لقد مضت ثلاثة أيام بالفعل منذ بدأت قراءة المذكرات.
مجرد تخيّل العيش داخل تلك المتاهة كان أمراً مروعاً بحق.
بصراحة، أعدت ذلك الجزء مرات عديدة.
لكن كتابته بأسلوب الراوي العليم زاد من حماسي أكثر.
توجهت نحو خزانة ملابسي واخترت اللباس المعتاد الذي أخرج به.
آمل ألا يكون يوماً مزعجاً، خصوصاً ذلك الاجتماع الذي سيقام اليوم.
مشيت بضع خطوات نحو النافذة لأتفقد الجو والطقس، بينما كنت أرتدي عباءتي السماوية، المشابهة لسماء هذا الصباح.
تذكرت اللحظات التي كانت والدتي تروي لي فيها مغامراتها من مذكراتها.
في تلك الفترة، ظننت أنها مجرد قصة… لكن الآن تغيّر فهمي لها تماماً.
على أي حال، عليّ أن أقرر كيف سأقضي هذا اليوم.
وبعد تفكير قصير، قررت الاستمرار بما أفعله دائماً.
متوارية خلف اسم والدي، ومتظاهرة بأنني شخص عادي ووفيّ لرفاقه.
نزلت إلى الطابق الأخير استعداداً للخروج من البرج.
وبينما كنت أقترب بخطوات واثقة من المخرج، سمعت صوتاً أنثوياً أعرفه جيداً:
"آنستي سيرين، هل لديكِ موعد ما؟ نادراً ما تخرجين للتنزه."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي.
أجبتها بصوت هادئ وعفوي:
"وما الذي جاء بكِ يا نورس؟ هل لديكِ تقرير عن شيء جديد؟"
"لا يا آنستي، لكنني قررت إبلاغك أنني سأغادر لبضعة أيام."
"ماذا؟ حقاً؟ إذاً… أراكِ لاحقاً."
توقفت واستدرت نحوها بعينين لامعتين ومصممتين.
ارتبكت نورس قليلاً قبل أن تبتسم بعدها.
"كما توقعت… لا تختلفين عن والدك في الوقاحة."
ابتعدت عني بضع خطوات قبل أن تتلاشى، ثم قالت بودّ:
"حسناً، رحلة آمنة يا سيدتي الصغيرة."
"..."
مددت ذراعي فوق رأسي، وأخذت نفساً عميقاً قبل أن أبدأ مسيري فوق الأرض الترابية.
نورس لم تغيّر طباعها قط… كما هو متوقع منها.
—
وصلتُ إلى جدار البعد غير المرئي، كان يشبه فقاعة صابون شفافة.
توقفت، ولوّحت بيدي لاختيار المكان الذي سأنتقل إليه.
خطوت الخطوة الأولى… ودخلت عبره.
في لحظة واحدة، تغيّر المشهد.
طريق يؤدي إلى القصر الملكي.
همم… يبدو أنهم أعادوا ترميم المكان والبنايات والأرضية بشكل جيد.
توقفت عند أحد الأزقة دون أن أدرك، وبدأت أتأمل قصر البلاط من بعيد.
فجأة، شقّ الصمت صوت خشن ومخيف لرجل جالس داخل زقاق مظلم قليل الإضاءة:
"أنتِ هناك! يا ذات الشعر الأبيض!"
لم ألتفت بالكامل، لكنني راقبته بطرف عيني.
كان يحمل أسلحة مخفية تحت ردائه الأسود.
بقيت واقفة في مكاني، أُحلّل نواياه بهدوء.
نهض ببطء، متعثراً قليلاً، ثم تقدم نحوي بغضب:
"أنتِ ونسل ذلك الشخص… لا تستحقون أي قيمة!"
ازدادت خطواته سرعة وحدّة.
"مجرد حثالة خرجتم من العدم… وتلوّحون بجيوشكم خلف الظلال!"
فجأة…
انبثقت من جسده هالة حمراء غريبة تلتف حول خنجره.
"جبناء يظهرون بعد فوات الأوان!"
اندفع نحوي بسرعة خاطفة، كأنه قفز عبر المسافة نفسها.
وفي لحظة واحدة، كان الخنجر عند عنقي.
ابتسمت بهدوء، وأملت رأسي نحوه.
"لا تفهم الأمر بشكل خاطئ. أنا لست منهم. لذا من الأفضل أن تعيد التفكير."
في نفس اللحظة…
ارتطم خنجره بجدار غير مرئي في الهواء.
توقف الزمن لحظة.
ثم انحنى ساعده من الداخل التواءً عنيفاً، دون أن يتمزق الجلد.
لا أحب إراقة الدماء عبثاً… لذلك لم أمزق ذراعه. يكفي هذا حالياً.
خرجت منه صرخة مكتومة، لكنه عضّ على شفتيه سريعاً.
نظراته امتلأت بالغضب والرفض.
للحظة… شعرت أنني رأيت انعكاساً مشوهاً لشيء أعرفه جيداً.
لكن قبل أن يستعيد توازنه…
لم أعد في مكاني.
دام داخلي فراغ كبير بعد ذلك.
…
هناك حفنة من الناس، كانوا من ضحايا تلك الحرب وتلك الحادثة المجنونة.
لم يُغلق لهم جفن… أولئك الذين لم تكن لهم حيلة.
بصراحة… لا أفهم جيداً.
لكن كل ما أعرفه هو أنه يجب الاستمرار مهما كان الوضع.
كانت تلك كلمات والدي… وما زلت أتذكرها.
—
في مكان قريب…
سقطت تفاحة حمراء على الأرض.
رفعت رأسي بهدوء.
كان فوقي مباشرة يجلس شاب وسيم بتعبير هادئ كعادته.
خصلة شعره البيضاء تتمايل مع الرياح على الجانب الأيسر من وجهه.
نعم… كان أخي.
سورا سيريوس — رمز وخليفة المنظمة.
كانت ملابسه البيضاء والزرقاء السماوية كما هي دائماً: أنيقة ومهيبة.
قضم تفاحة بهدوء وقال:
"سعيد لأنكِ أتيتِ. ما زلتِ منغمسة في عزلتك… ألم تفكري ولو مرة في صحتك؟"
زفرت بخفة.
"مرحبا سورا… أكنت بانتظاري؟"
"أكيد. من غيرك سيتأخر ويجعلني أنتظر هنا؟"
قالها بنفس البرود المعتاد وكأنه يشتكي بطريقة عادية جداً.
"... نعم، نعم. لا يبدو عليك ذلك. شكراً لك."
"لا داعي للشكر."
قال وهو يقفز بخفة من فوق السطح إلى الأرض، ويداه داخل جيبيه.
"إن كنتِ جاهزة، فلنذهب. الجميع في انتظارنا."
رفعت كتفيّ بخفة.
"دائماً تستعجل الأمور…"
وسرت بجانبه دون اعتراض.
—
يتبع…