ساد صمتٌ قصير قبل ذلك، لكن ذلك الصمت كان كافياً ليشعر جوليان وسيدريك بمرارة الفجوة بينهما وبين الناجحين، قبل أن يكسر راي الصمت بصوت التصفيق المفاجئ وكانت تلك إشارة واضحة تلاها فوراً تصفيق مارتس وإلينا ومورغانا وري، ثم انضم البقية تدريجياً حتى ضجت القاعة.
لم يكن مجرد تصفيق بروتوكولي، بل لم يكن حتى جزءاً من البروتوكول، لكنه كان اعترافاً بقيمة أفعال جيرين،
وقد وقف سيلاس جرين وسط هذا الضجيج المهيب، وانحنى بجسده المتعب أمام راي ثم أمام البقية شكراً لهم، وعيناه تلمعان بتأثرٍ لم يستطع إخفاءه؛ فلم يسبق في تاريخ الإمبراطورية أن صفق إمبراطور ونبلاء ووزراء لرجلٍ يغرس البذور في الطين.
بعد أن خمد صدى التصفيق تدريجياً، عاد السكون ليخيم على القاعة من جديد، لكنه لم يكن صمتاً فارغاً، بل كان صمتاً ثقيلاً بالمسؤولية. جلس سيلاس جرين في مقعده محاولاً استجماع وقاره، بينما كان الوزراء الآخرون يتبادلون نظرات صامتة؛ البعض يحمل بريق طموح جديد، والبعض الآخر يغالب إحساساً بالتقصير.
وسط هذا الهدوء، وضع راي يديه متشابكتين فوق الطاولة، وتغيرت ملامحه من الرضا الهادئ إلى صرامة حادة، وكأن الاحتفال قد انتهى بمجرد توقف آخر كف عن التصفيق. التفت ببطء نحو الجانب، ونظر مباشرة إلى إلياس وايز:
"رغم أنني لا أريد إفساد الجو لكن يا وزير التعليم، أريد سؤالك شيئاً واحداً فقط، ما الذي فعلته خلال هذه الأشهر السابقة؟"
"بالعودة إلى جلالتك،" وقف وايز وارتجف قلبه عندما سمع نبرة راي، لقد كان يعتقد أنه يقوم بعمل جيد، فلماذا يسأل إمبراطور بهذا الأسلوب؟
على أي حال رتب كلماته بسرعة وتحدث متوتراً: "لقد بدأنا في وضع مناهج من أجل محو الأمية وفتح مدارس مع حلول الربيع، وذلك بعد أن ركزنا على إعادة تأهيل الموظفين القدامى، وجميع أقسام الوزارة مستعدة للعمل."
"نعم، عمل جيد، لقد أخبرتك أن تفعل شيئاً وقمت به كما أخبرتك تماماً، لم تضف أي شيء، لم تغير أي شيء. الوزير وايز، هل عينت شخصاً أم دمية؟"
"هل ارتكبت خطأ يا جلالتك؟"
"انظر بنفسك." مرر راي مجموعة أكبر من الأوراق إلى مورغانا وتوجهت الأوراق من يد إلى أخرى حتى وصلت إلى إلياس: "كل هذه أوراق بمشاكل أغفلتها، والأسوأ أنك أردت التحكم في كل شيء لدرجة أنك لم ترَ حتى هذه الأخطاء التافهة، لقد قدمت لك مساراً فقط لكنك لم تتقدم خطوة واحدة، من بين جميع الحاضرين، بدأت أراك الأقل جدارة في الجلوس في ذلك المنصب."
امتلاك الملف الذهبي لم يكن أبداً حلاً لكل شيء.
فلو كان الملف الذهبي يقدم شكل وطبيعة السيارة فعملية صنعها تتطلب عقل مهندس يستطيع التفكير في جميع السلبيات والتعامل معها قبل أن تظهر.
لكن أن تسير على ملف وتصنع سيارة من ورق وتعتقد أن الأمر انتهى كانت أسوأ غلطة ارتكبها إلياس بعد أن حاول السيطرة على كل شيء بما في ذلك مرؤوسوه مستغلاً منصبه؛ مما ترك راي عاجزاً وهو يقرأ التقرير.
هل عين حقاً شخصاً يريد أن يفعل ما عليه أن يفعل بأقل مجهود ممكن مع تقييد كل من يعمل تحته؟
ارتجف إلياس ثم أنزل عينيه يريد أن ينظر إلى الوثائق، لكن خفق قلبه عندما تنهد راي مجدداً: "اجلس يا وايز، المشاكل التي أغفلت عنها في يدك، اعتبر أنك خسرت فرصة من الفرص الثلاث التي يمكنني أن أمنحها لك، لا تخيب ظني مجدداً."
"أعتذر جلالتك."
انحنى إلياس لكنه لا يزال لا يدرك الخطأ الذي ارتكبه، لا يعلم أنه أسس هيكلة لا يمكنها أن تحمل أي شيء، لو بدأت تروس وزارة التعليم في العمل فسوف تنهار على الفور بسبب سيطرة إلياس كطاغية على جميع الأقسام، وما خيب أمل راي أكثر أن نظرة إلياس بينما يعتذر كانت تكشف أفكاره.
أفكار شخص لا يدرك خطأه بعد.
تنهد مجدداً ولم يقل شيئاً، لكن الجو داخل القاعة عاد إلى الحضيض مجدداً، حتى إن البعض شعر بشفقة على إلياس، فلا يبدو أن الإمبراطور الجديد قاسٍ،
مسيطر لكن ليس قاسياً ولا يتردد في كسر البرود والابتسام عندما يرغب بذلك، لكن عندما يقول إنه خاب ظنه فذلك ينقل إحساساً يشبه الغرق للمخاطَب،
حتى الدوق نفسه لم يرد سماعها، لكن نبرة راي لم تتغير عندما نادى على وزيرة الصحة:
"وزيرة الصحة." ارتجفت ليلى وقامت، ثم تحدث راي بصوت هادئ: "هل تنتظرين نزول وحي أو وصول الربيع لأن كلاهما قد حضرا؟"
"جلالتك، أعترف أن هناك نقصاً من ناحيتي، لكن بسبب الميزانية لا يمكنني فعل الكثير."
"لا أريد أعذاراً، سوف أضاعف ميزانية وزارتكِ ثلاث مرات، هل هذا يكفي؟"
تفاجأت ليلى ورفعت رأسها مرتبكة ثم أومأت برأسها عدة مرات.
"سوف أتغاضى عن تقدمكِ المتأخر بما أن النظام القديم كان يعتمد على الكنيسة في الشفاء والعلاج، وبما أنكِ تبدئين النظام من الصفر تقريباً فسوف أكون متسامحاً، لكن الاتجاه الذي تسلكينه ليس هو الاتجاه الذي أخطط للذهاب إليه، أنا أعيد إرشادكِ هذه المرة لكن لن تكون هناك مرة أخرى، اجمعي شتات نفسكِ."
"أعتذر منك جلالتك."
مرر راي أوراقاً إلى ري من أجل تمريرها حتى تصل إلى ليلى لكن أصبح الجو في القاعة أسوأ مما كان عليه، رغم أن التعليق هذه المرة لم يكن قاسياً.
تنهد راي مجدداً ونظر إلى الأوراق كما لو كان معلماً ينظر إلى أوراق اختبار ويعلن نتيجة كل شخص؛ لكن هنا، كانت كل ورقة تعكس واقعاً تعيشه الإمبراطورية حالياً. فحتى أثناء الاجتماع، كانت أقسام وزارة الصحة تعمل على توزيع المؤن والخدمات في العديد من المدن، مما أظهر أن الوزيرة لم تكن تتكاسل تماماً.
مع ذلك... لم يشعر أبداً بارتياح وهو ينظر إلى هذا التقرير.
ثم توجهت نظرة راي إلى مكان ليس ببعيد، نحو وزير الصناعة ودوق الجنوب، ولم تتغير نبرته؛ لم ينظر إليه بنظرة تضعه في مكانة أعلى من باقي الوزراء، بل تحدث بهدوء مع فيكتور آيرون:
"وزير الصناعة، أريد أن أقول إنك تحسن العمل، لكن لا يبدو أنك تفعل هذا من أجل الإمبراطورية، هل من الممكن أن أكون مخطئاً؟" توقف راي قليلاً ثم تابع قبل أن ينطق فيكتور بكلمة: "أنا لا أشك في ولائك، ولكن هل يجب أن تعتمد الإمبراطورية كاملةً على 'مزاجك' الخاص عندما نطلب شيئاً من وزارتك؟"
رد فيكتور بصوت ثابت بعد أن قام، وبدا من صوته أنه غير راضٍ عن تعليق راي: "من فضلك جلالتك، أخبرني أين أخطأت؟"
أجاب راي بهدوء: "دعنا نبدأ بالإنتاج الكمي؛ كل النماذج الأولية يتم تصنيعها حصراً على أراضي دوقية الجنوب. ثم استخراج الموارد؛ لا يتم الإشراف عليه حالياً إلا على مناجم الجنوب، وتأمين المعادن والبلورات السحرية يتم فقط عن طريق شعب أراضيك."
توقف راي قليلاً يتفقد الأوراق في يده وتابع: "الإشراف على المناجم، وتأمين الخام الذي يعد وقوداً للصناعة والسحر، وتطوير الحرفيين.. كل هذه مهام وُكِّلت إليك، لكنني لا أرى هنا إلا تقارير تخص الجنوب فقط. برأيك، ما الخطأ في هذا؟"
أمسك فيكتور ذقنه يفكر قليلاً قبل أن يجيب: "أدرك قصد جلالتك، يبدو الأمر كما لو أنني أستخدم منصبي لمصلحة الجنوب فقط،"
تحدث فيكتور بشفافية ليظهر صدق نواياه، لا يهم إن شك الإمبراطور في نواياه لأنه توقع ذلك، لكن حالياً لم يرغب أن يتلقى قدحاً بعد كل العمل الذي قام به.
"اعذرني جلالتك، لقد اخترت البدء من الجنوب لأنني على علم بكل تضاريس تلك الأراضي وإمكانية استخدام سلطتي بشكل مكتمل هنا، ثم قررت نشر الجذور في باقي أراضي الإمبراطورية فور أن يصبح النظام أقوى وتُفتح الطرق. لم أحاول إخفاء شيء عنك، كنت أعمل بشفافية وفي يد جلالتك التقارير واضحة."
عبر فيكتور عن نواياه بقوة، كاسراً الحواجز بوقار شخص يملك خبرة طويلة في المناصب الكبرى.
نظر راي إلى فيكتور الذي كان يطلق هالة قوية تكشف عن إرادته الصلبة، فابتسم بهدوء ورمى كلمة كسرت تلك الهالة تماماً:
"هل أنت قائد مقاطعة، أم وزير إمبراطورية؟"
___________
نهاية الفصل
___________
الفصل 200:)
ما توقعت أن تطول الرواية لهذه الدرجة لكن شكرا لكل من شجعنا بتعليق وسوف نستمر إن شاء الله حتى نهاية