1 - الفصل الأول: فجر المعركة

لم تكن هناك ريح.

لا حفيف عشب، ولا صوت جناح طائر يعبر الفراغ، ولا حتى أنين الصخر العجوز تحت وطأة آلاف السنين. قمة جبل الأصل الكوني كانت صامتة بالقدر الذي يسبق فيه الانهيار؛ تلك اللحظة المعلّقة بين شهيق الكون وزفيره، حين يعرف كل شيء حي أن ما هو آتٍ لن يمرّ دون أن يترك ندبة في نسيج الزمن.

هنا، حيث لا تصل حتى ذاكرة أقدم السجلات، وُلد أول قانون داو عرفه هذا الكون، حين لم يكن هناك سوى الفراغ والصمت وفكرة وحيدة تبحث عن شكل. وهنا أيضاً، بعد آلاف السنين من ذلك الميلاد الأول، كان الكون على وشك أن يشهد وِلادة أخرى - أو ربما نهاية، فالفرق بينهما، كما تعلّم باي منذ زمن بعيد، أدقّ من حدّ سيف.

باي وقف في المركز. لا يتحرك، لا يميل، لا يهتزّ رداؤه الرمادي الخشن رغم أن الريح - لو وُجدت - كانت لتجد فيه عَلَماً يخفق. عصابته البيضاء، التي لا تعرف الغبار ولا الدم منذ آلاف السنين، غطّت عينيه من جبينه حتى منتصف أنفه، ساترةً عالماً لا يحتاج أحد سواه لرؤيته. شعره الأسود الطويل، المربوط برباط قماشي بسيط، سقط ساكناً على كتفيه، وكأن الطبيعة نفسها توقفت احتراماً لصمته.

لم يكن بحاجة لعينين ليعرف مواقع الخمسة الذين أحاطوا به. عرفهم من نبض تشي كل واحد منهم - خيط ناري خشن هنا، برودة صافية كالثلج هناك، حساب هادئ يتحرك كخيوط عنكبوت غير مرئية في الجهة الثالثة، ثقل ذهبي يضغط على الهواء نفسه من الأمام، وفراغ لا معنى له يتربص من الظل خلفه. خمس نقاط، موزعة بدقة هندسية لا تخطئ، كأنها رُسمت بيد تعرف الفلك أكثر مما تعرف الحرب.

كانوا خمسة من أعتى من أنجبهم عالم الصقل الخالد منذ فجر تكوينه. وكان هو، في هذه اللحظة، وحيداً في مركز تشكيلهم، كما لو أن الكون نفسه رتّب هذا المشهد منذ الأزل، وانتظر آلاف السنين ليراه يكتمل.

"باي." نطق الاسم إمبراطور المجلس السيادي الأعلى بصوت لا يحمل غضباً ولا تردداً، بل ذلك الهدوء البارد الذي يمتلكه من اعتاد أن يكون حكمه هو القانون نفسه. وقف على بعد عشرين خطوة، رداؤه الذهبي المشبع بضوء النجوم يتماوج دون ريح، وصولجان الحكم في يده اليمنى ينبض بنقوش تنانين تلتف حول بعضها إلى ما لا نهاية. "سمح لك المجلس بالمشي بين النجوم دون أن تنحني لعرش، ودون أن يُسجَّل اسمك في سجلّات الولاء. اليوم، ننهي هذا التساهل."

لم يجب باي على الفور. أمال رأسه بضعة مليمترات، لا أكثر، كمن يصغي إلى شيء أعمق من الكلمات - إلى تلك الارتعاشة الخفيفة في صوت الإمبراطور، التي لا يسمعها أحد سواه، والتي تكشف أن خلف كل هذا الذهب والصولجان يقف رجل يخشى شيئاً لا يجرؤ على تسميته.

"لطالما كان صمتي إجابة كافية." قال باي أخيراً، بصوت هادئ لا يعلو ولا يخفت، كماء نهر لا يتعجّل الوصول إلى البحر. "إن كان المجلس يريد ركبتي، فليأتِ ويأخذها بنفسه. أما أن يُرسل خمسة ليأخذوا ما يعجز واحد عن أخذه... فهذا ليس حكماً. هذا اعتراف."

عند حافة التشكيل، أطلق شيطان القبضة ضحكة قصيرة جافة، كصوت صخرتين تتصادمان. عملاق بطول مترين ونصف، صدره العاري مغطّى بوشوم تنانين ذهبية تتلوى فوق ندوب صواعق قديمة، وقبضتاه ملفوفتان بقشور تنين الدم الأسود التي لم تعرف هزيمة منذ نُحتت.

"أعجبني هذا." قال وهو يفرقع أصابعه، فارتجّت الصخرة تحت قدميه وتناثر غبار من شقوق لم تكن هناك قبل لحظة. "أخيراً أحد يتكلم بلا مواربة. لكن لا تظنّ أن إعجابي سيوقف قبضتي، أيها الأعمى."

"اهدأ." قالت الحكيمة يان بصوت بارد كصقيع لا يذوب، دون أن تتقدم خطوة واحدة. ثوبها الفضي الثلجي طفا حولها كضباب لا يستقر، ويدها اليسرى استقرت على مقبض قمر الصقيع بثبات لا يخون ما يدور خلف عينيها الفضيتين.

لم يجبها شيطان القبضة، لكنه لم يتراجع أيضاً.

على الجانب الآخر من التشكيل، رفع الحكيم تسوغه مروحته من ريش طائر الفينيق الفضائي، وحرّكها بحركة واحدة دقيقة. لم يكن يهاجم بعد؛ كان يحسب. عيناه، اللتان تلمعان كرموز مصفوفات رياضية متحركة تحت جفنيه الهادئين، تتبعان خطوطاً غير مرئية تمتد بين النجوم البعيدة وصخرة القمة.

"سبعة احتمالات لهذه المواجهة." قال بصوت لا يحمل انفعالاً، كمن يقرأ تقريراً لا معركة. "في ستة منها، يخسر المجلس أكثر مما يربح. أقترح أن نعيد التفكير قبل أن—"

"لا وقت لحساباتك، أيها المستشار." قاطعه الإمبراطور بحدّة، والصولجان في يده بدأ يتوهج بضوء ذهبي ينبض كقلب يخفق. "اجتمعنا هنا لأمر واحد، لا سبعة."

التفت باي قليلاً نحو صوت المروحة، لا نحو الإمبراطور. "حساباتك دقيقة كعادتها، أيها الحكيم. لكنك أغفلت احتمالاً واحداً."

توقفت مروحة الحكيم تسوغه في الهواء. "وما هو؟"

"أنني لا أطلب إذناً من أحد لأرحل عن عالمٍ لم أطلب يوماً أن أُتوَّج فيه."

لم يُجب الحكيم تسوغه. لكن شيئاً في صمته كان يشبه الأسف.

من الظل خلف الجميع، حيث لم تصل الشمس الكونية رغم أنها تملأ كل زاوية أخرى من القمة، تحرك ملك اللا قتل خطوة واحدة بلا صوت. أسماله السوداء البالية تتلاشى أطرافها كدخان رمادي متصاعد، وتميمة الدم القديمة المتدلية من عنقه تنبض بإيقاع لا يشبه إيقاع القلوب.

"الموت باب." همس بصوت يشبه حفيف الرمال في مقبرة منسية. "وأنا فضولي، أيها السيّاف الأعمى، لأرى أيّ باب سيفتحه سيفك حين يُغلَق كل شيء آخر."

أدار باي كتفه بضعة درجات نحو الصوت، لا خوفاً، بل احتراماً لكيان لم يجرّب معه الموت من قبل. "ستعرف، حين يحين الوقت. ليس قبل ذلك."

لم تُقل كلمة أخرى.

رفع الإمبراطور صولجانه، والسماء فوق قمة جبل الأصل الكوني - تلك السماء التي لم تعرف غيمة واحدة منذ ولادة هذا العالم - بدأت تتجمّع فيها ظلال ذهبية ثقيلة، تسعة خيوط نور تلتف حول بعضها كتسعة تنانين مستيقظة من سبات طويل.

"شمس الهيمنة التساعية." أعلن الإمبراطور، وصوته ارتفع الآن ليحمل كل ثقل عرشه معه. "سأمنحك ضربة واحدة، أيها المتمرد. إن نجوت منها، فسأصدّق أنك تستحق أن تُقاتَل بجدّية. إن لم تنجُ... فسيكون هذا حكماً عادلاً على تمرّد دام طويلاً."

انطلقت الصاعقة من طرف الصولجان دون سابق إنذار - لم تكن ضوءاً يسبقه دويّ، بل دويّاً وضوءاً في اللحظة ذاتها، تسعة خيوط ذهبية تتشابك في خيط واحد يمزّق الفضاء بسرعة لا يحتمل عقل بشري التفكير فيها، متجهاً مباشرة نحو صدر باي.

حبس شيطان القبضة أنفاسه. توقفت مروحة الحكيم تسوغه في الهواء منتصف الحركة. الحكيمة يان لم تتحرك، لكن أصابعها ابيضّت حول مقبض سيفها.

باي لم يتحرك خطوة واحدة.

يده اليمنى، الهادئة كمن يصبّ الشاي في صباح عادي، امتدّت خلف كتفه وسحبت كانغمينغ من غمده القماشي الخشن بحركة واحدة لا تحمل استعراضاً ولا تردداً. لم يكن النصل يلمع - لم يكن بحاجة لذلك؛ الصمت المطلق الذي يحمله كان أخطر من أي بريق.

في اللحظة التي لامست فيها الصاعقة حافة النصل، لم يحدث انفجار. لم يحدث دويّ يهزّ الجبل. حدث فقط... انقسام. تسعة الخيوط الذهبية، بكل قوتها القادرة على محو جبل بأكمله، انفصلت إلى تسعة أنصاف هادئة، مرّت على جانبي باي دون أن تلمس خصلة من شعره، واستمرّت في طريقها نحو الأفق حتى تلاشت في صمت السماء البعيدة.

لم يتحرك باي قيد أنملة أخرى. لم يتنفس بصوت أعلى. وقف كما كان، والنصل في يده لا يزال يحمل ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة الحقيقية.

"السيف لا يحتاج إلى عينٍ ليرى." قال أخيراً، وصوته لم يحمل انتصاراً، بل شيئاً أقرب إلى الأسى. "يحتاج فقط إلى روحٍ لا تغفل. وروحي، أيها الإمبراطور، لم تغفل منذ آلاف السنين."

لم يكن هذا أول عهدٍ يُخان في حياته الممتدة عبر قرون لا يُحصيها عدّ. لكنه كان أول عهدٍ يُخان بهذا الحجم، بهذا العدد من الأيدي التي صافحته يوماً وهي تخفي خنجراً خلف ظهرها. لم يشعر بالغضب - الغضب كان رفاهية تخلّى عنها منذ زمن طويل - بل بذلك الأسى الهادئ الذي يعرفه كل من عاش طويلاً بما يكفي ليرى الأصدقاء يتحوّلون إلى غرباء، والغرباء إلى أعداء، والوقت نفسه إلى الخصم الوحيد الذي لا يُقهر أبداً.

الصمت الذي أعقب كلماته كان أثقل من الصاعقة نفسها.

على وجه الإمبراطور، تحت القناع الذهبي من الهيبة والسلطة، ارتعشت عضلة واحدة صغيرة عند فكّه - ارتعاشة لم يرها أحد سوى باي، الذي سمعها في تغيّر إيقاع نَفَسه، في التسارع الطفيف لنبض قلبه.

خوف. الإمبراطور الذي يحكم تسعة محاكم كونية، الذي تنحني له مجرّات بأكملها، كان خائفاً.

"اقتلوه." أمر الإمبراطور، وصوته الآن فقد كل برود الحكم وكل وقار العرش، ولم يبقَ منه سوى صراخ رجل يرى شرعيته تتصدّع أمام هدوء رجل أعمى واحد. "كلّكم! الآن!"

انفجر شيطان القبضة ضاحكاً وهو يندفع للأمام، قبضته السوداء تشقّ الهواء قبل أن يتحرك جسده بالكامل، والصخر تحت قدميه يتفتّت إلى غبار مع كل خطوة. خلفه، رفعت الحكيمة يان سيفها أخيراً من غمده، وأومض نصل قمر الصقيع بضوء فضي بارد لم يكشف عمّا يختبئ خلف عينيها. الحكيم تسوغه حرّك مروحته في نمط جديد، وسبع نجوم وهمية بدأت تتشكّل حول القمة، معلّقة في الهواء كعيون صامتة تحصي كل حركة، تنسج شبكة لا مفرّ منها. وملك اللا قتل، من الظل، بدأ يذوب في الهواء كأنه لم يكن جسداً قط، بل مجرّد فكرة عن الموت تنتظر لحظتها لتتجسّد.

خمسة، في اللحظة ذاتها، تحركوا نحو رجل واحد يقف في مركز العالم، والنصل في يده لم يرتجف قيد أنملة.

لم يتراجع باي خطوة واحدة. لم يستعد وضعية دفاعية. وقف كما وقف منذ اللحظة الأولى - ساكناً، هادئاً، كصخرة تنتظر أن يتكسّر عليها بحر بأكمله.

فجر المعركة الحقيقية لم يكن قد بدأ بعد.

2026/08/25 · 3 مشاهدة · 1426 كلمة
Nova
نادي الروايات - 2026