​طرح راي السؤال بهدوء، لكن بعدها توقفت الأنفاس وساد صمتٌ مطبق في أرجاء القاعة الواسعة.

​وكان السؤال يملك ذلك الثقل الذي جعل الأنفاس تتوقف للحظة.

​نظر فيكتور إلى الإمبراطور، وكان فيكتور رجلاً قضى عقوداً في مناصب الحكم، واعتاد أن يُحترم رأيه ويُهاب جانبه، لكنه في تلك اللحظة شعر أن سُلطته كـ "دوق" قد اصطدمت بمسؤوليته كـ "وزير".

​تلاشت الهالة الواثقة التي كان يتفاخر بها فيكتور؛ لم يكن ذلك خوفاً بل إدراكاً وانبهاراً بوضوح الرؤية التي طرحها راي.

لقد أدرك أن إخلاصه لجنوبه، رغم صدقه، كان يمنعه من رؤية الصورة الأكبر للدولة، لكنه لم يعلم الآن كيف يجب أن يتصرف، فتحدث راي أولاً وطلب منه الجلوس بهدوء:

​"تفضل بالجلوس، لا تحتاج للإجابة على السؤال، فقط فكر فيه، أما ولاؤك فأنا لا أشك فيه، لقد عملت بجد وجميع طلبات الإمبراطورية من أجل إنتاج آلة طباعة قد تمت، ومهمة خزنة بنك مركزي تسير بشكل جيد حسب التقرير، وكل ذلك بفضل توجيهك، لذلك سيتم زيادة ميزانية وزارتك" توقف راي ومرر أوراقاً إلى ري "هذه الأوراق هي وثائق طلبتَ المصادقة عليها راجعها لاحقاً."

​مرر ري الأوراق إلى الدوق الذي يقف قربه بهدوء، تردد الدوق وأمسك الأوراق لكن لم يعد هناك شيء يمكن أن يُقال من أجل الدفاع عن نفسه، لقد كسر راي أي طريق لظهور الأعذار هنا، من يرتكب خطأ يتحمل مسؤوليته،

​وتابع راي بنفس النبرة موجهاً كلامه للجميع "أتفهم الضغط الذي عليكم وأفهم أنه رغم الشتاء الذي قطع الطرق والضغط المالي وحالة الإمبراطورية السابقة، فإن تقدمنا مثيرٌ للإعجاب لكن ... "

​"لا تغتروا، قد يكون التقدم جيداً لو أننا نبني هذا النظام من الصفر، لكن هل نسي الجميع أننا نستخدم النظام السابق أساساً لهذا النظام؟" توقف راي ونظر إلى الأوراق التي جلبها معه وتابع: "صحيح أن الشتاء عزلنا عن المدن الأخرى ومنع الجذور من النمو، لكنه قد قدم حماية لنا من أعداء ووقتاً نستطيع فيه أن نلتقط أنفاسنا، ولكن حتى الآن لا يمكنني أن ألمح حتى جوهر النظام الجديد في العاصمة التي تجمعكم جميعاً"

​"كل شيء فوضوي وقد بدأ فصل الربيع، فهل لكم الجرأة في اعتقاد أن الحالة ستستمر كما كانت؟" سأل راي وتابع دون انتظار جواب "أو عليّ تذكيركم بما تفعله مملكة جورد على الحدود أو ما تريد أن تفعله الكنيسة؟ فليس من الحاضرين من هو غبي ليعتقد أننا سوف نستعيد قوتنا دون وجود اعتراضات وضغط خارجي"

​"أنا لم أختر هذا النوع من الأغبياء لإمساك هذه المناصب، لذلك ما أطلبه منكم هو أن تكونوا أكثر جرأة في أفعالكم وفي تنفيذ أفكاركم كما فعل وزير الزراعة ووزير المالية وكما يفعل جميع المسؤولين عن الأركان"

​نظر راي إلى ماركوس وسأله "هل تفهم كلامي يا ماركوس؟"

​"عفواً؟"

​"أخبرني، أين وصل تقدمك؟ قد أتفهم تأخر عمليات التسليح والتموين بسبب نقص الميزانية، ولكن بعد أن تم تنظيم جميع الأقسام، لمَ لا أرى أي أثر لعمليات التجنيد وتطوير التدريبات؟ كما أنني لا أرى أنك وضعت أي خطط للدفاع عن الحدود مستقبلاً."

​أجاب ماركوس مدافعاً عن نفسه بتردد: "جلالتك، بسبب انشغالي بتنظيم الأقسام قررت تأجيل عمليات التجنيد حالياً. أما بخصوص كتب التدريب العسكري، فهي لا تزال كما هي؛ وبفضل كفاءتها العالية، لم أعتقد أنها بحاجة لتحسين. أما القسم الاستراتيجي، فقد بدأت بالفعل بالعمل عليه، وسأقدم تقريراً لجلالتكم في الأيام القادمة."

​لم ينظر راي إلى ماركوس وهو يتحدث، بل ظل يقلب الأوراق في يده: "وهل يجب أن تهتم أنت بكل شيء؟ ما الهدف من وجود فريق تنسيق وأقسام تحت سلطتك إذاً؟"

​أراد ماركوس أن يجيب، وشعر بمدى جرأة ما سيقوله، لكنه خاطر قائلاً: "عفواً جلالتك، لكننا بالكاد تمكنا من الربط بين الأقسام الجديدة بسبب ضيق الوقت. يبقى هذا النظام جديداً على الجميع، وأنا نفسي ما زلت أواجه مشكلة في فهم جميع خيوطه."

​سأله راي ببرود: "هل تخبرني بعدم كفاءتك بهذا؟"

​"عفواً.. لم أقصد ذلك،" تمتم ماركوس بارتباك.

​تنهد راي وأخذ بعض الأوراق ومررها نحو ماركوس: "خُذ.. أنا لم أقل أبداً أن عليك الإمساك بكل الخيوط بنفسك. لقد سلمتُك جزءاً من سلطتي، وبدورك، سلّم جزءاً من هذه السلطة لقادة الفرق. امنح الجميع مزيداً من الحرية. ولا تذكر عذراً تافهاً مثل أن النظام جديد، فوزارة الدفاع هي وزارة كانت موجودة قبل حتى أن تولد ولم يُطلب منك سوى إعادة هيكلتها"

​"هنا بعض النقاط التي ستساعدك، وفي المرة القادمة لا تقدم لي تقريراً يشرح 'كيف تتعامل مع المشاكل'، بل أريد نتائج تُظهر 'كيف يتعامل مرؤوسوك مع المشاكل تحت قيادتك'."

​أخذ ري الأوراق من راي ثم مررها للدوق، وبدوره مررها للشخص بجانبه حتى وصلت لماركوس الذي ظل عاجزاً عن الرد. وقبل أن يستوعب أحد ما حدث، انتقل راي للوزير التالي منادياً بصوت هادئ:

​وزير النقل والمواصلات سويفت رانر.

​"وزير النقل." وقف سويفت رانر بسرعة أظهرت توتره، لكن نبرة راي كانت أخف هذه المرة:

​"لقد أحسنتَ صنعاً في إعادة الاتصال مع المدن الأخرى عبر بوابات النقل، بفضلك عادت عجلة البريد للدوران أيضاً. وأرى أن جميع أقسامك جاهزة للانتقال للمرحلة الثانية. لكن كن حذراً من المشاكل الصغيرة التي تبدأ من الموظفين الصغار؛ لا تتركها تنمو، ولا تحاول إخفاءها بالحيل فهذا واضح جداً."

​"أمرك جلالتك."

​"سيتم زيادة ميزانية وزارتك وفصل وزارة الخارجية عن قسمك، وهناك مكافأة للسحرة الذين يعملون تحت قيادتك، كما لديك مهمة استبدال بوابات النقل القديمة بالإصدار الجديد لتقليل الاستهلاك. فركز على ذلك حالياً لكن لا تهمل مسؤولياتك الأخرى."

​"أمرك"

​سلم راي الأوراق لمورغانا التي مررتها لسويفت. انحنى الأخير ببطء وصدق وجلس، ليتجه نظر الجميع نحو الوزير الأخير، آرثر ستون (وزير الأشغال). كان متوتراً، فهو لم يكن سوى "بارون" قبل نيله هذا المنصب الرفيع.

​"وزير الأشغال،" نادى راي بهدوء. وقف آرثر برد فعل قوي وسريع لدرجة أنها خففت حدة الجو في القاعة.

​"اهدأ... لقد أبليتَ بلاءً حسناً. عيبك الوحيد هو التزامك المفرط بالعادات القديمة؛ أصلح تلك العادة. لستَ جاهزاً بعد للمرحلة الثانية، لكن استمر في عملك، وستجد في هذه الأوراق ما يساعدك على مدّ جذورك."

​مرر راي الأوراق، وأعلن عن رفع ميزانية الأشغال لتسريع بناء مقر "حراس الإمبراطورية".

​توقف راي قليلاً. لم يكن يختار الوزراء بالترتيب، بل حسب ملفاتهم. والآن، جاء دور الأركان، وكان الاسم الأول هو ري.

​"يبدو أنه دورك، أركنوس فينتوري (ري). لقد ساهمت في بناء 'ركن الاستخبارات'، ثم انتقلت لبناء 'ركن الخارجية' بعد النجاح في إعادة هيكلة وزارة الخارجية رغم ضيق الوقت، غير أن تقدمك هو الأعلى، واستخدامك للموارد المتاحة لسد الثغرات هو الأكثر كفاءة"

​رد ري بصوت هادئ: [أتبع أوامر جلالتك فقط].

​تابع راي مشيراً لنقطة جوهرية: "لكنك حالياً تقوم بالعديد من الأدوار في نفس الوقت، عليك أن تبدأ في البحث عن مرشحين لهذه المناصب."

​أومأ ري بهدوء وأدرك الجميع الحقيقة المرة، فوزارة الخارجية كانت بلا وزير بعد تطهير النظام القديم، وبسبب غياب الكفاءات، اضطر ري لإعادة هيكلة الوزارة بنفسه في وقت قياسي لتتمكن من التعامل مع صفقة مع مملكة الأقزام، ورغم أن سويفت رانر قد ساعده في التنسيق اللوجستي، إلا أنه لا أحد يخفى عليه دور ري الكبير وتوجيهاته الدقيقة التي تمكنت من إعادة تنشيط هذا القسم بأقل جهد ممكن.

​في تلك اللحظة، شعر الوزراء بفجوة هائلة. نظروا إلى ري كأنه "وحش" إداري يتقدم بلا توقف. لم يكن مجرد مستشار، بل مهندسٌ أعاد هيكلة وزارات وأركان في قلب شتاء "القمر الأحمر". حتى وزير الزراعة الذي كان الأكثر فخراً في القاعة حتى الآن شعر بضغط أمام حضور ري.

​أفسد هذا الإدراك مزاج الوزراء؛ فالمقارنة مع "ري" لم تكن عادلة، وجعلتهم يشعرون أنهم بالكاد يزحفون بينما هو يطير. أن ينهي إعادة هيكلة وزارة كاملة ويدمجها في النظام الجديد، ويساهم في بناء ركنين سياديين، كل ذلك بالتزامن مع عمله اليومي بجانب الإمبراطور.

__________

نهاية الفصل

__________

2026/08/11 · 8 مشاهدة · 1162 كلمة
Ryuzaki
نادي الروايات - 2026