زارا معه.
نظر جيمس إلى ساعة الحائط المعلقة، كانت تشير إلى السابعة والدقيقة الخمسين مساء.
استغرب للحظة، من يجرؤ على طرق باب هذا المنزل المنسي في هذا الوقت؟
حول نظره ببطء إلى زارا.
رأى الرعب يكسو ملامحها فورا.
تحولت من الفضول إلى الغضب الممزوج بالخوف والهلع.
انكمشت على نفسها، وعرفت الطارق قبل أن يتكلم.
"لا تخافي.. أنا هنا."
جذبها جيمس إليه واحتضنها بقوة، واضعا رأسها على صدره العريض ليحجب عنها الصوت.
أمسكت زارا بقميصه من الخلف بقوة مرعبة، وأظافرها تنغرس في ظهره، كأنها إذا أفلتته سيتلاشى، أو كأنه درعها الوحيد ضد الوحوش في الخارج.
اختفت زارا في حضن أخيها، تبحث عن الأمان.
لكن جيمس.. جيمس كان في عالم آخر.
بينما كان يمسح على ظهرها بحنان لتهدئتها، كانت عيناه مثبتتين على الباب المغلق بنظرة جليدية.
ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المرعبة مجددا، ابتسامة السفاح الذي استدرج فريسته.
تمنى، بكل ذرة من سواد قلبه، أن يكون الطارق هو ذلك الشخص الذي رآه في كوابيسه، ذلك الرجل الذي أخد شرف أخته أمام عينيه مقابل عشرة دولارات.
"افتحي الباب أيتها العاهرة الصغيرة.. أعلم أنك بالداخل! هل تظنين أن التخفي سينقذك من الدفع؟"
جاء الصوت من خلف الباب خشنا، مقززا، ومحملا بتهديدات رخيصة.
كان صوتا يعرفه جيمس جيدا، ليس من ذاكرته القديمة، بل من كوابيسه، من غيبوبته، من تلك المناظر التي كان يموت فيها ألما.
ارتعدت زارا في حضن أخيها، وانكمشت على نفسها كقطة محاصرة.
"إنه صاحب العمارة.. إنه يريد الإيجار المتأخر.. لقد هددني في المرة السابقة بأنه سيأخذ المقابل بطرق أخرى إذا لم أدفع.. أنا خائفة يا جيمس."
شعر جيمس ببرودة تسري في عروقه، لكنها لم تكن برودة الخوف، بل برودة القاتل الذي وجد فريسته أخيرا.
تلك الابتسامة المرعبة التي ارتسمت على وجهه اتسعت قليلا لتكشف عن أسنان بيضاء بدت في ضوء الغرفة الخافت كأنياب ذئب.
"لا تخافي.." همس جيمس في أذنها بنبرة هادئة جدا، هدوء ما قبل العاصفة: "الدين سيدفع الليلة..."
فك عناقها برفق، وأجلسها على الأريكة المتهالكة.
نظرت إليه زارا برعب، حاولت أن تمسك يده لتمنعه، خائفة أن يقتلوه كما قتل نفسه سابقا، لكن هالته كانت تمنعها من الحركة.
كان يبدو ضخما، مهيبا، وكأن الظلام يتجمع حوله ليشكل عباءة ملكية غير مرئية.
مشى جيمس نحو الباب بخطوات ثابتة، صامتة، وثقيلة.
كل خطوة كانت تزيد من ضغط الهواء في الغرفة.
طق طق طق!
"افتحي وإلا كسرت الباب!"
مد جيمس يده وفتح القفل، ثم أدار المقبض ببطء شديد.
انفتح الباب.
وقف الرجل الممتلئ الجسم، ذو الوجه الأحمر والأنف المحتقن، رافعا يده ليطرق مجددا، لكنه تجمد.
كان يتوقع رؤية فتاة ضعيفة وباكية، لكنه وجد نفسه أمام جدار بشري.
نظر الرجل إلى الأعلى، ليرى وجها شاحبا، وعينين ميتتين تحدقان فيه من ارتفاع شاهق.
"من.. من أنت؟"
تلعثم الرجل، وتراجع خطوة للوراء غريزيا.
رائحة الخطر كانت تفوح من هذا الشاب الغريب.
لم يتعرف عليه، فجيمس "القديم" كان أنحف، أقصر، ومات منتحرا.
هذا الشخص أمامه كان يبدو كتمثال للموت.
لم يجب جيمس.
اكتفى بالنظر إليه.
وفي تلك النظرة، أطلق جيمس العنان لـ "هالة الرعب" التي اكتسبها من قتل المليارات . لم يستخدم سحرا، ولم يستخدم طاقة روحية، بل استخدم ثقل روحه المظلمة فقط.
شعر الرجل فجأة بأن الهواء انسحب من الممر.
شعر بأن يدين غير مرئيتين تعتصران قلبه.
ركبتاه بدأتا تصطكان ببعضهما البعض دون سيطرة.
رأى في عيني جيمس مشاهد دموية، رأى نفسه يذبح ألف مرة، رأى جحيما لا يمكن لعقله البسيط استيعابه.
"أنت.." همس جيمس بصوت خرج كفحيح الأفعى: "أنت صاحب العشرة دولارات.. أليس كذلك؟"
"ماذا؟.. عن ماذا تتحدث؟.. أين زارا؟ أريد نقودي.." حاول الرجل استجماع شجاعته الواهية، لكن صوته خرج رفيعا ومرتعشا.
مد جيمس يده ببطء، وبحركة ناعمة جدا، أمسك الرجل من رقبته.
لم يخنقه، بل وضع يده فقط كطوق حديدي بارد.
"نقودك؟"
ابتسم جيمس تلك الابتسامة المختلة، وقرب وجهه من وجه الرجل المتصبب عرقا:
"سأعطيك ما هو أغلى من النقود..."
بدأ جيمس يضغط قليلا.
شعر الرجل بفقرات رقبته تئن تحت الضغط.
حاول الصراخ، لكن الصوت لم يخرج.
نظر في عيني جيمس، ورأى فيهما وعيدا أبديا. أدرك أن هذا ليس بشرا، بل وحش يرتدي قناعا بشريا.