العاصمة، الساحة الجنوبية، قبل دقائق من بداية الخطاب بدأ الناس في التجمع بشكل سريالي مع ظهور الشاشة الفارغة فوق الساحة وهم منخرطون في مواضيع قد تستحق ولا تستحق النقاش.

​فمع نهاية الشتاء الأسود وفصل الشتاء فقد كانت بداية الشهر الجديد علامة على تجاوز المحنة وبداية صفحة سنة جديدة، وغالباً ما تكون الأعصاب متوترة بعد الخروج من الملاجئ ويكون الشعب أكثر نفوراً ناحية الأنباء السيئة، لذلك تتجنب حكومات الدول وكذلك الكنيسة عدم إحراج نفسها بزف أخباري سيتم تجاهلها.

​وهذه القاعدة التي كسرتها إمبراطورية لم تكن بدون تفكير، فقد تمت على ثلاث خطوات بقيادة ركن الروح.

بدأت الخطوة الأولى في نشر أدوات مثل الشطرنج والعديد من القصص لتخفيف الأعصاب وتشتيت عقل أثناء التواجد داخل الملاجئ.

ثم أتت الخطوة الثانية بمساعدة وزير الداخلية لرفع عدد الحراس داخل كل ملجأ من أجل زيادة الأمان، وذلك رغم أنه سبب مزيداً من الضغط على السكان في الأيام الأولى كما كان متوقعاً، لكن ما إن اعتادوا عليهم حتى بدأ إحساس الأمان يسكن القلوب المضطربة.

​ثم أتت الخطوة الثالثة، في لحظة الخروج من الملجأ حيث لم تتدفق أخبار سلبية أو إيجابية، بل أتت بطريقة تركت لمن يقرأها فرصة أن يقرر ما إن كانت الخبر إيجابيات أو سلبيات ثم يحكم عليه من منظوره الشخصي.

​وثم اختبار ذلك عبر الوحي

مع ظهور أخبار عن الوحي الذي عادة ما يبالغ الكاهن أثناء سرده كخبر عادي بين آلاف الشائعات أثبث رد الفعل الباهت الإختلاف في عقلية بعض ما بين قبل دخول الى ملجأ وبعد خروج منه

كما أنه وبسبب التدفق الهائل للمعلومات في الأيام السابقة أصبح الشعب أكثر انتقائية لنوع الأشياء التي يريدون سماعها.

​منهم مارك، الذي كان مهتماً في البداية بالتغيرات المستمرة قبل أن يفقد اهتمامه بعد أن أصبح عاجزاً عن متابعة جميع الصحف ومعرفة التغير في جميع الاتجاهات.

وهذا ما فتح بشكل طبيعي تصنيفاً شعبياً للأخبار الأكثر رواجا.

​وبعدها أصبحت الأخبار الشائعة في المقهى هي ما يلقى اهتمام العامة، بينما كل شخص مهتم بمجال معين أصبح يعلم كيف يصل للأخبار المتعلقة بمجاله.

​ورغم هذا التغير السريع في العقلية خلال الأيام السابقة، إلا أن الأغلبية العظمى عادت لتهتم بشيء واحد منذ صباح هذا اليوم الغائم.

​خطاب الإمبراطور الشاب الذي اعتلى العرش قبل ثلاث سنوات، وأول قرار اتخذه كان الزواج من ابنة الدوق المكروهة، ثم دون أي جديد، سار على خطى أسلافه في الأخذ منهم ثم إصدار مرسوم لتهدئتهم.

​وظل الوضع لمدة ثلاث سنوات قبل أن يتغير كل شيء قبل بضعة أشهر مع اقتراب القمر الأحمر.

​في ذلك اليوم وداخل المكتب عمته الفوضى، وبين جبل من الأوراق خاطب الشعب دون تعالي ما منحه بعض الاحترام، لكن كل ما قدمه في الخطاب هو مزيد من الكلام على طبق جديد.

​وقد فكر العديد من الأشخاص في نفس الشيء ذلك اليوم.

​لقد أصبحت هذه الوعود مملة لدرجة أنه أصبح من السخيف حتى الاعتراض عليها.

​لم يعد هناك حتى حماس للثورة ضد هذه الأشياء، ومع نزول الفرسان قبل ذلك والتخلص من أغلب المحرضين ظلت المدن هادئة حتى بعد البث، وسرعان ما بدأ شيء ما يتغير ببطء.

​مثل بداية عاصفة تستعد لضرب إمبراطورية، لقد بدأت من البث وظلت هادئة بشكل مريب قبل أن تبدأ بالتحرك مع إعلان الاجتماع الإمبراطوري لمناقشة التغيرات.

​ورغم أن الأغلبية ظلت متشككة، لكن القرارات التالية أكدت اقتراب العاصفة بشكل لا يدع مجالاً للشك، وتأكد ذلك خلال هذا الشهر الذي فاضت عليهم الأخبار حتى أصبح من الصعب نقدها.

​ورغم كل هذه الفوضى فقد تأكد شيء وحيد.

​الإمبراطور قد تغير أو ربما بدأ يتحرك بعد أن كان يخطط على مدار ثلاث سنوات، وتدريجياً تم توجيه ذلك الغضب المكبوت إلى الخائنين الذين وقفوا في وجه الإمبراطور الذي كان من الممكن أن يطبق أفكاره قبل ثلاث سنوات، وعلى رأسهم كان الدوق الذي أصبح مهزلة بين العامة ولم تسلم عائلته من النقد، إلا أن ذلك النقد تخطى مورغانا بصمت وظلت الأعين تراقب بهدوء ظهور زلة منها.

​في نفس الوقت لم يخيب الإمبراطور الظن حتى الآن، وكما هو واضح فقد بدأ يعمل حقاً لإعادة هيبة هذه الإمبراطورية، ومع ظهور العملة الجديدة التي تمثل بفخر إمبراطوري زاد رضا العديد من الفئات بقرار الإمبراطور، بينما عارضت فئات أخرى.

​لكن حتى فئة المعارضين لا تزال تعارض بعقلية:

​لا بد أن هناك سبباً لذلك.

​لا بد أن ذلك من أجل الإمبراطورية.

​لا بد أن هناك حاجة لذلك.

​وبمثل هذه العقلية المتعاونة كان إيجاد سبب لقبول أي تغير يؤثر على الحياة اليومية مباشرة له الأولوية قبل المعارضة بسبب السلبيات الواضحة،

وبسبب ذلك في اللحظة التي صدر بها قرار العملة الجديدة لم تكن أصوات المعارضة هي أول صوت مسموع، بل كانت أصوات الإشادة على نقوش العملة الجديدة وعلى التقسيم، وبعدها فقط تم النظر في السلبيات قبل أن تبدأ المعارضة تظهر بعدم الموافقة على التجارة بها خصوصاً بسبب قلتها في السوق.

​ولم تكن لذلك فائدة عندما تدخلت الخزينة الإمبراطورية لتستنزف نفسها من أجل إعادة استقرار السوق، وقد لاحظ بعض التجار الباحثين عن الربح فقط هذا التغير وإمكانية استغلال العملة الجديدة نفسها للحصول على ربح، وذلك عبر جمع عملة قديمة ببيع سلع بثمن عالٍ، ثم تحويل عملة قديمة بجديدة من خلال البنوك، ثم شراء سلع من دولة بعملة جديدة وتكرار العملية.

​وبقدر ما كان ذلك يسبب ضرراً لخزينة الإمبراطورية، فقد كان يدعم خطة تعميم العملة وسحب العملة القديمة من السوق، وبقدر ما أراد آخرون استغلال فارق السعر بين العملة القديمة والجديدة بقدر ما بحثوا عن مزيد من الطرق من أجل ذلك، وذلك كان يدعم الهدف الأول ونظام الإمبراطورية.

​ومع تسلسل الأحداث كانت هذه الفوضى تحمل ملامح النظام الذي على وشك أن يولد، وتحت تحركات ركن الروح تم وبدون سابق إنذار، وقبل خمسة أيام من الخطاب الذي ينتظره الجميع، ظهر خبر ذكّر الآخرين بإشاعات تم نسيانها.

​مملكة جورد وبدعم الكنيسة تريد إنقاذ شعب الإمبراطورية من اللعنة.

​لعنة ماذا ومملكة جورد ماذا؟

​كان أمراً محيراً خصوصاً فعلى عكس اعتقاد رأي وظن مورغانا فقد نسيت أغلب المدن حقيقة أن هناك مملكة تغزو الإمبراطورية.

​ورد الفعل الأول لمن لاحظ الخبر هو: من أين أتى هؤلاء المهرجون؟ فقد بدا أن الوضع يسير في مساره الأفضل.

​لكن عدم رد الإمبراطورية عليهم جعل العامة يتبعون القرار بشكل عرضي، فقد أخذوا الخبر، ثم وضعوه جانباً وأكملوا أعمالهم بهدوء.

​لكن في اليوم التالي ظهرت مزيد من الحقائق على أفغال مملكة جورد، وما ظنت مورغانا أنه سوف يأخذ وقتاً حدث على الفور، فقد تجاهل البعض الخبر عندما ظهر، لكن رد الفعل الثاني كان انزعاجاً واضحاً من طرف آخر وعدم وجود رد من الحكومة تحت الخبر يعلمهم أن لا داعي للقلق.

​وزاد هذا الانزعاج يوماً بعد يوم، ثم كان رد الفعل الطبيعي هو التساؤل ما إن كان سوف يرد الإمبراطور عن ذلك أثناء الخطاب.

​لا يعلم من بدأ هذا الاستنتاج لكنه انتشر، واليوم وصل يوم الخطاب وفئة تنتظر الرد على أفعال مملكة جورد، وفئة ليس من همها ذلك، بينما فئة مرعوبة من فكرة الحرب، وفئة متحمسة لذلك ظناً أن الإمبراطورية تعافت وتستطيع طرد الطفيلي بسهولة معتمدين على حقيقة أن تلك المملكة لم تكن في الماضي سوى مملكة تابعة وخاضعة لحكم الإمبراطورية.

​حتى الصغيرة ميا التي رافقت فرانكو كانت مهتمة مثل العديد من البالغين بمعرفة ما إن كان الخطاب سوف يذكر تلك الوحوش التي ظهرت في اساطير وقصص الصحف غير الرسمية.

​بينما صُبَّ تركيز فرانكو نفسه على معرفة ما إن كانت هناك حرب سوف تقوم خاشياً أن يجبر على المشاركة فيها وتَرْكِ ميا خلفه، وخائفاً من أن يحدث له شيء وليس هناك من يكفل ميا غيره.

​حتى لو اعتنت بها زوجة صديقه فماذا بعد؟

​كان هناك الكثير من المخاوف ووقت قصير من أجل التفكير.

__________

نهاية الفصل

__________

2026/08/07 · 14 مشاهدة · 1169 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026