"أخبريني.. أنت كائن عظيم على ما يبدو".
"أو ربما مجرد هلوسات أعاني منها قبل أن أستيقظ وأجد نفسي مستلقياً داخل الهرم، ولكن مهما يكن فقط أخبرني بشيء يريحني قبل أن أخرج من هذا المكان".
{هل تعتقد أنك سوف تخرج؟}.
"أجل".
لقد دخلتُ الهرم، فغالباً أنا لست ميتاً.
هناك ري، وأرثيل، والغرفة السرية، وخطط ذلك إيڤان الذي مات منذ زمن.
كل ذلك موجود لمنع موتي.
لذلك أنا أعلم.
حتى هذا العالم لن يسمح لي بالموت.
وأعلم أنني لا أهلوس.
"ربما تكون كائناً له علاقة بكل ما سلف".
"لكنني مللت وضجرت من هذه الأحداث التي لا يستوعبها المنطق".
كلما حاولت التكيف مع العالم، يرمي لي بمسار جديد.
بداية من وضع الإمبراطورية الذي أجبرني على مواجهة قوم من البشر فقط للنجاة بحياتي، ولكن قبل حتى أن أفعل ذلك تورطت في حدث الإنقاذ الغريب.
لكن مع ذلك تقبلت الأمر ومررت عليه.
ثم حدث بعد حدث، وقبل أن أستوعب وجدت نفسي مرمياً مثل القمامة داخل الهرم المقلوب، ليصفعني العالم بحقائق لست مستعداً لتلقيها.
"وفوق ذلك، هذا الآن.. لقد خرجت تواً من حدث القمر الأحمر، وإذا بأحداث تالية تقودني لهذا الوضع، ولم أكن لأظن أن ذلك شيء غريب حتى وجدت نفسي واقفاً أمامك".
"أخبرني... هل أنت الحارس؟".
{لماذا تظن ذلك؟}.
"أشعر بذلك".
مجرد افتراض، لا أعلم.
"لكن لو اتبعت فوضى هذا العالم فهذا هو الخيار الوحيد الذي يخطر على بالي، وحتى لو لم تكن أنت، فأرجوك تظاهر على الأقل بأنك أنت وأجبني على سؤالي، فقد وصلت لمرحلة لا أمتنع فيها حتى من خداع الآخرين لنفسي".
{افتراضك صحيح وهذه ليست خدعة}.
{وشعورك صحيح، فهذا من سلطة المفتاح}.
{وإدراكك لذلك الشعور وفهمه يثبت أنك الشخص الذي أراد ذلك الفتى الصغير أن يحضره}.
"لا أهتم، لم أعد أهتم، ما الذي تريده مني؟".
{لا أحتاج منك شيئاً، أنت بالفعل مقيد بقدر لن تستطيع التخلص منه، ومهما فعلت فسوف يسحبك ذلك القدر إلى مساره، ودوري هو مجرد تقديم دعم بسيط لك وأرى ما إن كان ذلك يستحق أو لا}.
"أنا لا أفهم... ماذا تعني؟".
{لا داعي لتفهم فما أنت إلا مجرد شخص آخر، وخياراتك واختياراتك هي ما سوف يرسم قدرك المقدر، لذلك جواب سؤالك ما إن كنت شخصاً مخيراً سوف يعتمد على نظرتك للعالم من الآن فصاعداً}.
"ما نوع الخيارات التي تتحدث عنها وليس أمامي سوى خيار واحد؟".
{الهرب دائماً خيار آخر}.
"وهل أستطيع؟".
{تستطيع ويمكنني مساعدتك في ذلك}.
"كيف؟".
{انظر حولك}.
في تلك اللحظة تغير الفضاء فجأة.
وقف راي فوق حافة الرصيف مثل جزيرة معزولة في قلب طوفان صاخب. أمام تعرج تقاطع الطرق، كانت أصوات محركات السيارات وهدير المدينة المتسارعة يملأ المدى، بينما بدأت ملامح العالم من حوله تتشكل.
ناطحات السحاب والمباني الضخمة تحجب الأفق، وفي الأسفل، يتدفق البشر في سباق محموم نحو أعمالهم بخطوات متسارعة ووجوه غارقة في الجدية.
ومن بينهم يقف راي وأصابعه الباردة على كوب قهوة بلاستيكي، يفتح عينيه ويترك الكوب يسقط قبل أن يبدأ نظره يتنقل حوله يراقب المشهد برعب.
"هذا... عالمي" تمتم، فتوقف أحد المارة وأشرقت عيناه باللون الذهبي.
{اختر الآن إجابة سؤالك}.
تحدث الرجل ثم اختفى الضوء من عينيه وأكمل طريقه، فشدت طفلة صغيرة قميص راي وأشارت:
{انسَ كل ما عشته وتابع حياتك في هذا المكان، ولن تعلم إن كان وهماً أو واقعاً، وعندما تحين لحظة موتك سوف أقتلك بنفسي حتى لا تعلم عن العالم الذي كنت به شيئاً}.
"تريد مني العيش داخل وهم؟".
توقفت فتاة أخرى بعد أن غادرت الصغيرة وأجابت: {ذلك، أو حاول التكيف مع الفوضى التي ظهرت بها، وحاول مع الآخرين إيجاد مسار مختلف}.
"هل تعتقدين أن هذا المكان هو جنتي التي أشتاق لها؟".
{يمكنني جعلها كذلك إن كان الهرب هو خيارك}.
لا.. لا.. لا، بالطبع لا!
ليس لدي أي ذرة اهتمام بالهرب.
ليس لدي أي رغبة في الشكوى من الوضع.
أنا لا أطلب أي شيء عدا الإجابات، ولا أريد أي شيء إلا الإجابات.
"ومن المستحيل أن أعيش بداخل وهم".
{هل تعتقد ذلك؟}.
توقف راي مرتجفاً بينما ابتسمت الفتاة وغادرت: "ماذا تقصد؟".
{ألست تظن نفسك من عالم آخر؟ فماذا لو أخبرتك أن ذلك ليس صحيحاً؟}.
"ماذا تقصد؟".
{أيها المسكين، أنت لم تدرك حتى ما سبب وجودك في هذا العالم}.
"توقف عن اللف والدوران أيها الحارس!" نظر راي حوله عندما توقف كل الحشد ينظرون إليه فتراجع دون وعي: "كل ما أردته هو سبب يجعلني أعمل على مساعدة هذا العالم!".
{هل تظن أنك الوحيد الذي يفكر بهذه الطريقة؟}.
"أعلم عن وجود العديد من الأشخاص يحاولون إنقاذ العالم".
{العالم الذي يحتاج إنقاذاً هو عالم على وشك الهلاك، وهذا العالم لا يحتاج لإنقاذ؛ هذا العالم قرر أنه يحتاج إلى وجود أشخاص مثلك، يلبون نداء شجرة العالم لإكمال دورته ليس إلا}.
{فأنقذ نفسك فقط، فهذا العالم لن يفنى بفناء من عليه}.
"كلامك متناقض أيها الحارس، تضحي بجسدك في كل دورة ويستدعي العالم أشخاصاً آخرين من أجل البحث عن حل يوقف الدورات وتقدم المساعدة بنفسك، والآن تقول إن مهما فعلت فهو لأجل نفسي!".
{لكل شخص مهمته}.
"وما هي مهمتي؟".
أعطني هدفاً واضحاً على الأقل أسعى إليه.
هل أجمع المكعبات مع الهرم المقلوب من أجل منع الدورة القادمة؟
هل أتبع خطة هذا الأخ الذي أتى لهذا العالم؟
فقط أعطني سبباً للعيش في هذا العالم.
سبباً يتخطى إنقاذ إمبراطورية من أجل المتعة.
سبباً يتخطى الرغبة في حماية فتاة بسبب دَين.
سبباً يتخطى الغرائز الفانية.
"أجبني أيها الحارس، ألست أنت أقوى شيء في هذا العالم؟".
{أجل}.
"إذن من فضلك، أعطني سبباً واحداً يستحق وجودي في هذا العالم، حتى لو كان سبباً سخيفاً مثل إنقاذه".
{لقد قابلت الكثير منكم ولكنك أول من يطرح علي هذا السؤال، ولا يبدو أنك تبحث عن معنى للحياة، ولكن لا يمكنني إعطاؤك سبباً تتحمل لأجله كل المعاناة}.
"إذاً ماذا تريد مني أن أفعل؟" عبس راي محدقاً في الحشد: "هل تريد مني العيش في هذا الوهم؟".
{يمكنني إعطاؤك هدفاً}.
"هدف؟".
{جد المكعب}.
"المكعبات؟" زاد عبوس راي: "هل ترغب مني بالسير على خطة شخص آخر؟ أبحث عن المكعبات وأستخدم الهرم المقلوب من أجل تحقيق ما سعى له إيفان؟".
{لا، بل جد المكعب الذي يعيد ضبط هذا العالم}.
{تلك المكعبات ليست سوى محاولة يائسة من ذلك الفتى للبحث عن الأصل، وذلك الهرم الذي سلمته له لا يختلف كثيراً عنه، لكن ربما يمكنك أن تفعل ذلك}.
اختفى الحشد والعالم، وعاد راي للوقوف فوق كيان عملاق ليستمر صوت الكيان بالتردد داخل عقله.
{جد المكعب الذي سعى إيفان من أجل إيجاده، فذلك الهرم وما قام بصنعه موجود من أجل تحقيق هذا الشيء}.
"إذاً ماذا يكون هذا الشيء؟".
{إنه نهاية لكل شيء، فلْتطمح للبحث عنه فهذا هو الهدف الذي أسعى إليه أنا أيضاً، ولا أمانع أن أشاركك فيه}.
"كيف يفترض بي أن أجد شيئاً لم تجده حتى أنت؟".
{لا يهم، فلْتُحاول، أليس هذا ما تريد؟}.
ابتسم راي وتنهد: "قد لا تكون المحاولة سيئة".
{أرى أنك تشعر بشعور أفضل}.
"قلت وقصدت أنني لم أنتقل لهذا العالم، فهل كنت تمزح معي في ذلك؟".
{منذ متى ونحن قريبان من بعضنا لنمازح بعضنا؟}.
"هل كنت أعيش داخل وهم إذاً؟".
{هل تريد معرفة الحقيقة؟}.
أومأ راي برأسه بتردد، فصمت الحارس حتى تحدث راي: "من فضلك".
_____________
نهاية الفصل
_____________
وهذا ما يشير له عنوان الرواية :)