كلما فكر شخص ما بمساهمات ري كلما بدأ البعض يشك في كونه بشراً حقاً! وزادت خلفيته الغامضة من قوة هذا الظن، لكنهم رغم ذلك صفقوا جميعاً تقديراً لجهوده الجبارة بعد أن أخذ راي المبادرة بتصفيق.
لكن "ري" نطق بما جعل البعض يرغب في النهوض وضربه من شدة القهر، أعلن بهدوء:
[في الواقع لقد وجدتُ مرشحين بالفعل يا جلالتك، وأنا أعمل على تدريبهم الآن. سأوافيك بمعلوماتهم لاحقاً، وأطلب فقط زيادة في الميزانية ورفع رواتب الموظفين في وزارة الخارجية حتى تتمكن من التقدم باستقرار.]
أومأ راي وهو يجيب "عمل جيد، حاول جلبهم بشكل أسرع لكي تتفرغ لما تتخصص به حقاً."
عبس الوزراء، وحتى الأركان، بل ومورغانا نفسها؛ هل بعد كل هذا ويقول إن كل ما فعله ري ليس حتى تخصصه الحقيقي؟
بتفكير في الأمر... الواقع أقسى من هذه الكلمات فأشهر مهندس سحري حالياً في إمبراطورية لم يكن غير ذلك الوحش ذو العيون القرمزية.
لكن راي كان يشير إلى الحقيقة بلا رحمة. كان يعلم أن ري يدرب هؤلاء المرشحين داخل "الفضاء الافتراضي"، حيث يخضعون لسيناريوهات مكثفة.
حتى "مارتس" خضع للأمر ذاته، وظنوا جميعاً أنه مجرد سحر وهمي، لكن الحقيقة أن ري كان يختصر الوقت بفضل قدرة الفضاء الافتراضي على تسريع تدفق الزمن.
ولولا طلب راي منه توفير الطاقة من أجل المراسم، لظهر الوزير الحادي عشر وآمر ركن الاستخبارات في اجتماع اليوم.
كان راي قد تعمد جلب الوزراء لهذا الاجتماع ليدركوا جميعاً الفجوة الهائلة بين مرتبة "الوزير" ومرتبة "آمر الركن". لكن ري وحده ليس كافياً من أجل غرس هذا الإدراك
ومرَّ راي مجموعة من الأوراق إلى ري وقال: "بالنسبة لزيادة الرواتب ورفع الميزانية، سنراجع ذلك لاحقاً. على أي حال، أحسنتَ صنعاً حتى الآن."
[شكراً جلالتك].
ابتسم راي بهدوء ونظر إلى مجموعة الأوراق التالية، حيث برز اسمٌ آخر: مارتس فلون.
"عمود الأمن والاستخبارات، مارتس فلون.. تقدمك مثير للإعجاب حقاً منذ لحظة استلامك لقيادة هذا الركن. وصحيح أن ري ساعدك في بناء الركن الثالث في الداية، إلا أن الفضل يعود إليك في نشر جذور النظام في كل أرجاء الإمبراطورية، بل وحتى خارجها. لكن، لا تتسرع في اختراق الممالك الأخرى؛ ركز حالياً فقط على مملكة 'جورد' والكنيسة داخل حدودنا وأمن إمبراطوريتنا"
رد مارتس بصوت خفيض وواثق: "أمرك جلالتك."
تابع راي: "استمر في عملك، ليس لديّ تعليق سلبي عليك؛ فتقدمك جيد بما يكفي. المشكلة الوحيدة التي تواجهها هي نقص الميزانية، لذا سأقوم بتعديل ميزانية ركن الاستخبارات ورفعها، مع زيادة رواتب رجالك. أحسنتَ عملاً."
قد يعود سبب تقدم ري لقدرته الحسابية الهائلة التي تساعده على إتخاذ أفضل قرار وأكثره كفاءة مما يخلق تأثيراً متسلسلاً يختصر عليه الوقت
أما مارتس فكانت كفاءته تعود لسبب مختلف فقد تمكن من استغلال كل علاقاته ومنظمته من أجل أخذ كل ما عمل عليه ري وتحويله لخدمة الركن الثالث لحظة استلام سلطة ذلك الركن بين يديه
ومع حقيقة تماسك المبادئ التي بنيت عليها منظمته فقد كان من السهل عليه إقناع أهم الأعضاء الداخلين بالانضمام إلى ركن الاستخبارات
بينما ظلت هذه المعلومة سراً على باقي الأعضاء حيث قرر عدم نشر خبر تفكك منظمة الخنجر الأسود مع استخدام دمار مدينة كعدر من أجل نقل مقرها وبذلك وضع فرعاً على جانب خارج عن القانون من أجل مراقبته ومراقبة المعلومات التي تمر داخله
وفي نفس الوقت تستمر المنظمة بالعمل على حد سيف القانون من أجل خدمة الإمبراطورية وذلك مكَّن مارتس من استخدام المنظمة من أجل ملء بناء الركن الثالث.
ومع نقابة المعلومات التي انضمت أيضاً إلى هذا الركن ولم يعلم إلا قليل من أعضائها عن الحقيقة أيضاً، أصبح كل ما ينقص هذا الركن هو القدرة على تبادل المعلومات بشكل أسرع وأسرع حتى من البلورة الشبكية
مع الحفاظ على السرية
وحتى دون أن يدرك الجميع هول العمل الذي قام به مارتس إلا أنه من خلال كلام راي من الممكن استنتاج حقيقة أنه إذا كان ري هو الوحش الإداري الظاهر، فإن مارتس هو الشبح الذي اخترق الحصون دون أن يشعر به أحد.
نشر جذوره في إمبراطورية.. بل حتى خارجها
أرعب هذا الإدراك وحده الحاضرين، لكنهم استجمعوا شتات أنفسهم ومنحوه جولة من التصفيق المحترم، قبل أن يبرز سؤال آخر
متى بدأ هذا الشخص العمل حتى تمكن من الانتهاء منه.
وتابع راي متجاهلاً الجو المتسائل.
"الركن الرابع، أنجيلا فلين.. عمل جيد أيضاً. لقد أُعيد فتح جميع البنوك في مدن الإمبراطورية، وكل شيء آخر بات جاهزاً لاتخاذ الخطوة الأخيرة وربط النظام العمودي المالي بالكامل. متى تعتقدين أنكِ ستكونين مستعدة لهذه الخطوة؟"
أجابت أنجيلا بثقة وهدوء: "أتوقع ذلك بحلول مو موعد تعميم العملة الجديدة في جميع أرجاء الإمبراطورية. نحن مستعدون للتقدم وربط كافة أطراف الركن فور أن تُفتح أبواب المدن وأبواب الإمبراطورية أمام الجهات الخارجية."
أومأ راي برأسه وقال: "عمل جيد. هذه هي الوثائق التي كانت تنتظر المصادقة، وسيتم تعديل ميزانية العمود الخاص بكِ أيضاً. استمري في عملك، فليس لديّ أي تعليق سلبي حالياً. سنناقش أفكاركِ لاحقاً في النصف الثاني من الاجتماع، فقد طرحتِ نقاطاً مثيرة للاهتمام."
انحنت أنجيلا بوقار وقالت: "سرني ذلك جلالتك."
بعد الرعب الاستخباراتي الذي نشره مارتس، جاءت أنجيلا لتؤكد أن الإمبراطورية تتعافى مالياً؛ فإعادة فتح البنوك تعني عودة النبض للأسواق واستعادة ثقة الشعب والتجار.
كانت إنجازاتها ضربة قوية لعمل الوزراء الذين بدت جهودهم ضئيلة أمامها، لكن لم يتمكن أحد من الانزعاج من ذلك؛ فابتسامة أنجيلا اللطيفة، والفخر الذي يرتسم على وجهها ليعكس جمالها الهادئ، جعل البعض يبتسم دون وعي. ومُنحت جولة من التصفيق والتقدير على عملها الجاد، ومر راي إلى الاسم التالي...
في النهاية هذه الجنية العبقرية تمكنت من النمو أمام أنظار الجميع وتمكنت بأكثر الأساليب الودية من إعادة بناء العديد من العلاقات مع النبلاء والتجار لكن أهم إنجازاتها في نظر راي هو إعادة هيكلة مراكز الموظفين.
وربما تكون قدرتها على وضع الشخص الصحيح في المكان الصحيح هي أحد أكثر الأشياء التي ميزتها عن ري ومارتس.
وتابع راي بعد صمت قصير وهو يحدق في اسمٍ تالٍ
"العمود السادس، ركن الروح.. مورغانا كليت."
بمجرد أن نطق راي بالاسم، اتجهت الأنظار كلها نحو الإمبراطورة. خيّم صمتٌ ثقيل على القاعة؛ فالجميع كان يترقب كيف سيعامل راي زوجته في هذا المحفل الرسمي.
لكن راي لم يظهر أي محاباة، بل كان يذكر الحقائق ببرود، تاركاً لمن لا يرضى حق الجدال.
"عملٌ جيد أيضاً، لكن تقدمكِ سريعٌ جداً؛ خففي السرعة قليلاً حتى لا يعيق تقدمكِ، تقدم باقي الأركان ومن أجل تجنب الفوضى التي حدثت سابقاً مع الصحف. هذا ما كنتُ سأقوله، لكن يبدو أن ركن الروح قد اتخذ الخطوة الأخيرة بالفعل."
أجابت مورغانا بثبات: "أجل جلالتك، لقد نشر نظام ركن الروح جذوره في جميع مدن الإمبراطورية، وسنتوسع نحو القرى بعد فتح البوابات، أعتذر عن المشكلة التي ظهرت سابقاً، لكننا بدأنا العمل على حلها منذ أيام."
أومأ راي بتقدير: "جيد، أشيد بعملكِ لتحقيق الاكتفاء الذاتي لجميع أقسام الركن. لقد خلقتِ دورة عملٍ ناجحة بعيداً عن إرشاداتي الخاصة، وبدأ العمود السادس يظهر جوهره الحقيقي.. عملٌ ممتاز."
"شكراً لك جلالتك."
هذا فقط؟
لم يفهم أحد مدى التقدم الذي وصل إليه ركن الروح حتى يكون تعليق راي مختصراً لهذه الدرجة لكن حصلت مورغانا على جولة من التصفيق، وبمجرد أن أنهت مورغاناكلماتها وجلست بوقارها المعهود، ساد القاعة نوعٌ من الذهول الصامت. عندما نطق راي بكلمة إضافية
"حالياً من الممكن اعتبار أن ركن الروح هو أول ركن أنهى جميع المراحل في المستوى الأول ومن أجل أن يدخل المستوى التالي عليه انتظار جميع الأقسام والوزارات والأركان الأخرى لذلك يرجى أخذ ذلك في الاعتبار وتسريع تقدمكم"
نظر الوزراء إلى بعضهم البعض بنظراتٍ مريبة؛ ومدركاً أنهم لا يفهمون رعب هذا الركن قرر راي إعادة تعريفه بأكثر الصور وضوحاً حتى يدركوا أن هذا الركن ليس موجوداً فقط من أجل المراسم والطقوس
عندها نظر وزير الداخلية بوجه شاحب إلى نفسه. فبينما كان يحاول السيطرة على الأمن بالقوة والقوانين، كانت مورغانا تفعل ذلك بهدوء من خلال الصحف وتوجيه الشائعات، مما جعل عمله يبدو "بدائياً" أمام دقة عملها.
تبادل الوزراء الهمسات الخافتة؛ فكيف تمكنت من الوصول إلى القرى والمدن بهذه السرعة؟ وكيف استطاعت إخماد الاضطرابات قبل أن تصل إلى مسامعهم؟ لقد أدركوا أنهم جميعاً، بوزاراتهم العشر، تحت رحمة "الصورة" التي ترسمها مورغانا للإمبراطورية.
ومع استيعاب كلمات راي، بدأ الجميع ينظرون إلى مورغانا بنظرة تقديرٍ ممزوجة بالخوف؛ فقد أدركوا أن هذا "الركن" هو الذي يجعل الناس يتقبلون قراراتهم الصعبة، وهو المحرك الذي يحول غضب الشارع إلى ولاءٍ مطلق.
بدت ملامح الدوق وبقية الوزراء وكأنهم استيقظوا على حقيقة كبرى؛ فهم لا يواجهون فقط إمبراطوراً بأفكار مجنونه ، بل يقفون أمام "منظومة روحية" متكاملة تقودها امرأةٌ تسيطر على عقول الرعية وتعرف كيف توجه بوصلة الرأي العام ببراعة.
"هل هذا واقعي".. كانت هذه الفكرة تدور في رؤوس الجميع وهم ينظرون إلى راي ومورغانا.
وعندما همّ راي بنطق الاسم التالي، ساد القاعة جوٌّ غريب، فلم يعد أحد من الوزراء راغباً في الدفن أكثر تحت هذا النوع من القدرات الوحشية.
___________
نهاية الفصل
___________