​ليس بعيداً عن فرانكو، وقف فايل، أحد أصدقائه الذين رافقوه في اللعب داخل الملجأ، منزعجاً من شيء آخر وهو ينظر إلى الشاشة.

​"هل سوف يكون هذا الخطاب طويلاً مجدداً؟"

​على عكس الإمبراطور السابق الذي ألقى خطاباً مزعجاً بعد الشتاء الأسود، ذلك الخطاب الذي يتحدث عن خطط وخطط وأمل وكلمات من الصعب فهمها، وقد استمر الخطاب لثلاث ساعات مما جعل كل شخص يلعنه بصمت ذلك اليوم؛ فهل هذا الإمبراطور سوف يفعل شيئاً مختلفاً؟

​لقد ألقى هذا الإمبراطور خطابين من قبل؛ أول خطاب كان لحظة التتويج، وخلاله كرّر الكلمات الرسمية التي يكررها كل إمبراطور قبله لحظة التتويج، وأعقبها بعد ذلك ثلاث سنوات من الصمت حيث يُلقى مرسوم من القصر في الشوارع كطعام الطيور طلباً للأمل.

​ثم جاء خطابه الثاني بتغيرات غيرت ملامح الإمبراطورية.

​ثم هذا اليوم الذي يجب أن يكون يوم خطابه الثالث منذ أن اعتلى العرش.

​"لا بأس بأي شيء طالما ننتهي بسرعة"

​تنهد فايل وصادف أن بدأ البث أيضاً.

​"بدأ"

​تغيرت الشاشة.

​"أبي" نادت ميا مشيرة نحو الشاشة لحظة ظهور الإمبراطور، فأومأ فرانكو لها برأسه مؤكداً أنه الإمبراطور، وعندما عادت نظرة ميا إلى الشاشة، صادف أن وقعت عينها على تلك العيون الذهبية الباردة.

​شدت ملابس فرانكو، لكن ابتسامة صغيرة من صاحب تلك العيون كسرت ذلك البرود قبل أن يتحدث بصوت هادئ:

​[سلامٌ ينبعث من قلب العرش إلى كل نجمٍ يضيء سماء هذه الإمبراطورية... وتحيةُ إجلالٍ ومحبةٍ تليقُ بأبطالِها وأبنائِها الأوفياء]

​توقف راي للحظة بينما يتردد صدى صوته فوق صمت المدن في جميع أرجاء الإمبراطورية من خلال الأبواق السحرية التي ساهمت في تضخيم الصدى ليصل حتى إلى الغائبين والبعيدين عن الساحة.

​وأكمل مباشرة بعد المقدمة:

​[أيها الشعب الصامد...]

​[لقد مررنا جميعاً بشهرٍ لم يكن سهلاً على أحد.]

​[شهرٌ فقدت فيه هذه الأرض كثيراً من أبنائها، ورحلت فيه أسماء كانت تحلم بأن ترى الإمبراطورية في أيامٍ أفضل من هذه الأيام.]

​[مع ذلك لا أملك كلمات تعيد من رحلوا، ولا أملك وعداً يمحو ألم من ودّع عزيزاً.]

​[لكنني أرجو أن يرقدوا بسلام، وأن تبقى تضحياتهم سبباً يدفعنا إلى التقدم لا إلى التراجع.]

​[أما عنكم..]

​[يا من بقي واقفاً رغم البرد، ورغم الخوف، ورغم الجوع، ورغم الشكوك...]

​[فأنتم لم تحافظوا على حياتكم فقط، بل حافظتم على استمرار هذه الإمبراطورية.]

​[كل منزل ظل عامراً، وكل متجر فتح أبوابه، وكل جندي بقي في موقعه، وكل مزارع سوف يعود إلى أرضه، وكل عامل سوف يواصل عمله... فهو جزء من هذا الصمود.]

​[ولهذا أستغل هذه اللحظات لأعبر فيها عن شكري]

​توقف راي ووضع الورقة التي بيده ونظر إلى البلورة وأغلق عينيه للحظة، ثم فتح عينيه وتابع:

​[شكراً لكل من اختار الصمود حين كان الانهيار هو الخيار الأسهل، وشكراً لأبطال الشتاء ونجوم الشتاء الذين جسدوا روح هذا الشعب.]

​"فلورين فلورين!" نظر العديد من أهل قرية كالي إلى فلورين التي ابتسمت وأومأت برأسها.

​ونفس الوضع مع العديد من المدن الصغيرة حيث كان من السهل تمييز المقصودين بهذا الكلام.

​وتابع راي بعد توقف قصير:

​[وفي المقابل... لا أجد ما أقوله لمن جعل من محنة هذه الأرض فرصةً لمصلحته الشخصية.]

​[فمن غادر بحثاً عن النجاة... أتمنى أن يجدها.]

​[ومن اختلف معنا... فذلك حقه.]

​[أما من اختار أن يبني مستقبله على أنقاض وطنه، أو جعل من معاناة الناس وسيلةً لتحقيق مكسب، أو مد يده لمن أراد بهذه الإمبراطورية سوءاً...]

​[فقد اختار طريقاً مختلفاً عن طريقنا.]

​[وليَكُن الجميع على علم أن الإمبراطوريات لا تنهار لأن الشتاء كان قاسياً... بل تنهار عندما يصبح طمع الإنسان أقوى من انتمائه.]

​[ولأننا لا نريد أن يتكرر ما حدث...]

​[ولأن المستقبل لا يمكن أن يبنى بعقلية الماضي...]

​[فقد حان الوقت لنتحدث عن الطريق الذي ستسلكه هذه الإمبراطورية ابتداءً من هذا اليوم في التعامل مع هؤلاء الأشخاص.]

​[ولهذا... سأعلن الآن عن أهم القرارات والتغييرات التي ستشكل أساس المرحلة القادمة.]

​استرخى تعبير راي قليلاً ورفع الأوراق التي بيده قليلاً.

​وتحولت الأوراق بين يدي راي إلى ذرات من الضوء، وارتفعت ببطء حتى تجمعت فوق كفه على هيئة كرة مضيئة.

​ساد الصمت.

​حتى النبلاء الذين اعتادوا رؤية السحر لم يبعدوا أعينهم عنها.

​رفع راي يده قليلاً، فتشكلت خطوط قرمزية داخل الكرة، كأنها كلمات تبحث عن موضعها.

​ثم قال بهدوء:

​[كل إمبراطورية تقوم على ثلاثة أشياء...]

​[شعب يحميها، وتقاليد توحدها، وقوانين تحفظها.]

​توقفت الكرة عن الدوران.

​[فإذا ضاعت التقاليد، ضاع المجتمع.]

​بدأ الضوء يمتد في الهواء.

​[وإذا ضعفت القوانين، ضاعت الدولة.]

​انفجرت الكرة إلى آلاف الشرارات تصاعدت نحو السماء.

​[ولأن القوانين ليست كلمات تُكتب... بل إرادة تُورث، فسوف يولد دستور هذه الإمبراطورية اليوم من جديد]

​[دستور الهرم المقلوب.]

​راقب راي الأضواء تتصاعد نحو السماء بعد أن أعلن بهدوء، كما ظلت نظرة الجميع على تلك الأضواء دون وعي.

​وأغلق راي عينيه بصمت.

​وما هي إلا لحظات حتى وجد كل شخص ينظر إلى البث هالة قرمزية تغطي جسده داخل وخارج العاصمة وفي كل أرجاء الإمبراطورية.

​بغض النظر عن العرق أو المكان أو الخلفية؛ كل من يشاهد البث ومن لا يشاهده ومن حتى يعيش داخل المدن المحتلة.

​في تلك اللحظة انتبه الجميع إلى الهالة القرمزية التي غطت أجسادهم فجأة كأنها لهب يشتعل بهدوء.

​عندما نظر فرانكو لجسده أسرع بسرعة لينظر إلى ميا قبل أن يتملك جسده الرعب عندما وجد جسدها في نفس الحالة، وسط صرخات وتعجب من حوله؛ فقد كان الجميع مستغربين مما يحدث.

​ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.

​بدأت الهالة تنفصل عن أجسادهم لتشكل ريشة أمامهم ببطء، ريشة قرمزية تبرق بضوء اللهب الأحمر.

​وتحت أعين ميا الفضولية، بدأت الريشة في التحليق نحو القلعة، بينما على الحدود بدأ الريش بالتحليق نحو المجهول.

​وفي مدينة كالي وقفت فلورين منبهرة وهي تنظر إلى تلك الشهب القادمة من الغرب والمتجهة شمالاً ناحية العاصمة.

​لم يكن هناك غموض، فمن نظر إلى الشاشة كان يستطيع أن يرى ما يحدث.

​كل ذلك الريش يتبخر ليتخذ شكلاً آخر ويشكل كياناً من اللهب فوق العاصمة.

​لحظات تفتت فيها الريش وتحوّل إلى طاقة شكلت جسد العنقاء الأسطورية.

​ثم نمت أجنحتها الستة وزاد حجمها حتى غطى سماء العاصمة.

​"هذا..."

​فتحت العنقاء عيونها الذهبية ليسقط الرعب في قلب من يشاهد هذا المشهد، فاستعدت العنقاء ثم رفرفت عالياً في السماء تحدق بصمت ناحية حديقة القلعة الملكية.

​أفواه مفتوحة وعقول فارغة تحدق بها في ذهول.

​وصوت الكأس يقع من يد أحد النبلاء أعطى إشارة الهبوط.

​تحركت العنقاء.

​رفعت رأسها قليلاً ثم انحدرت ناحية القصر.

​كلما اقتربت من القلعة كلما نثرت ريشها في جميع أنحاء العاصمة لتنزل إحدى تلك الريشات على يد ميا وتتلاشى بهدوء.

​بينما أشرق جسد العنقاء حتى اختفت ملامحها.

​ونزلت بهدوء في هيئة كتاب أمام راي الذي كان مستعداً لإمساكه.

​وبصوت إغلاق الكتاب الذي تردد صداه في أرجاء الإمبراطورية... عادت أنفاس من يرى هذا العرض المهيب، وعاد راي للجلوس قبل أن يضع الكتاب أمامه بهدوء وينظر ناحية الحديقة بصمت منتظراً أن يسترد النبلاء تركيزهم قبل أن يتابع ببطء:

​[لا تنشغلوا بالشكل الذي وُلد به هذا الدستور.... فليس ما رأيتموه هو ما سيغير هذه الإمبراطورية...]

[وهيبة القانون لا تُقاس بالشكل الذي يولد به... بل بالعدل الذي يفرضه.]

​[وقد وُلد هذا الدستور ليحفظ كرامة الإنسان، ويصون هيبة الدولة، ويضمن بقاء القانون فوق الجميع...]

______________

نهاية الفصل

______________

2026/08/07 · 16 مشاهدة · 1088 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026