في الصباح لم يكن هناك فرق واضح يمكن الإشارة إليه، لكن ألكسندر لاحظ شيئًا لا يحتاج إلى دليل مادي: الإحساس بأن الليل لم ينتهِ بالكامل. الضوء القادم من النافذة كان طبيعيًا، حركة الشارع كذلك، لكن داخل رأسه كان هناك تأخير خفيف في “الانفصال” عن حالة الليل، كأن ذهنه لم يوافق على التحول الزمني بعد.
جلس أمام الطاولة، الكتاب في نفس مكانه تمامًا كما تركه. لم يلمسه لعدة دقائق، فقط يراقبه.
“إذا كان تفاعليًا مع الإدراك، ففترة الصمت قد تعني أنه يحتاج إلى محفز…”
مد يده ببطء وفتح الكتاب.
الصفحة الأولى كانت فارغة.
انتقل إلى الثانية. فارغة.
الثالثة. فارغة.
توقف.
“هذا تغيير في السلوك…”
قلب الصفحة مرة أخرى.
فارغة.
ثم مرة أخرى.
فارغة.
أغلقه.
أعاد فتحه بسرعة.
فارغ.
لم تتغير أي صفحة.
لم يكن هناك نص.
لم يكن هناك أثر لما رآه سابقًا.
رفع رأسه ببطء، ونظر إلى الغرفة حوله.
“هل هذا حذف إدراكي؟ أم أن المحتوى لم يكن ثابتًا منذ البداية؟”
مد يده إلى هاتفه، فتح الملاحظات، بدأ يكتب:
“الكتاب يعرض نصوصًا متغيرة تعتمد على حالة الإدراك المباشر للقارئ. عند انقطاع التفاعل…”
توقف فجأة.
نظر إلى الجملة التي كتبها.
أحس بشيء غير مريح، ليس في المعلومة، بل في الإحساس بأن الجملة لا تخصه بالكامل.
مسحها.
ثم كتب من جديد:
“الكتاب يعكس الإدراك الذاتي ويعيد تشكيله…”
توقف مرة أخرى.
نفس الإحساس.
أغلق الهاتف.
“أنا لا أحتاج إلى تدوين هذا الآن.”
لكن في اللحظة التي قال فيها ذلك، لاحظ شيئًا صغيرًا جدًا:
هو لا يتذكر لماذا بدأ التدوين أصلًا.
وقف.
نظر إلى الكتاب.
“إذا كنت قد تغيرت محتوياتك، فهذا يعني أنك تعتمد على حالة القارئ وليس على ذاكرة داخلية.”
فتح الكتاب مرة أخرى.
فارغ.
لكن هذه المرة لم يكن الفراغ هو المشكلة.
بل الشعور بأن الفراغ “ينتظر”.
كأن الصفحة ليست خالية، بل مؤجلة.
جلس أمامه مرة أخرى.
ثم قال بصوت منخفض:
“أين النص؟”
لم يحدث شيء.
صمت.
ثم فجأة، ليس في الصفحة، بل في ذهنه مباشرة، ظهرت جملة واحدة بدون وساطة القراءة:
“أنت لم تعد تتذكر النسخة التي كنت تقرأها.”
توقف.
هذه المرة لم يغلق الكتاب.
بل وضعه ببطء شديد على الطاولة، كأنه يضع شيئًا قد ينفجر إذا تم التعامل معه بشكل خاطئ.
“هذا ليس عرض معلومات…” قال بصوت منخفض جدًا. “هذا تعديل في الاسترجاع.”
توجه نحو النافذة. نظر إلى الشارع.
كل شيء كان طبيعيًا، لكن “الطبيعي” الآن لم يعد معيارًا موثوقًا.
أصبح مجرد احتمال.
في تلك اللحظة، رن هاتفه.
نفس الرقم.
هذه المرة لم ينتظر الصوت أن يبدأ.
“أنت تحذف أثر نفسك.”
توقف.
“من أنت؟”
“أنت من بدأت هذا.”
“هذا غير صحيح. أنا لم أعدّل أي نظام خارجي.”
صوت خفيف، كأنه ابتسامة غير مرئية:
“لكن تعديلك كان داخليًا منذ البداية.”
صمت.
ثم قال:
“إذا كان داخليًا، فلا يمكن أن يكون مستقلًا عني.”
“صحيح.”
توقف قصير.
“وهذا هو السبب أنك لا تستطيع التوقف عنه.”
انقطع الاتصال.
بقي ألكسندر واقفًا، الهاتف في يده، لا يتحرك.
ثم عاد إلى الطاولة.
فتح الكتاب مرة أخرى.
الصفحة لم تكن فارغة هذه المرة.
لكن النص لم يكن مكتوبًا.
كان هناك شيء أقرب إلى “إحساس مكتوب”:
ليس كلمات، بل فكرة كاملة موجودة مباشرة دون لغة.
وفهمها دون أن يقرأها.
“أنت لم تعد تتذكر ما كنت تبحث عنه أصلًا.”
تراجع خطوة.
ثم خطوة أخرى.
جلس على الكرسي.
ولأول مرة، لم يبدأ بتحليل الجملة.
بل بدأ يتساءل سؤالًا واحدًا فقط:
“هل بدأت أبحث عن شيء… أم أنني كنت أُعاد تعريف بحثي منذ البداية؟”
وفي مكان آخر، داخل غرفة شبه معتمة، كانت لينا تقف أمام ملف مفتوح يحتوي على صور قديمة للكتاب.
لم تكن تنظر إليها بفضول، بل كمن يتحقق من شيء يعرفه مسبقًا.
قال أحدهم خلفها:
“القرّاء الجدد بدأوا يبلغون عن نفس الأعراض.”
أجابت دون أن تلتفت:
“ليس أعراضًا.”
توقف الصوت خلفها.
أكملت:
“بل فقدان مرجع.”